صُحبة ورد .. للغيطانى

23/02/2015 - 9:48:50

جمال الغيطانى جمال الغيطانى

كتب - أحمد النجمى

حين تسقط فى "خواء الروح"، وتتجاذبك أطراف الأزمات كأذرع الأخطبوط، تحن إلى "مأثورات القراءة"، لعلك تأتى منها بقبس أو تجد عليها هدى، سنة بشرية عتيقة، لا


تقتصر على القراءة وحدها، ربما يتذكر الابن روائح أبيه فى ستراته التى لا تزال معلقة فى "الدولاب" بعد رحيل الأب بسنوات، أو يحن العاشق إلى المكان الذى ألتقى فيه محبوبته - لأول مرة - فجاء العشق كالومض الخاطف، وهكذا أجدنى فى أحيان كثيرة . فى آخر أزمة مع الروح - الأسبوع الماضى - التقطت يدى "أوراق شاب عاش منذ ألف عام" للأديب الكبير والمثقف الموسوعى "جمال الغيطانى" وواحد من أهم الذين يواسوننى فى آلام الروح بكتاباته..! وهذا الكتاب أول عمل صدر للغيطانى حين كان بعد شابا صغير السن.. وهو اليوم يوشك على الاحتفال بعيد ميلاده السبعين فى 9 مايو المقبل..!


جمال الغيطانى - 70 عاماً - جزء من معمار القاهرة التاريخية ، لا مبالغة فى هذا القول .. إن أسعدك الحظ ورافقته فى دروب المدينة القديمة، فى الجمالية والغورية والمغربلين وباب الشعرية والدرب الأحمر والدراسة وغيرها.. حدثك جمال الغيطانى عن جوامعها وخانقاواتها وأضرحتها وأسبلتها وكتاتيبها وقبابها .. يحدثك كمن يقرأ كف يده، يحفظ كل حجر فيها، لا تندهش إن سمعت من الغيطانى اسم (البنّاء) الذى شيد هذا الأثر أو ذاك، وليس فقط السلطان أو الأمير الذى أمر ببنائه، وهو فى ذلك كله موصول - بقوة - بالتاريخ: لماذا بنيت هذه الزاوية، ولماذا أنشئ هذا السبيل، ومتى شٌيد هذا الجامع؟ مع نبذة - مجزئة - لسيرة صاحب البناء ..!


والغيطانى - إلى ذلك - صحفى قدير .. تمرس بالتحرير الصحفى العسكرى فى زمن الحرب .. ضد العدو الإسرائيلى، وعاش شهوراً فى جبهات القتال .. يراسل "أخبار اليوم"، فكانت سطوره من أهم ما كتب فى الصحف المصرية من يوميات هذه الحرب، وقارىء الأدب المحترف يعرف فيها الحس الفنى و"نفس الأديب" لا يورد المعلومات القيمة وحسب، وهكذا صار "الغيطانى" من نجوم (أخبار اليوم) لأحد عشر عاماً، بعد ذلك حتى أصبح - 1985- محرراً ثقافياً للصحيفة الشهيرة، ثم أسس "أخبار الأدب" - 1993 - وكان أول رؤساء تحريرها .. ومثلت "أخبار الأدب" فى مرحلة الغيطانى الذى ظل رئيساً لتحريرها لنحو 18 عاماً، تجربة فريدة فى الصحافة الثقافية المشتبكة مع الواقع، المنفتحة على أهم الروافد الأدبية الجديدة.


خلال ذلك المشوار الطويل اعترضت الغيطانى تجربة الاعتقال.. حدث ذلك فى أكتوبر 1966، وكان فى صحبة جمال الغيطانى آخرون من كبار المثقفين : سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودى وصلاح عيسى على سبيل المثال.. وحدث أن دعى (سارتر) المثقف الفرنسى العظيم لزيارة مصر ، فاشترط الافراج عن هذه المجموعة من المثقفين لكى يزور مصر ، فأفرج عنهم الزعيم خالد الذكر "جمال عبدالناصر" .. وكان هذا قبل العدوان الصهيونى الآثم على مصر (5 يونيو 1967) بقليل ..!


لم تكن حياة جمال الغيطانى سهلة .. ليس لأنه اعتقل وهو ابن 22 سنة وحسب، ولكن أيضا لأن صلب حياته لم يكن سهلاً ، تلقى تعليمه فى مدرسة (عبدالرحمن كتخدا) وأكمله فى مدرسة (الجمالية) الابتدائية، ثم أنهى دراسته فى مدرسة "محمد على" الإعدادية ، ثم التحق بمدرسة (الفنون والصنائع) فى العباسية.. فهو ابن القاهرة التاريخية ، بكل ما تحمله هذه المنطقة من معاناة لا تبدو للرائى من بعيد، فهذه المنطقة التى تبدو أبنيتها التاريخية أكثر بهاءً وجمالاً من سواها من الأحياء فى القاهرة ، يئن فيها الإنسان أنيناً مستمراً من سوء الحياة اليومية .. صحيح أنها منطقة سياحية رائجة ، وتراثية عظيمة، غير أن بها من مرارة الواقع الإنسانى نفس ما بها من عظمة تاريخية وأهمية سياحية .. فلم يكن غريباً - والحال كذلك - أن يكون الغيطانى منحازاً للفقراء ، منتمياً إلى السياسات التى تتبنى "العدل الاجتماعى"، ولم يكن مدهشاً - بالتالى - أن يدخل المعتقل فى الستينيات .. كما لم يكن مدهشاً أن ينحاز إلى الطبقات الفقيرة فى أدبه.


