يحيى حقى .. عظيم .. جم التواضع

23/02/2015 - 9:54:46

يحيى حقى يحيى حقى

كتب - رجائى عطية

غلَّفنى الأسى حين اكتشفت أنه مرت علىّ من أيام ذكرى ميلاد يحيى حقى دون أن أنتبه، فهو من مواليد 7 يناير 1905، ويحيى حقى هو من هو، ولكن له عندى أضعاف مضاعفة لعلّها تتجاوز ما له عند معظم الناس، فقد عشقت أدبه وشخصيته وهمت بكتاباته قبل أن أراه، فلما قابلته زاد عشقى له أضعافاً، التقيته مع المرحومة الصديقة سميحة غالب زوجة الصديق المرحوم صلاح عبد الصبور، بإحدى الأمسيات فى فندق شبرد، ومعنا الروائى محمد الحديدى الذى رتب اللقاء، وكان للحصول على موافقته بعرض إحدى قصصه القصيرة ببرنامج «قصة قصيرة» بالتليفزيون المصرى، وكانت تقدمه التليفزيونية سميحة غالب، وأشارك فى إعداده، ويقوم على عرض القصة المختارة فى شكل درامى أتولى كتابة السيناريو والحوار لها، ثم نتناولها نقديًّا بباقى الحلقة، وكم كان الرجل جم التواضع دافئ الإنسانية والألفة كما تصورته على البعد.


ولكنى اكتشفت تلك الليلة أنه كان زميلاً بدفعة المرحوم أبى الأستاذ عطية عبده المحامى والأستاذ توفيق الحكيم، والتى تخرجت فى حقوق القاهرة سنة 1925، وكان مسمَّاها وقتئذ مدرسة الحقوق الملكية، ولكنه كان فى أوائل الدفعة وترتيبه الرابع عشر، بينما كان أبى قرب آخر الدفعة، وتوفيق الحكيم فى ذيلها ( الـ 134 من 135 ) ـ ومضى اللقاء على أكثر مما أحب وتوقعت، فأعطانى موافقته فى سلاسة، ولم يشترط كما اشترط علينا توفيق الحكيم حتى أرهقنا، ولم يطلب عن القصة سوى مائة وخمسين جنيها تقديرًا لفقر التليفزيون، واختار يومها قصته.


امرأة مسكينة، ولأنه لا يذكر متى وأين نشرت، وكان على سفر فى الصباح إلى باريس، فقد طلب إلىّ أن استعين بالدكتور حمدى السكوت أستاذ الأدب العربى بالجامعة الأمريكية، وقد فعل وهدانى مشكورا إلى حيث صورناها بالزنكوغراف من الأهرام الذى نشرت فيه، فلم تكن قد نشرت بعد فى أى مجموعة قصصية .


ومع أن يحيى حقى كان أحد أضلاع التنوير مع العمالقة العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم، فإنه كان جم التواضع، لا تخطئ العين تواضعه فى مسلكه وحدبه على شباب الأدباء، وفى أماكن نشر أعمدته ومقالاته التى لم تجاوز صحف -التعاون - و المساء والثقافة وفى مجلة «المجلة» فى قليل من الأحيان مع أنه ظل رئيس تحريرها لتسع سنوات من 1962 حتى 1970، كان فيها يقدم غيره فى النشر على نفسه .


وقعت عينى سلفا على لقطة ليحيى حقى عن بيرم التونسى، أوردها فى كناسة الدكان، قدم لها بعشق الأسرة المنتمى إليها للشعر، ومسارعتها للاحتفاء بما كان ينشر بالصحف فى أوليات القرن الماضى من أشعار أحمد شوقى أمير الشعراء، وزجل بيرم التونسى شاعر العاميّة قبل أن تؤول دولته من بعده إلى صلاح جاهين، وكيف التأم عشق الفصحى وهو سمت الأسرة، مع استطراف زجل بيرم بالعاميّة، وكيف كانت تجد المتعة فى الظفر من قصيدة شوقى


( الفصحى ) ببيت القصيد وبالنغم والمعنى المبتكر، بينما كانت تجد فى زجل بيرم بالعاميّة ـ النكتة وخفة الدم واستجلاء عبقرية العاميّة فى ظرفها ولطفها وبراعة كنايتها .. لا يدانيها فى أزجال بيرم ـ شاعر آخر .


يحكى يحيى حقى كيف مع عشقه والتزامه الفصحى، وقع فى عشق بيرم، وكيف وهو يافع كتب مقالاً يشيد فيه ببيرم وأزجاله، واعتبره فيه أيضا إمامًا فى فن القصة القصيرة، فلما فوجئ ينشره، سارع بإرساله بالبريد المسجل الذى كلفه نصف مصروفه الشهرى، إلى بيرم على عنوانه فى منفاه فى باريس بعد أن حصل عليه من الصحيفة التى كان ينشر فيها مذكرات .. سيد ومراته فى باريس .. وكأنه أراد أن يقول له .. فى مصر إنسان يحبك ويعجب بك ويشيد بفنك ويهمه أن يبلغك هذا الحب وأنت فى غربتك .


