بعد توجيهات الرئيسي السيسي بعودة أمجاد السينما المصرية : هل نستفيد من تجربة السينما الهندية في بوليوود ؟

23/02/2015 - 9:59:25

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحقيق - محمد الحنفي

هل يمكن أن تسترد السينما المصرية عافيتها وتصبح واحدة من أهم مصادر الدخل القومي كما يتمني الرئيس السيسي ، مثلما الحال في "هوليوود" أمريكا أو "بوليوود" الهند التي تدر أرباحا سنوية تفوق الخمسة مليارات دولار ، من جملة استثمارات فاقت الـ25 مليار دولار سنويا وأصبحت أفلامها ضيفا دائما ومطلوبا في كل سينمات العالم بما فيها السينما الأمريكية؟


في الأسبوع قبل الماضي اجتمعت الدكتورة فايزة أبو النجا ووزير الصناعة والتجارة منير فخري عبد النور ، برموز السينما المصرية وممثلي أفرعها المختلفة أبرزهم يسرا وإلهام شاهين وداوود عبد السيد والكاتب الكبير وحيد حامد بهدف بحث ملف المشروع القومي لصناعة السينما الذي تتبناه الدولة حالياً، للوصول إلي الطريقة المثلي لكيفية تدعيم هذه الصناعة من قبل الدولة وليس احتكارها أو تملكها، وكذلك وضع آليات للنهوض بها وعودتها لسابق عهدها حتي تتغير الصورة الذهنية والألفاظ الموجودة خلال السنوات الماضية التي سيطرت علي صناعة السينما في مصر، وأدت إلي تراجع مستواها، ونقلت لهم مدي اهتمام رئاسة الجمهورية بهذا المجال باعتبار السينما من عناصر القوة الناعمة لمصر، وعنصرا مهما جداً لدعم الاقتصاد المصري، وقالت "إن الرئاسة تنظر لصناعة السينما علي أنها أمن قومي، مشيرة إلي أن المشروع القومي للنهوض بصناعة السينما لا يعني سيطرة الدولة عليها أو تأميمها بل عودة عصر الريادة للسينما المصرية.


وفي ختام الاجتماع الذي استغرق ساعات طويلة ضربت الدكتورة أبو النجا أمثلة بهوليود التي تحقق أكبر عائد دخل قومي أمريكي، وكذلك الحال في مدينة بوليوود بالهند التي نتناول تجربتها الرائدة في هذا الملف .


علي الرغم من أن السينما المصرية أكبر عمرا من السينما الهندية التي احتفلت بمئويتها عام 2013 إلا أن الفارق شاسع بين إنجازات هذه وإخفاقات تلك ، فالسينما المصرية ذات الـ119 عاما لم تقدم لنا سوي 4000 فيلم فقط طوال تاريخها، وتقلص إنتاجها السنوي الحالي بشكل خطير وتعاني خسائر تتخطي الـ 200 مليون جنيه كل عام حسبما تقول غرفة صناعة السينما ، في الوقت الذي تشهد فيه السينما الهندية انتعاشة غير مسبوقة ومنتظمة حيث تعرض سنوياً ما يقرب من ألف فيلم في أكثر من 13 ألف دار عرض سينمائي، يشاهدها عشرة آلاف مشاهد يترددون علي السينما يومياً ويشترون ما يزيد علي 3.3 مليار تذكرة سنويا، مما يجعل الهند صاحبة أكبر عدد من رواد السينما في العالم .


إن حجم صناعة السينما الهندية 5 مليارات دولار تدر عليها أرباحا تصل إلي 4مليارات دولار ، وفتحت لها أسواقا ليس في قارة آسيا وحدها، ولكن في أوروبا وأمريكا، بالإضافة إلي أنها فرضت وجودها علي أهم مهرجان عالمي هو مهرجان "كان" السينمائي الدولي ، الذي خصص برنامجا لسينما "بوليوود" منذ سنوات !


