وجوه مرّت .. بورتريهات عراقية لعبد الرحمن الربيعي

21/02/2015 - 1:48:41

وجوه مرت لعبد الرحمن الربيعى وجوه مرت لعبد الرحمن الربيعى

عِذاب الركابي - كاتب عراقي

"الذاكرة ُ هيَ كلّ ما يبقى لنا من النسيان.. والكتابة ُهيَ كلّ ما تبقى لنا من َالذاكرة" يواخيم سارتوريوس


    "وجوه مرّت" عنوان الكتاب الجديد للكاتب والقاص والروائي الكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي، وقدْ كانَ الكتاب ُكما أرادَ لهُ الكاتبُ حالة قصّصية اختارَ لها عنوانا فرعيا ًلهُ دلالته: "بورتريهات عراقية".. فأبطال هذه ِالقصّص حقيقيون، ورُبّما همُ – كما يراهم الكاتبُ – استثنائيون، همُ كتّاب وشعراء وفنّانون، ونماذج اجتماعية، الصانع الأمهر لها الواقع، يصعبُ تكرارها، كلّ واحد ٍمنهم عاشَ حياته ديوانا ً متنقلا، أو قصّة أو موقفا، فكان حالة أو صورة لا تنسى. وكانَ بطلُ هذه ِالقصّص، بالإضافة إلى الشخصية الرئيسة، المُفارقة، واللحظة النادرة الموحية، والموقف الصاخب والمدوي في حياة أولئك المبدعين. وقدْ أحسنَ الربيعي صنعا ًحينَ بدأ َ حالته القصّصية بشيخ الأدباء المتمردين المنسيّ الشاعر الرجيم حسين مردان الذي أطلق َعلى نفسه ِألقابا ًشهيرة، ظلت تتردّد بينَ الكتاب والمثقفين سنين طويلة حتّى بعدَ وفاته مثل قوله: "أنا دكتاتور الكلمة ِوربّ المعذبين" و"أنا عبقري، وفلتة من فلتات هذا الدهر اللعين".


    يقول ُالربيعي وهو يرسمُ بورتريه له: "حملت قصائده جرأة اجتماعية، وانقلاباً على المتعارف، وستقوده لاحقا ًإلى المحكمة، ليكون أولَ شاعر ٍعراقي يُحاكمَ لا لموقفه ِ السياسي بلْ لاعتدائه على المحرمات الاجتماعية ولإساءته إلى الأخلاق العامة".


    "إنّ الوظيفة الثانية للفنون هيَ توضيح وجلاء التجربة" على حد وقل أروين أدمان. هذا ما فعله ُالربيعي في بورتريه الأديب خيون راشد فهو قصّة اكتملت فيها كلّ المقومات الفنّية، بخبرته التي منحتها مذاقا ًخاصا، لا بلغتها السهلة الذوبان الرائعة الطعم ِكقطعة الشوكولاته فحسب إنما بالتقاط ِاللحظات النادرة والطريفة والتي منحت بطل القصّة كلّ هذا الخلود، فذكر السلوك الجنسي الشاذ في حياة خيون راشد ليسَ مهما، بقدر ما هو مهم الطريقة والخطة المحكمة التي يتم من خلالها تجسيد هذا السلوك، وهو يصدر من كاتب وأديب وشخصية معروفة في الوسط الوظيفي والاجتماعي والأدبي، وكان تعاطيه الخمر وسيلة للخلاص، وقصّة خيون راشد مع "بعير" البدوي الذي سقاه ُخيون زجاجة خمر كاملة فأسكره ـ ليتخلص من خواره الذي أقلقه في نومه ـ كانَ هو الخاسر فيها، فقد اقتلع البعير في لحظة سكر شباك بيته، حتّى غدا الموقف الطريف هذا مثلا بينَ الناس.


    قصّة "كوزان" بوتريه للبطل والمكان معا، فهو شخصية شعبية، نتاجُ الحارة ِ والحيّ الشعبي، وبلباقته وحسن تدبيره، وحركاته التمثيلية، حولتهُ إلى شخصية مهمة، ذائعة الصيت، فلمْ يَعد ذلك الشخص الذي يُنادي لجذب ِوإغراء روّاد السينما فحسب، إنما اختيرَ ليجسّد الشخصيات التراثية في الكرنفالات التي كانت تقام في مدينة "الناصرية" أيام عاشوراء، وفي الطقوس الشيعية وهم يحيون رموزهم في ما يسمونه "التشابيه الحسينية". قصّة "كوزان" هيَ قصّة مكان حافل بالغرائب والعجائب، رُبّما لمْ تستطع أسطر التاريخ الإلمام بكلّ تفاصيلها، وقدْ جسّدتها القصّة، وهيَ تشير إلى تفاصيل في غاية الدقة: "كان كوزان لا يرتدي إلا دشداشة مقلمة، غالبا ما يرفع ذيلها ليلمه بحزام لباسه الداخلي".


