حكايتان عن لويس عوض : عندما سافرنا للعراق معاً .. وحكايته مع جيهان السادات

23/02/2015 - 9:47:21

لويس عوض لويس عوض

كتب - يوسف القعيد

لدي كثير من الحكايات عن لويس عوض يمكن أن تشكل كتاباً عنه. عندما أجلس لأدوّن بعضها الآن أسأل نفسي: لماذا لم أكتبها في حياته؟ من المؤكد أن سعادته كانت ستصبح بلا حدود لو أنني فعلت ذلك وهو علي قيد الحياة. لكننا نحن أحفاد الفراعنة. ننتظر حتي يرحل الأحبة عن عالمنا لكي نبدأ الكتابة عنهم. ألسنا أحفاد من بنوا الأهرامات التي هي عملية كفاح مستمرة ضد النسيان واعتبروها أهم ما تركوه لنا؟ عموماً من شابه أجداده من حقه أن يشابههم. وليس مطلوباً الاختلاف والمغايرة عنهم لمجرد الاختلاف.


عندما استضافني لويس عوض في مكتبه الذي كان موجوداً بشارع الهرم. وكان مكوناً من ثلاث غرف ومطبخ وحمام. عندما استأذنت منه واتجهت للحمام. وفوجئت بعدد من الكتب من بينها روايتي: شكاوي المصري الفصيح. في البانيو. وحولها المياه من كل جانب. من المؤكد أنه منظر مخيف. لم أتوقع رؤيته. ولم أُعِدُ نفسي للتعامل معه. ولم أكن أتخيل وجوده في حياتنا.


وجدت روايتي تعوم في مياه البانيو. انحبس البول بداخلي من هول المنظر الذي شاهدته. وفقدت الرغبة في التبول. في طريق عودتي إلي الدكتور لويس عوض. سألت نفسي: هل أقول له علي ما شاهدته؟ أم "أُطنِّش"؟ تجنباً للمشاكل التي تحاصر الإنسان من كل جانب. اخترت الحل الأول. كان واضحاً علي وجهي تأثير ما شاهدته.


لويس عوض هو الذي سألني بعد أن عُدت إليه:


- ماذا بك؟ هل حدث لك مكروه؟.


حكيت له ما شاهدته. ضحك علي حتي استلقي علي قفاه. وحكاية الضحك حتي الاستلقاء علي القفا جملة من القراءات القديمة للإنسان، قرأناها كثيراً في وصف جيل العباقرة الكبار الأول: العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم.


نصحني لويس عوض أن أحمِد الله أن مكتبته ليست في بيته. وأن هناك وسائل جديدة لتسخين المياه. وإلا كان حدث لها ما سبق أن وقع لكتبه عندما أهدي كتبه للدكتور طه حسين. وكان مصيرها أسوأ بكثير من مصير كتبي عنده. تساءلت:


- وهل هناك ما هو أسوأ من رمي الكتب في البانيو؟.


حكي لي أنه شاهد بقايا كتبه محترقة في بيت طه حسين. وعندما احتج قال له طه حسين بنفسه وبلسانه إن الست سوزان تسخن بها المياه في الشتاء. وأن طه حسين اعتبر الحكاية من الأمور الطبيعية التي لا يجب الغضب منها.


كان يومي مع لويس عوض جميلاً. حيث دعاني للغداء في مطعم قريب من مكتبه. ثم أخذني إلي المكتب لأستمع معه إلي الموسيقي السيمفونية. ولكن النهاية جاءت مأساوية. انتقل في الحديث من موضوع إلي آخر. ولكن كان من الصعب علي نسيان الأمر أو حتي تجاهله. لأنه كان أمراً خطيراً من وجهة نظري.


وما أدراك ما العراق


سافرت مع لويس عوض إلي العراق وقت الحرب العراقية الإيرانية. كان السفر بالصدفة. لم أكن أعرف أنه مسافر. ولم يكن يعرف أنني مسافر. قال لي ونحن علي الطائرة إنه ذاهب إلي هذا البلد للوقوف معه في وجه الهجمة الشرسة. أي أنه ليس مع العراق ولا نظام حكمه. ولكنه ضد الغزاة القادمين من الشرق. قال لي إن جحافل الظلام كانت تأتي من هذه الناحية. التتار والمغول ومن حرقوا مكتبة بغداد. الآن فإن هذه الهجمة الظلامية يجب أن نقف جميعاً ضدها بكل ما نملك. أغفل تحليله أمرين: الأول أن العراق هو الذي بدأ بالعدوان علي إيران. والثاني: أن الشرق أتت منه أنوار كثيرة من قبل.