بلطف ورِقَّة، يروى يحيى حقى أنه كتب عنوانه باستحياء تحت إمضائه، ولكنه لم يتلق ردًّا .. فيقول لنفسه وهو يغالطها إنه لا يطمع أن تصله كلمة شكر، وكل الذى يرجوه سطرًا واحدًا يحمل من بيرم تحية، ليمتد معه حبل الود ولو فى الهواء !


ومرت شهور، وربما أعوام، ونسى يحيى ـ فيما يروى بخفة ظل ـ حكاية المقال والمجلة . وذات يوم ابتسم له الحظ والتقى ببيرم، فذكّره بحكاية المقال والمجلة وهو يسأل عمَّا إذا كان قد وصلته وقرأ المقال، بيد أنه لدهشته لم يجد من بيرم شكرًا ولا حنانًا، بل وجده قد إربد وجهه واغبر وفاجأه بقوله : هوّ انت ؟ الله يخرب بيتك !


وهو لا يزال تحت وقع الذهول، روى له بيرم أنه كان يشكو الجوع فى باريس، وليس فى جيبه من الفرنكات سوى ما يكفى طعام يوم، وينتظر أن يصله بالبريد أجر بعض ما كان ينشره من مقالات بالقاهرة، وأنه حين أتاه إخطار البريد طار وهو يمنى نفسه بوصول طرد مسجل هرع إليه كالمجنون المشتاق، فوجده مظروفًا مسجلاً فقال لنفسه لعل به شيك أو ما حنَّ به صديق من مصر، فلما طالبوه بالأرضية لقاء تأخر استلام المسجل لتغييره عنوانه عدة مرات، بادر بيرم ملهوفًا فدفع كل ما فى جيبه ولم يبق معه فَلْس واحدة وهو يمنى نفسه بمحتوى المسجل، فلم يجد به سوى مجلة قديمة فوق البيعة دفع فيها كل ما يملك !


أنهى بيرم روايته وهو يقول له : تعلم الآن أننى لم أقرأ مقال حضرتك يا سيدى.


ويستطرد يحيى حقى فى سخريته الظريفة من نفسه، فيقول إنه كانت قد ارتسمت لبيرم فى ذهنه ـ غيبًا ـ صورة رجل ظريف بحبوح سريع الإقبال يهمس لجليسه، رجل يكره الغم والنكد، لا يحب الشكوى، سعيد بالمكانة التى بلغها، فإذا به لشدة دهشته ـ أو صدمته ـ يجد بيرم على نقيض هذا كله، وجده إنسانًا يحب العزلة، من الصنف الذى يكره أن تلمس يد غير يده ذراعه أو كتفه، يطيب له أن يجلس وحده فى مقهى بلدى فى حىّ شعبى، منقبضًا، مكورًا على نفسه، والتكور هو أيضًا صفة جسده ورسم وجهه، ملامحه تكاد تنطق بأنه يتكتم زمجرة ترتكض فى أحشائه، يخيل إليه أنه يجز على أسنانه، ولما جلس إليه أحس أنه لا ينتظر منه إلاًّ الحديث المقتضب .. كلمة وردّ غطاها .. ليس له صبر ولا مرارة على اللت والعجن، فإذا تحدث هو لم يكن حديثه إلاَّ عن شكوى من مطربة أكلت حقه، أو من الإذاعة التى أهملت أوبريت له .. فى صوته نغمة الشكوى من ظلم واقع عليه أو حق مهضوم .


لا يعرف يحيى حقى هل هذا طبعه الغالب عليه فى جميع حالاته، ولكنه هكذا وجده فى المرات القليلة التى جلس فيها إليه، وصار من بعدها يتحاشاه ويتجنب أن يقطع عليه خلوته.


كم كان هذا العظيم جم التواضع والأدب، لا زلت أذكر الفتور الذى قابل به صلاح جاهين إقباله عليه فى أحد برامج التليفزيون إلى حد أن قال ـ وهو يحيى حقى ـ إنه فخور بأنه عاش عصر صلاح جاهين، وكان قد كتب عدة مقالات ضافية عن رباعياته، نشرت فى كتابه الرائع عطر الأحباب .. بل لازلت أذكر بضيق لم يفارقنى من يومها كيف تفذلكت عليه ـ بعجرفة غريبة ـ المذيعة ليلى رستم فى لقاء تليفزيونى مع النجوم والمشاهير، ويدهشنى لين الرجل وسماحته وأدبه وتواضعه، ولكنى أدركت بعد سنوات كيف عاش ويعيش هذا العظيم فى أغلى مكان فى قلوب ووجدانات أرتال من الأدباء والكتاب ازدانوا بمعرفته، وارتووا من نبعه الحافل بالجواهر النفيسة، وعرفوا له فضله الكبير، وقلبه الأكبر الذى وسع الدنيا والإنسانية.


إنه يحيى حقى وكفى !


تحية له فى ذكراه .