    قصّة "مدلول يدّه".. نسيج من الواقع المتمثل في شخصية البطل ووالده المرابي الجشع. وللفانتازيا التي صاحبت سلوك البطل مدلول في قصّة حبّه العجيبة، وهو الغبي. الفاشل. ومصدر التندر والسخرية في المنطقة. خسر مدلول المدرسة والأب والوقت، ولكنه رغمَ الثمن الذي كانَ باهضا من صفعات الشرطة، إلا أنه فاز بلقب ِ "مجنون شيماء" الذي لا يضاهيه لقب إلا لقب الشاعر قيس بن الملوح  "مجنون ليلى"، اللقب الذي انتهى بالبطل مدلول في آخر أيامه إلى مستشفى الأمراض العقلية ببغداد.


    في قصّة "حامد جمعة".. وقصائده ُ الموزونة بدا البورتريه كاريكاتيريا محضا، شخصية وُلِدت وعاشت، ثمّ خلدت بالمصادفة، يتحولُ البطلُ من شخص يرتاد المجالس الأدبية والثقافية، والجلوس في أشهر مقاهي الأدب والثقافة، التي كانَ فيها كرسي للسياب والبياتي إلى شاعر من دون أنْ يكتبَ الشعر، فالقصيدة التي تنسب لهُ، وربما يتبجحُ بها، هي (أجرة) نوم شاعر مخمور لا يجدُ مكانا ينامُ فيه، كيْ يختصرَ ليل بغداد، إلا في الفندق الذي يملكهُ حامد جمعة الذي أصبح يشترط أنْ تكونَ القصيدة / الأجرة موزونة ومقفاة، حتّى أصبح البطل حامد جمعة علما، واسمُه في مجلدات أعلام أدباء العراق المعاصرين، بلْ نجم من نجوم الأدب والشعر في بغداد.


    أمّا بورتريه خالد الحدّاد فقدْ بدا شاحبا، وحزين الملامح والألوان والخطوط. لوحة تشكيلية أجادتها أصابع رسّام ماهر مثل الربيعي الذي بدأ حياته طالبا في معهد الفنون الجميلة ببغداد، فطبيعي أنْ يشكّل، ويرسمَ، ويجيد فنّ البورتريه، بلْ هو القادر على وضع قواعد هذا الفنّ الجديد الجميل في أدبنا، ألا وهو: القصّة / البورتريه، وهو المبدع المهووس بالتجريب، المصحوب باللذة والألم ِ معا.


    وقصّة "جابر الخطاب" المعلم بالمدرسة الريفية هي بورتريه للإنسان / الوهم، الحالم بمجد أدبيّ من لا شيء، كمنْ يفكر بتشييد بناء أو عمارة بدون أساسات صلبة. رجلٌ اكتشفَ فجأة أنّ لديه المقدرة على تسجيل القصّص، وليسَ كتابتها لأنّها قصص الآخرين، فهو ما أنْ يستمع إلى شخص يحكي تفاصيل حياته حتّى تصبح َ هذه التفاصيل مادته وهو "قاصوص" مُحنّك: "أنا كاتب واقعي، لا أزيد ولا أنقص، كلّ واحد مثل ما يحكي لي قصّة أكتبها".


    أما عبد الكريم الفياض إمبراطور الليل الذي تميزَ من بين صحبه وأصدقائه بالجرأة والشجاعة ورجاحة القول والرأي معا، فهو قصّة أخرى مكتوبة بحبر الحزن، ودموع الشجن والشوق والتذكر. والفياض الأكثر جرأة من بين تلك الشلة التي يجمعها "حديث الأدب والفن"، وتهاويم ومفارقات ليل بغداد الجميل. عبد الكريم فياض كما جسّده البورتريه المُتقن، هو خريج معهد الفنون الجميلة / قسم المسرح، لكنّ حياته مسرح آخر متنقل حتّى قبلَ أنْ يدخلَ قاعات الدرس، وهو ممثل بالطبيعة، قبلَ أنْ يسند إليه أيّ دور، رجلٌ عنوانه البار: "عنواني الليل، ومنه أمارس زعامتي على كلّ بارات ومقاهي شاعر أبي نؤاس".


    في قصص ـ بورتريهات "وجوه مرّت" كان الكاتب الكبير عبد الرحمن الربيعي يرسم بالكلمات لكي يُمتع قارئه. ويخلّد أبطاله بأسلوب يفيضُ بالدفء والشاعرية والتميزِ بلا حدود!! وهو يعود بالقاريء بموضوعية إلى المفردة الشعبية في اللهجة العراقية التي جاء ورودها ضروريا بلْ لا يكتملُ نسيج القصّة إلا بها، وقدْ برع َ أيضا باستخدام كلّ تقنيات الفنّ التشكيلي من فرشاة إلى الألوان والخطوط، كما لجأ إلى "الكولاج" وهو يوائم بينَ لحظات الزمان وتفاصيل المكان، لتبدو الشخصية أكثر قربا وإقناعا. وهناك حميمية التناول، جسّدتها بوضوح العلاقة التي كانَ يرتبط بها الكاتب بأبطال حقيقيين، كانوا يُؤرخون للحظة زمنية فيها من التراب والتبر معا.


    الكاتب الكبير عبد الرحمن الربيعي في كتابه الجديد "وجوه مَرّت" يفتحُ أمام المبدعين وكتّاب القصة نافورة الضوء كيْ يمرّوا آمنين إلى مدنهم وأزمانهم وأصدقائهم، حبرهم عسلُ الحميمية ودمع الشوق وذبذبة أجسادهم النحيلة وهم يكتبون القصّة القصيرة ـ البورتريه!!