والغيطانى بدأ مشواره الأدبى بصعوبة كبيرة .. بدأه مبكراً ، مع رفيق دربه الأديب الكبير "يوسف القعيد"، فأصدر مجموعته الأولى "أوراق شاب عاش منذ ألف عام"، ذلك الكتاب الذى صدر بأعجوبة - مالية - وكان ناشره المسئول "سمير ندا" الأديب الكبير، ومدير تحريره الناقد الأدبى "إبراهيم فتحى".


وصدر هذا الكتاب - المجموعة - فى قطع صغير بورق أصفر محدود التكلفة عن (مطبعة الترعة البولاقية) بشبرا.. وكان ثمنه (10 قروش). عام 1969!


فى تلك المجموعة ، خلاصة المشروع الأدبى والفنى الذى سيشتغل عليه (الغيطانى) بعد ذلك ويطوره، وكانت بين طيات قصصه شخصية (الزينى بركات بن موسى) المحتسب، الذى سيبدعه الغيطانى لحماً ودماً بعد ذلك فى أواسط الثمانينيات ، ويتحول بعدها إلى عمل عالمى ذائع الصيت ويترجم إلى الألمانية والفرنسية، وليصبح نموذجاً فى العمل الأدبى الذى يصلح لكل الأزمنة: فدائماً هناك ذلك المنافق، النصاب سياسياً ، ذو الخبرات كأن "الغيطانى" يقصده بشخصية (الزينى بركات) .. وهكذا بلغ جمال الغيطانى بهذا العمل الفنى الفريد - رواية الزينى بركات - معنى "العالمية"، من حيث هى القدرة على قراءة (الواقع الإنسانى) عموماً، عابرة حواجز اللغة والتباين الحضارى والثقافى..!


وأعود إلى (أوراق شاب عاش منذ ألف عام) ، وأبرز قصصها - فى تقديرى المتواضع - قصة تحمل عنوان (هداية أهل الورى لبعض مما جرى فى المقشرة) .. حيث يجوب بك الغيطانى فى عالم المعتقلات المملوكية ، عبر يوميات - افتراضية - لآمر السجن (المأمور بمصطلح العصر الحالى) ، ذلك الشخص السادى، الذى يعتبر السادية جزءاً معتاداً من عمله، فيصلى الأوقات جميعها فى انضباط، ويفتتح كل مشهد من مشاهد التعذيب اليومى المعتاد بقوله "رب يسر وأعن" ، ويحدثك عبر هذه اليوميات عن لحظات التلذذ بالتعذيب، ونلاحظ هنا أن هذا المسلك الشاذ، هو جزء لا ينفصل عن دولاب العمل اليومى للرجل .. كأنه - الغيطانى - يحاكى به ما رآه فى المعتقل قبل ذلك بعامين .. ولسان حاله يقول أن الدولة حين تسقط فى هذا "المستنقع الحيوانى" ، تسقط فى حربها ضد إسرائيل (1967)، وهو نفس المعنى الذى سيصل إليه فى (الزينى بركات) بعد ذلك بـ 15عاماً ...!


أما الإرهاصة بشخصية (بركات) فتأتى فى مجموعته الأولى أيضاً فى قصة "كشف اللثام عن ابن سلام" وهذه القصة تلى - مباشرة - قصة (هداية أهل الورى) التى ذكرناها .. وابن سلام شخصية افتراضية ، تمثل (الضمير الجمعى) للمصريين فى أثناء الغزو العثمانى الدموى البغيض لمصر فى نهاية زمن المماليك، وكأن الغيطانى قصد من وضعها بعد قصة (هداية أهل الورى..) أن يستكمل المشهد.. فهداية أهل الورى تقع فى زمن أواخر المماليك، أما (ابن سلام) ففى نهايته وبداية العصر العثمانى، ذلك العصر الذى شهد استمرار نفوذ (الزينى بركات) الذى كان محتسباً للمماليك ثم صار محتسباً لخايربك أول ولاة العثمانيين أيضاً.. يمسك به ابن سلام ويفضحه وسط العامة ويحاكمه (محاكمة تاريخية)، كأن الغيطانى يقصد بهذا محاكمة (المسئولين عن الهزيمة) فى ذلك العصر ممن احتفظوا بمناصبهم قبل الهزيمة وبعدها أيضاً..!