أما اسم بوليوود فيعود إلي مدينة "بومباي" عاصمة السينما الهندية، التي تقع بها أضخم استوديوهات لتصوير الأفلام وتحميضها وطباعتها! هذه السينما التي كنا حتي وقت قريب، نضرب بها المثل بأنها سينما المليودراما والمبالغات، والأحداث اللامنطقية! وصلت إلي العالمية بأفلامها ونجومها الذين أصبحوا وجوها معروفة للجمهورين الأمريكي والأوروبي، نذكر منهم النجمة الهندية إشواريا راي، التي اختيرت لتكون وجها إعلانيا عن منتجات الراعي الرسمي لمهرجان «كان»، كما شاركت في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية منذ عدة سنوات، وشاركت أيضا في بطولة بعض الأفلام الأمريكية مثل الفهد الوردي أمام ستيف مارتن! أما أميتاب باتشان أهم نجوم السينما الهندية، وأحد أعمدتها فقد شارك هو الآخر في فيلم المخرج بازلورمان "جاتسبي العظيم " أمام ليوناردو دي كابريو، وسبقه عرفان خان الذي شارك في بطولة فيلم "حياة باي" للمخرج جانج لي، الذي كان مرشحا للأوسكار وعن شاروخان الذي أصبح فتي بوليوود المدلل ونجمها الأول فقل ماشئت !


ولا تتوقف العالمية في الهند عند نجوم التمثيل فقط ، إذ اختطفت السينما الأمريكية المخرجة الهندية مايرا ناير، التي قدمت أكثر من فيلم في استوديوهات هوليوود، بعد نجاحها في تقديم أفلام هندية جادة، مثل اسم العيلة، زواج مونسو، كما سوترا "وهي أفلام لا علاقة لها بما هو سائد من أفلام الميلودراما الاستعراضية! أما الموسيقار الهندي "أ . رحمن" فقد ذاعت شهرته، عالميا عندما اختاره المخرج البريطاني داني بويل لوضع الموسيقي التصويرية لفيلم "مليونير العشوائيات"، وحصل بها علي جائزة الأوسكار !


لقد باتت بوليوود أو مدينة السينما الهندية تمثل شبحا مخيفا لهوليوود أو مدينة السينما الأمريكية، وصارت تنافسها حتي في أفلام الخيال العلمي التي تتطلب ميزانية باهظة في إنتاجها واستخدام أحدث التقنيات السمعية والبصرية، فقدمت في السنوات الأخيرة، مجموعة أفلام البطل الخارق الذي يجمع في آن واحد بين باتمان "بحلته السوداء وقناع الوجه" وبين سوبرمان، الذي يتمتع بقوي خارقة، تمكنه من التحليق في الهواء والقفز من ارتفاعات شاهقة، وحمل عمارات وأبنية علي كتفيه!!


وفي سياق الكلام عن صناعة الترفيه والإعلام في الهند وفقا لتقرير صدر عن «إرنست آند يونغ» للاستشارات نقول إنها تنمو سنويا بنسبة 20 في المائة ، وأتت بإيرادات بلغت 25 مليارا في عام 2014، ؛ لهذا لم يكن مفاجئا أن تدخل شركات هوليوود مثل والت ديزني وفوكس القرن العشرين وفياكوم 18، ووارنر براذرز وسوني بيكتشرز إلي سوق الأفلام الهندية وأن تعمل علي إنتاج أو تسويق أو توزيع أفلام هندية، لأنه من الأسهل تحقيق الربح في الهند بدلا من لوس أنجلوس، حيث يبلغ متوسط تكلفة إنتاج الفيلم في بوليوود نحو مليوني دولار فقط، في مقابل 47.7 مليون دولار في هوليوود. كما تنخفض تكاليف التسويق كثيرا في الهند.


إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن : ما سر هذه السينما الأمريكية وكيف حققت كل هذه النجاحات والقفزات حتي أصبحت ندا قويا للسينما الأمريكية وباتت أفيون الشعوب الخليجية التي تدفع ملايين الدولارات سنويا لمشاهدة أفلامها ؟


في البداية تري الناقدة الكبيرة ماجدة موريس أن الهنود كان لديهم إصرار كبيرعلي وصول أفلامهم إلي العالمية، وبالفعل نجحوا في تحقيق هذا الهدف، حتي أصبحت سينما بوليوود قادرة علي منافسة السينما الأميركية والأوروبية، فهي تنتج مئات الأفلام المتنوعة سنوياً، كما تحرص علي الترويج لها بكل الوسائل، سواء عبر فضائيات أسسها القائمون علي صناعة السينما الهندية وتخصصت في عرض أفلام بوليوود ، أو بالتواجد المؤثر في المهرجانات العالمية، وتشير الناقدة ماجدة إلي وجود نوعين من السينما الهندية، أولهما التجاري الشعبي الذي يحتل المركز الأول لدي العرب، خاصة في منطقة الخليج، لأنه يعتمد علي المحتوي الترفيهي الذي يضم الغناء والرقص والأكشن والقصص الرومانسية، بالإضافة إلي وجود تقارب حضاري بين الجمهورين الهندي والعربي.