ولكنه كان يري ويصر علي أن النور إنما أتي من ناحية أوربا فقط. قال لي إنه يريد إعلان موقفه حتي لا يساء فهم رحلته والهدف منها. كانت لديه حالة نادرة من الاعتزاز بنفسه تكاد تصل إلي مشارف الغرور في بعض الأحيان. قلت له اطمئن. سنجد في مطار صدام الدولي جيوشاً من الصحفيين. ستجد إعلاماً مكتوباً ومسموعاً ومرئياً. ويمكن أن تقول ما تريد. قال لي: هل نسيت أن هذا البلد فيه رقابة؟ تساءل هل سنجد هناك إعلاماً غربياً؟ قلت له: أشك. وعدت أقول له: كل شيء جائز. ربما نجد القنوات الأمريكية في انتظارنا هناك.


ما إن نزلنا أرض المطار حتي كان وزير الإعلام: لطيف نصيف جاسم الدليمي في انتظارنا. وقد جاء الوزير مدججاً بالكاميرات والأقلام والميكروفونات التي شكلت غابة حوله. ولم يسترح لويس عوض من قلقه إلا عندما اقترب منه مذيع تليفزيوني. وتحدث معه. وما زلت أذكر أنه اختصر من كلامه هجومه علي نظام حكم صدام حسين. ولكنه ركز علي الهجمة التي تحاول إحراق الأخضر واليابس في المنطقة العربية. لم يكن يحب ذكر كلمة الإسلام في حواراته. ولا كان يحب استخدام كلمة المسلمين. وكان حريصاً علي هذا طوال الرحلة.


الكتاب المفقود


عندما ترك الأهرام قال لي إنه تقدم لهم بكتاب جديد له عنوانه: الإيراني الغامض في مصر. وأعطوه لمحرر وصفه بنعوت سأحذفها من كتابتي الآن. لأنها قد تسبب مساءلة قانونية. ولأن الرجل مات فهذه المساءلة ستكون من نصيبي أنا. قال إنهم أعطوا الكتاب لحسن الشرقاوي محرر الإسكان في الجريدة. لكي يقول رأيه فيه. وجاء الرأي بالسلب.


قلت له إن معلوماتي أن الذي قرأ الكتاب هو عبدالرحمن الشرقاوي. قال لي: ألعن. ثم تكلم عن الشرقاوي الذي يركز في كتابة الإسلاميات لأنه ينوي التقدم لجائزة الملك فيصل العالمية التي تشترط الكتابات الإسلامية. حتي يحصل عليها. قال لويس عوض إنه "الشرقاوي" يقوم بهذا بالاتفاق مع السعوديين. المهم أن لويس عوض أكد لي أن مخطوط الكتاب قد فقد في الأهرام. ولم يستطع استرداده أبداً.


فقراء أهل مصر


في طريق العودة كان مطار صدام مزدحماً لدرجة أنه كان من الصعب علينا دخوله. كانت العمالة المصرية تعود من هناك. وكان هناك سفر أيضاً. ربما بنفس القدر. وكان العمال ينامون حول المطار يسدون حتي الطرق. لأن العامل عندما يذهب إلي المطار ولا يجد له مكاناً علي الطائرة. وبدلاً من العودة إلي بغداد وهي مسافة ليست قصيرة بين المطار والمدينة. يفضل البقاء. حتي لو استمر أياماً وليالي حول المطار.


في داخل المطار كانت هناك حالة من التكدس البشري الرهيب. 90% من "المتكدسين" كانوا أهالينا من أبناء مصر. وهذه الظاهرة لم تحدث إلا بعد ظهور مشاكل المصريين في المجتمع العراقي. خاصة زواج الشباب من أرامل العراقيين الذين كانوا يستشهدون بالآلاف في الجبهة مع إيران. وقد صدرت قرارات تمنع الزواج بحجة أن الشباب المصري إنما يمارس النصب علي الأرامل. بعد ذلك جرت حوادث قتل غامضة للمصريين. حيث صدمت سيارات عراقية بعض المصريين في الشوارع. وبدت كأنها حوادث متفرقة. ثم قيل إنهم يهربون العملة. ويتاجرون في السلع الممنوعة وما أكثرها في العراق في ذلك الوقت.


جيهان السادات


حكي لي مرة عن قصته مع جيهان السادات. كان معجباً بها - مثله في ذلك - مثل أحمد بهاء الدين. وأنه ساعدها في رسالتها عن شيلي. وأنه ذات مرة كان عندها في البيت. ودخل أنور السادات وعندما شاهدها معه حاول دخول البيت دون المرور بهما. وهي حاولت تنبيهه. أن الدكتور لويس معها. تصورت أنه ربما لم يره لبعد المسافة. فقال لها إنه لا يحب السلام علي الشيوعيين الذين يلتفون حولها. وتضاحك لويس وتضاحكت جيهان بعد سماعها هذه الجملة.


