أنا الكلمة.. أسطورتكم الدائمة المتجدّدة

21/02/2015 - 1:50:20

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

هيثم حسين - روائي سوري مقيم في بريطانيا

سؤال دائم اخترق الأذهان وخبر متجدّد للحيرة. سؤال راود كلّ مَن كتب ويكتب أو قد يكتب، سؤال تنطلق شرارته مع الكلمة الأولى التي يدوّنها المرء، وهو يجاهد عبر الكتابة ومعها لإثبات ذاته، إذ إنّ البدء بالمغامرة إحراق للسفن بمعنىً ما، غوص في المجهول، انطلاق في فضاء عاصف يستحيل أن يهدأ أو يهمد.


السؤال حول ماهيّتي، أسباب اللجوء إليّ للتعبير والكتابة، نتائج ذلك، هو سؤال اللحظة، كما هو سؤال الماضي، وسيبقى سؤال المستقبل، بالنسبة لمَن يكتب، لأنّ الإجابات الكثيرة التي يمكن تخمينها وإطلاقها، قد تصدق على عيّنات من الكتّاب، ويبقى المفهوم في النهاية نسبيّاً، ومختلفاً من كاتب لآخر. الكتابة كفعل خلاّق، تستدعي الكثير من الأسئلة، تبعث في نفس الكاتب والقارئ تأويلات وتداعيات متباينة، تتمحور بمجمل تناقضاتها، حول الكتابة، وآليّاتها، بواعثها، مغرياتها، سحرها، ألقها، قلقها، إقلاقها، جاذبيّتها، جنونها، عظمتها، ما يُحسب لها، وما قد يُحسب عليها.


أنا الكلمة. البداية والنهاية.


لا يخفى أنّ هناك الكثيرَ من الأسباب التي تدفع إلى الاستعانة بي، وبخاصّة في الظروف المعاصرة، حيث يتحتّم على المرء، في كثير من الأحيان، أن يداري ويجاري ويساير، ويراعي أمزجة ووجهاتٍ وتوجّهات، حتّى يؤمّن لنفسه موطئ كلمة هنا أو هناك، ليتسرّب رويداً رويداً إلى مستقرّ، ويبدأ بتوسيع مجاله، وتسريب أفكاره وتصوّراته ورؤاه..


من قائلٍ إنّ الكتابة تجتاح دون استئذان، وإنّها كالجرح والخيبة والحبّ والألم والخلق، تجدها متلبّسة كيانك، إلى قائل إنّها تمارس فضيلة التطهير، وتلعب دور المواجه الوقور الصلب، تمنح المستضعف فسحة للتنفّس والتحليق والانوجاد..


أستمتع بإشكاليّة التعريف بي وتغليف الأعمال بسيل منّي. قد يقول أحد الروائيّين: «إنّ الناس يكتبون الروايات لأسباب كثيرة: لكونهم في وسط شيء اعتقدوا بأنّهم فهموه أم لم يفهموه، لأنّهم كانوا غاضبين وساخطين، محبوبين أو لأنّهم ليسوا كذلك، أو ربّما لأنّهم عشقوا وخسروا». ثمّ ليسبر أغوار النفس، ويتكهّن قائلاً: «إنّ هناك ألف سبب آخر دون أن يكون أحدها أفضل أو أسوأ من غيره». وقد يقول آخر: «إنّ الكثير من الروائيّين كانوا مجرّد أشخاص عاديّين تعساء، نالوا فرصة محظوظة وانشغلوا في تحويلها إلى مهنة ولا يمكن لومهم في الحقيقة».


آخرون يقولون: نعبّر لندافع عن قناعاتنا ومبادئنا ووجهات نظرنا. وقد يقول بعض آخر: إنّنا نكتب من أجل المال. وهذا ليس بخافٍ، لأنّ هناك أشخاصاً يعرفون عند الآخرين بأنّهم كبار لا يفتؤون يصرّحون أنّهم يكتبون من أجل المال، ولأنّ المال يفرض لواحقه التالية من اعتبار واحتفاء ودعاية وتسويق. ويدعم مقولته بكلمات وشواهد من التراث، كالقول بأنّ العلماء يقصدون أبواب الأغنياء، وذلك دون أن يأبه لأيّ تبرير لاحق أو مؤوّل، حول زعم إدراك القيمة أو أيّ تأويل آخر..


وسيجد كلّ قائل قائلاً آخر يصطدم به، يفنّد له وجهة نظره، فحول القناعة، قد تكون هناك كلمات تناقض نفسها، وتبرّر ذلك تحت بند التجدّد والتجريب، ثمّ سيكون هناك مَن يصف أولئك الذين يكتبون من أجل المال بأنّهم كَتَبَة مأجورون، يبيعون أقلامهم في مزاد علنيّ، وهذا القول يصدق على أزلام السلطات، والمستزلمين لهذا الطرف أو ذاك، لأنّ الكتابة حرّيّة غير مشروطة، ساحتها الحرّيّة، سلاحها المبدأ، منطلقها ومنتهاها الإنسان الحرّ المسؤول. أمّا الحديث عن الجانب الاعتباريّ، فهو حديث شائك متداخل، إذ يحقّ للمبدع أن يُحتفى به، ويصنَّف في خانة الشخصيّات الاعتباريّة، طالما أنّه يعرّف أحياناً بأنّه ضمير الأمّة، حين يكون صادقاً مع نفسه ومحيطه، معبّراً عمّا يعترك الدواخل والظواهر، متسلّحاً بي أنا التي إن أتقن فنّ التعامل معي، أصبح ميدانه وسلاحه الأمضى..