أما النوع الثاني فيقتصر علي مجموعة متميزة من الأفلام التي نجحت في حصد عشرات الجوائز خلال السنوات الماضية، وفي دخول منافسة شرسة مع السينما الأمريكية، كما أن سر نجاح سينما بوليوود لم يقتصر علي مضمونها المختلف، فنجومها كان لهم دور مهم في المكانة المتميزة التي تحتلها الأفلام الهندية الآن ، لما يتمتعون بجاذبية خاصة بدايةً من أميتاب باتشان مروراً بشاه روخان وكارينا كابور، وغيرهم كما أن دبلجة هذه الأفلام إلي أكثر من 20 لغة أخري ساهمت في نجاح السينما الهندية عالميا، فضلا عن هويتها المختلفة تماماً عما يقدم في أفلام السينما العالمية المعروفة، وما يتم طرحه من مواضيع متنوعة في أفلام بوليوود يتركز عادة علي الناحيتين الإنسانية والاجتماعية القريبة من مجتمعاتنا العربية الأكثر ميلاً للعاطفة .


بينما يري الفنان الكبير أشرف عبدالغفور نقيب الممثلين أن صناع السينما الهندية قد أدركوا منذ اللحظة الأولي قيمة هذا المنتج وتعاملوا معه بجدية فتم إنشاء أعداد كبيرة جدا من دور العرض في جميع المدن والمحافظات بالإضافة إلي سوق التوزيع الخارجي في كل دول العالم تقريبا، ومن ثم فقد أصبح للفيلم الهندي عشاقه في كل بلاد الدنيا. وأصبحت السينما جزءا من برنامج الحياة اليومي لدي الأسرة في الهند. نجح صناعها في تطبيق المعادلة الصعبة "السينما صناعة وتجارة وفن" ، فأصبح دخل الهند من السينما أكبر من الدخل القومي الإجمالي لدول كثيرة.


أما الناقد السينمائي المخضرم طارق الشناوي فيشير إلي أن السينما الهندية حققت العديد من المنجزات الفنية، علي رأسها الوصول إلي قلوب المشاهدين بسرعة، لأنها تتميز عن السينما الأمريكية والأوروبية في العديد من الأشياء، أهمها اعتمادها علي دور القدر في حياة الإنسان، فهذا الأمر يتفق عليه كل مشاهد مهما كانت درجة ثقافته.


ويضيف: »السينما الهندية تفوقت علي الأمريكية والأوروبية في دول الخليج، فالأفلام الهندية تحتل المركز الأول في قلوب جماهير الخليج حتي أصبحت أفيونهم، بينما تراجع الفيلم الأمريكي في المركز الثاني والمصري في المركز الثالث، وهذا التفوق يرجع إلي العادات والتقاليد المتشابهة بين المجتمعين الخليجي والهندي، بالإضافة إلي أن الجماهير العربية بوجه عام تعشق الغناء والرقص والأكشن، وهي المعايير الثلاثة الموجودة في أي فيلم هندي.


أما الدكتور سيد خطاب أستاذ الدراما بأكاديمية الفنون ورئيس جهاز الرقابة الأسبق فله وجهة نظر ثاقبة ومحترمة في ظاهرة السينما البوليودية يقول فيها : "الذهاب إلي السينما جزء من ثقافة وتقاليد المجتمع في الهند. وهذا هو جوهر الموضوع. فالدولة هناك لا تشارك في الإنتاج السينمائي ،لكنها توفر مناخا مناسبا يشجع الجميع علي العمل والاستثمار في هذا المجال. والهنود لديهم شركات تسويق علي أعلي مستوي. تستطيع الوصول إلي آخر بلاد الدنيا لتوزيع الفيلم الهندي. وبالتالي فإن مردود وعائد أرباح أي فيلم يعادل مئات المرات تكاليف الإنتاج. رغم أن تكلفة إنتاج الفيلم زهيدة جدا لاعتمادها علي التصوير الخارجي في الأماكن المفتوحة والحدائق والقصور القديمة، وكل هذه تتم بدون مقابل تشجيعاً من الدولة. عكس ما يحدث في مصر. ويؤكد د. خطاب علي أن سر نجاح الأفلام الهندية يكمن في الموضوعات الدرامية والإبهار اللوني والمؤثرات السمعية والبصرية والموسيقي والغناء المميز جدا لدي الهنود. فحدوتة الفيلم بسيطة لكنها تناقش قضايا إنسانية تمس مشاعر الناس بالإضافة الي وقصص الحب والتضحيات والبطولات .