في البحث عن فولتير عربي

21/02/2015 - 1:46:31

فولتير فولتير

جورج جحا - كاتب لبناني

    هل يخترع المثقف العربي الاستبداد؟


    في صيغة السؤال الجذاب شيء من الجواب القسري، بمعنى أنك محصور بين حالين هما اختراع الاستبداد أو الانجذاب إليه. أيّ نظرة إلى تاريخ البشرية تشير إلى أن  الاستبداد عريق في النفس البشرية أكثر من "الثقافة" التي طرأت لاحقا، وأعقبت قدرا من التخفيف من الوحشية، وقد تكون أسهمت بصورة ما في هذا التخفيف، أو أنها جاءت نتيجة له، بعد أن خففته عوامل تاريخية مختلفة. يعني هذا أنه لم يكن هناك تاريخيا مجال للمثقف في أن "يخترع" الاستبداد في البداية، لكنه عبر مرّ الزمن حصل على "شرف" الإسهام في تعزيز هذا الاختراع.


    الاستبداد يغور في عمق التاريخ البشري، بينما الثقافة حال لاحقة من خلال تطور الإنسان. والأمر كما يبدو لي هو أن موقع المثقف العربي، أديبا ومفكرا، ليس تماما هنا ولا هناك، وإن كان يتراءى لنا أحيانا أنه يتأرجح بين الاختراع غير المباشر أي الخوف من الاستبداد، والسكوت عنه في أفضل الأحوال، وتملقه ومداهنته، اكتسابا لسلامة أو مصلحة، أو التعصب والتحزب له كما في مجالات مختلفة من التاريخ، وهذا يعني في النهاية تشجيعا قد يسهم في "الاختراع" أي في تعزيز الاستبداد والترويج له والدفاع عنه وستر عيوبه وفظائعه.


     والحالة الأخيرة، أي التعصب والتحزب للاستبداد، قد تشكل نوعا من الانجذاب إذا كانت ناتجة عن فكر يتبنى "بإخلاص"، ولو كان إخلاصا جاهلا، ما يطرحه هذا الاستبداد وما يقوم به وما يمثله. وهذه الحزبيات الدينية والعقيدية والسياسية كثيرة في التاريخ ، وتشهد بذلك المجازر والحروب العديدة التي تشترك فيها المصالح والعقائد.


     ويبدو لي في هذا المجال أن المثقف العربي في شكل عام إنسان مدجّن وخائف  إلى حد بعيد. هو إنسان يبتعد عن المواجهة في سبيل قضية من تلك القضايا التي أشعلت الثورات في العالم، دفاعا عن الإنسان ومطالبه وحقوقه. إننا شعوب تكاد لا تعرف الثورات التي شهدها العالم من أجل حقوق الإنسان. ثوراتنا دينية وطائفية وفئوية سياسية، وفي هذا المجال تراق الدماء بغزارة. والثورة هنا لا تعني التظاهرة  الاحتجاجية، بل تعني المواجهة التي تضع الموت والانتصار ضمن احتمالاتها، وتعني السعي بقوة  السلاح إلى تغيير نظام حاكم، من أجل مطالب هي حقوق إنسانية تتعلق بالحرية والكرامة والعيش والاستشفاء وحق التعلم واتقاء الأذى... إلخ.


    في تاريخنا الحديث كثير من الانقلابات السياسية وقليل من الثورات الشعبية. أكاد  لا أتذكر ثورة واحدة من هذا النوع في هذا المشرق باستثناء ثورة انطون سعادة سنة 1949 التي انتهت بإعدامه مع عدد من رفقائه في محاولة لتغيير نظام الحكم في لبنان.


    في تاريخنا الحديث وقفات وأحداث مشرفة دون شك وجهود تغييرية كبرى، ومن ذلك  الثورة الناصرية في مصر. إلا أن الملاحظ أن قضية الحرية بالنسبة إلى الفرد وحقوق  الإنسان، كما هي مفهومة الآن في العالم الغربي، لم تكن صاحبة مكانة في ثوراتنا عامة.


    عندما يسترجع الغربي تاريخه، منذ بضعة قرون، فهو يستطيع أن يقف على محطات كثيرة، منها ما يتعلق بحقوق وبإنجازات مرحلية تتعلق بالإنسان بالحرية والمساوة وحقوق الإنسان عامة، وبنوع الحكم الذي يريده، وبالحياة التي يصبو إليها. تراكمت هذه الإنجازات المرحلية، وأسعفتها حركات مثل الثورة الفرنسية، لتكتب تاريخ الإنسان الحديث.


    أما تاريخنا القديم فهو يكاد يكون خاليا من مثل هذه التحركات والمطالب، ويكاد يقتصر على أنواع من الصراع المذهبي أو السياسي التي ترتبط بهذه الأمور من ناحية أو أخرى. لا يبدو أن قضية الإنسان عامة وحقوقه منفصلة عن انتمائه المذهبي أو العشيري قد طرحت في التحركات التي شهدها تاريخنا.


    ثم هل لنا أن نبحث في تاريخنا الحديث عن "فولتير" آخر يختلف معك في الرأي ولكنه مستعد للموت دفاعا عن حقك في التعبير عن رأيك؟ قد تجد أفرادا من هذا النوع، لكنك ربما لن تجدهم بين الجماعات الطليعية التي حكمت العالم العربي في العصر الحديث، فإذا كان لهم وجود فهو وجود حيي خفي دون شك.


    إن مشكلتنا في الحركات التغييرية والتحديثية التي استطاعت الوصول إلى الحكم، في عالمنا العربي، لا تقل فجيعة عن مشكلتنا مع الأنظمة السابقة لها ـ التي سميت رجعية ـ إذا لم تكن فجيعتنا بها أكبر. كنا نصرخ بالحرية قبل أن نتمكن من زمام الحكم، فلما حكمنا تبين أن هذا الكلام كان تحركات صوتية لم تبن شيئا على أساس ثابت من  الإيمان بالحرية. كنا بيننا وبين أنفسنا نفهم أن الحرية لنا نحن ولا تعني الآخر في شيء. من مشكلاتنا أننا لم نعتبر المبادئ شأنا ينطبق على الناس كلهم بل على ما يناسبنا.


     يذكرني هذا هنا بطرفة مريرة جدا تروى عن "اللبناني" وعن "العربي" عامة. قيل إن شخصا سأله: "ما هي نتيجة جمع  اثنين مع اثنين؟". وكان الجواب سؤالا هو: "هل  المسألة هي مسألة  قبض أم دفع ؟؟".


    وقبل أن يتوقف المثقفون التغييريون القلائل بيننا عن أن يجدوا أنفسهم وحيدين، إن لم نقل سجناء متروكين من كثيرين منا، وإن لم نتقن الحساب لنعرف حصيلة جمع اثنين مع اثنين، فإن فجائعنا لن تتوقف.