الكتابة كالعمل الإبداعيّ، كأيّ مفهوم إنسانيّ، لا ترتهن لتعريف بعينه، لأنّها ذات مقدرة استيعابيّة غير محدودة، منفتحة على العلوم والمجالات كلّها، وهي تعبير عن التناقضات الكثيرة التي يعجّ بها داخل المرء، وبمقدار ما قد يتهيّأ للكاتب أنّ الكتابة جسر محصّن، فإنّها قد تكون دوّامة مغرقة، حين يتمّ التعامل معها بتجيير يسيء لمضمونها الإنسانيّ الرحْب. ويكون الاحتفاء المظنون، بعيداً عن الاستعداء المحتدم، من بعض جوانب الإغراء في الكتابة، التي تشكّل بذاتها ولذاتها سحراً وإغراءً غريبين. 


أنا الكلمة. فنّ التعبير بي وعنّي، وجه من وجوه فنّ العيش نفسه، وقد يجمع الكاتب بين الفنّيّن في عمل إبداعيّ، حين يكتب سيرته بصراحة ودون مواربة أو مسايرة، كما فعل ساحر يجيد توظيفي اسمه جابرييل جارسيا ماركيز حين كتب عمله «عشت لأروي» جامعاً فيه بين فنّ العيش، وفنّ الكتابة عبر فنّ الرواية الذي كان وسيلته التي تقاطعت الظروف لتبدع نتاجها التراكميّ الأنسب..


أجد كثيرين ممّن يستعينون بي يسألون: هل نكتب الروايات لنمارس نوعاً من الالتفاف على الواقع..؟ هل نكتب لنثبت الزمن، ونخلّد اللحظة..؟ هل نقتفي بالكتابة أثر اللحظات الهاربة..؟ هل يؤدّي الانخراط في الكتابة، إلى الانغماس فيها إلى درجة التوحّد معها..؟ وهل الغرق فعل مطلوب مرتجىً في عالم الكتابة..؟ هل يمكن وصف الكتابة على أنّها إنجاز فريد..؟ هل هي داء أم دواء..؟ وهل كلّ كتابة هي كتابة..؟


لاشكّ أنّ الأسئلة بقدر ما تبدو بسيطة فإنّها تكون منفتحة ممتنعة مستعصية، والإجابات الكثيرة تزيد السؤال تحييراً وغموضاً، فبقدر سهولته الجليّة فإنّه يضمر العمق والغموض. فكيف يمكن أن تفسّر أو تبرّر لماذا تكتب أو لمن تتوجّه بكتابتك، وكلّ قارئ هو وجهتك المحتملة والمنشودة. كما أنّ هناك قناعة راسخة لدى أيّ كاتب، وهي أنّه يكتب لأنّه يجب عليه أن يكتب، والإيجاب ذاتيّ محضّ بداية، يكتب لأنّه يحقّق بالكتابة كينونته، ولأنّ الكتابة تمثّل بالنسبة إليه وجوداً لائقاً، يكتب ليرتاح، دون أن يأبه إن هو أراح أو أقلق، بل العكس أحياناً، فقد يروم الإقلاق والتثوير، يؤلم بكتابته لأنّه يهيّئ عبرها للتغيير الواجب. لا يرتضي السكينة لكتابته، يبحث عن إقلاقٍ منشود مُثوِّر، يُوْجِب البحث عن حلول وإجابات وردود. لا ينتظر من الكتابة أن تضعه في غير محلّه، لا أن تدخله النعيم متفرّداً، ولا أن يُلعَن على الملأ مرجوماً بالهزء والانتقاص.


أن تكتب، يعني أنّك بصدد تسجيل موقف وجوديّ حياتيّ، وتقديم شهادة نابضة حيّة، تمهيداً لتسريب الروح إلى هياكل في طريقها للتهاوي.. هي طريق للإدهاش ينعطف في مفارق الألم ومفازات الإيلام.


أنا الكلمة. بحر المعاني وجسر الإرسال والتلقّي.


قد أوصَف بأنّي من مضادّات الزمن، لأنّ مخلّفاتي تصنّف على أنّها خالدة، والخلود منشود كلّ امرئ، وقد يُبتغَى كغاية عظمى، ويتسبّب بالهنات والزلّات لصاحبه، لكنّه من المحرّضات الفعّالة المؤثّرة، وقد أوصَف على أنّني وسيلة استشفاء متجدّدة، مع عدم إغفال دوري المناقض في بعض الأحيان. لكنّ الثابت أنّ كلّ توصيف لي يقارب جوانب مني، ويبقى المفهوم أكثر رحابة وغنى وشمولاً وتجدّداً وسحراً..


أنا الكلمة أسطورتكم الدائمة، المتجدّدة.