حكي لي أيضاً أنه كان عندها ذات مرة - يقصد جيهان السادات - لحظة انصرافه من عندها ذات يوم. عرضت عليه أن ترسل له سيارة صغيرة 128 فيات، وأشارت بيديها لتدلل علي صغر السيارة. وأن السيارة هدية. فرفض واعتبر أن هذا الكلام ماس بكرامته. وشعر بالإهانة. ولكنها في زيارة أخري عرضت عليه المرور علي مخزن الهدايا لأخذ تليفزيون جديد.


"كلمني نبيل راغب عن مخزن الهدايا هذا من قبل"، أعود للويس عوض الذي قال لي إنه أخذ التليفزيون. وعلق قائلاً: المسألة تفرق. السيارة من التليفزيون. وأن هذا التليفزيون وضعه في استراحة كان قد اشتراها في دهشور بعد أن باع المكتبة التي في شارع الهرم. وظل هناك إلي أن سرق. سرقه اللصوص.


فصله من الجامعة


ولا يجب أن ننسي أن الرجل كانت في نفسه غُصه من حكم عبدالناصر بسبب نقله من الجامعة بتهمة أنه شيوعي. مع أن لويس عوض لم يكن شيوعياً أبداً. وإن لم يكن يعاديها ولا يعادي الذين يؤمنون بها. وقد أصدر كتاباً مهماً عنوانه: أقنعة الناصرية السبعة. عبر فيه عن الكثير من تحفظاته تجاه حكم عبدالناصر، أيضاً لم تعجبه حالة الدروشة التي سادت أيام السادات. وكان ينفر من عبارات: دولة العلم والإيمان. والرئيس المؤمن، إلي آخر هذه الخزعبلات كما كان يسميها. وعموماً هو لم يكن يستريح لحكم العسكر أبداً. وكان يري في الدولة العلمانية الحل الحقيقي لمستقبل مصر.


في سنوات عمره الأخيرة كان قد أصبح صديقاً للدكتور أسامة الباز. كانا يلتقيان بصفة منتظمة في دهشور. ولا أعتقد أن لويس عوض كان يطلب من أسامة أي شيء. وأعتقد أن الذي هندس هذه العلاقة هو لطفي الخولي. الذي تداخلت علاقته مع أسامة الباز كثيراً. وأذكر أن غالي شكري كان جزءاً من هذه الجلسات. وأعتقد أن أسامة الباز هو الذي سهل لغالي فكرة العودة إلي الأهرام. بعد سنوات الغربة والترحال.


جاهين وحداد


كان لويس عوض يكتب بصعوبة بالغة. ربما بسبب تقدم السن. أذكر يوم وفاة صلاح جاهين. اتصلت به لأخبره بالنبأ أولاً. وأسأله هل يحب أن يكتب شيئاً في هذه المناسبة. قال لي إن دواوين صلاح الشعرية ليست تحت يده. قلت له سأوفرها لك فوراً. كان عندي مجلد فيه بعض دواوين صلاح صدر عن هيئة الكتاب. عرضت عليه أن أذهب إليه به. قال أنا في انتظارك.


ذهبت إليه في بيته القريب من دار الهلال. ضغطت الجرس. فتح الباب وكان بملابسه الكاملة. هجمت علي رائحة رهيبة من الداخل. وجيوش من القطط لا حد لها. كانت تربيها زوجته. وكانت تسبب له مشاكل كثيرة مع الجيران. اكتشفت استحالة الدخول. وقال لي إنه سيحضر معي إلي دار الهلال. في الطريق كانت هناك مشكلة. أين يجلس هذا الرجل الحريص علي الشكليات؟ وهل أذهب به إلي مكتبي حتي يعتبر الأمر نوعاً من الاستعراض. فتحت قاعة الاجتماعات الكبري وجلسنا فيها. جلس ساعات يقرأ ويحاول أن يكتب. ثم سألني هل يمكن تقديم ما سيكتبه غداً. قلت ممكن. طلب العودة إلي البيت. وفي اليوم التالي سلمني كلمة صغيرة وقصيرة لم تكمل عاموداً في المجلة.


وما فعله مع صلاح جاهين رفض أن يفعله مع فؤاد حداد عند وفاته. كان موقفه عنيفاً ضده. قال لي إنه شاعر مصنوع. وأنتم عملتم منه "زيطة". قال لا يقارنه بين صلاح وفؤاد، الأول شاعر حقيقي. فؤاد هذا ثقافته فرنسية. يفكر بالفصحي ثم يترجم هذا التفكير إلي العامية. إنها عملية مصنوعة من الألف إلي الياء. اكتشفت عندما أعدت النظر في هذا الكلام أن غضبة لويس عوض علي فؤاد حداد نسيها لأنه مسيحي لبناني ثم أسلم. وتلك مسألة لا يمكن أن يغفرها له لويس عوض أبداً.