هكذا يتحد الغيطانى - القلم - والغيطانى ابن القاهرة التاريخية ، انطلق مشروعه الروائى بعد (أوراق شاب عاش منذ ألف عام)، من قلب تلك المدينة العتيقة، التى تشبه فى جمالها مدن (ألف ليلة وليلة) ، لكنها فى الواقع شهدت آلام الغابة وحياة (الإنسان الأول) الذى يدبر حاله طوال الوقت ليهرب من وحوش قادرة على التهام لحمه وعظامه ...!


انطلق قلم الغيطانى بعد هذا السفر صغير الحجم عظيم القيمة، ليطال الماضى والحاضر والمستقبل، فى إنتاج غزير الكم عالى الكيف.. يكتب الرواية والقصة القصيرة والكتاب الأدبى والسياسى والسيرة الذاتية .. من (متون الأهرام) إلى (شطح المدينة) إلى (منتهى الطلب فى تراث العرب) إلى (حكايات الموسسة) إلى (التجليات) - ثلاثة أسفار - إلى (وقائع حارة الزعفرانى) و(يوميات القلب المفتوح) و(رسالة البصائر والمصائر) و(المجالس المحفوظية) و (حارة الطبلاوى) و(توفيق الحكيم يتذكر) و (مصطفى أمين يتذكر) و(نجيب محفوظ يتذكر) .. أكثر من 30 عنواناً قيماً للغيطانى تملأ أرفف المكتبة العربية والإنسانية .. منها ما ترجم إلى لغات الدنيا الحية.. كرواية "التجليات" بأجزائها الثلاثة - فى مجلد واحد - وترجمت إلى الفرنسية (2005) وحكايات المؤسسة والزينى بركات والبصائر والمصائر وحارة الزعفرانى وشطح المدينة ومتون الأهرام - وجميعها ترجم إلى الفرنسية أيضاً - ومنها ما ترجم إلى الألمانية (الزينى بركات، حارة الزعفرانى، البصائر والمصائر..).


ولاستيعاب (مشروع جمال الغيطانى) الأدبى ، الذى ينطلق من التراث إلى المستقبل ، وفق وجدان مصرى خالص وبرؤية منحازة إلى التقدم، ورهان على مشروع نهضة وطنى جامع، يجب أن يضع المرء فى حسبانه تأثر الغيطانى بنجيب محفوظ ، شيخ الرواية العربية وعلمها الأكبر وقطبها العظيم، الذى صحبه الغيطانى سنوات طويلة، وصار - هو وصديق عمره يوسف القعيد - من أركان (شلة الحرافيش) التى أحاطت محفوظ عهداً ممتداً .. تأخذ عنه، وتكتب على لسانه أحياناً ومن وحيه أحياناً، لكن الغيطانى - وحده - الذى انتمى إلى نفس المكان الذى ولد فيه محفوظ وعاش سنوات طفولته به: القاهرة التاريخية .. ربما عدّ بعض النقاد مشروع جمال الغيطانى استكمالاً لمشروع نجيب محفوظ الروائى، ونعارض ذلك بالقول : إن محفوظاً انطلق من القاهرة التاريخية نعم، وأبدع فيها أعمالاً لعلها الأهم فى مشواره، (الثلاثية) و(زقاق المدق) و(بداية ونهاية) و(الحرافيش)، لكنه كتب عن القاهرة كلها قبل ذلك وبعده ، وكتب عن الإسكندرية أيضاً، كذلك الغيطانى تحرر من "الحكى التاريخى" ومن فكرة (الإلغاز التاريخى) فى كثير من أعماله، وبقى التاريخ - وقاهرته القديمة - خلفية للأحداث .. لكنهما يلتقيان فى النشأة ، وفى الجو الروحانى - نفسه - ثم تتشعب بهما السبل، وتختلف بينهما الأزمنة، ليعودا فى النهاية إلى ملتقى : كلاهما يريد مصر أكثر تقدماً، أكثر عدالة ، أكثر إنسانية ، أكثر حرية .. لكن كلاً منهما ابن مشروع ثقافى مختلف ، باختلاف العصر.. وبعد فمحفوظ "وفدى" الهوى والغيطانى يسارى الطابع!


جمال الغيطانى قيمة ثقافية كبيرة، صاحب باع طويل فى الإبداع الروائى والقصصى ، وصاحب سجل حافل فى الصحافة عموماً، وفى الصحافة الثقافية بالذات.. وهو واحد من أبرز المهمومين بهذا الوطن، المراقبين لحاله، هبوطاً وصعدواً، يستحق الاحتفاء بعيد ميلاده السبعين الذى يحل خلال أسابيع - 9 مايو المقبل- نوقد له 70 شمعة، متمنين له حسن الصحة، وقبل هذا وبعده نتمنى صحبته.. فهو من القلة المحدودة المحافظة على (وطنية القلم) و(نقاء الرؤية) ، وصدق الانتماء لكل ما هو جميل لهذا البلد.. هذا الانتماء الذى دفع ثمنه من قلبه، الذى أجرى فيه أكثر من جراحة ، أطال الله عمره، ومتع به ، وأمده بقدرة على المزيد من الإبداع .. كل عام وأنت بخير يا عم جمال .. فقليلون هم من يستحقون الاحفاء بهم هذه الأيام !