نقوشٌ فارِنْديَّة

21/02/2015 - 1:41:54

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

علي كنعان - شاعر سوري مقيم في أبوظبي

لهاثٌ..


دويٌّ..


زعيق...


كأنَّ قطيعا من الجنِّ


خلفَ التوابيتِ يرقصُ


منتشيا بفحولةِ غلمانِه


في جروفِ المدار


بحورٌ.. بطاحٌ.. سراب


كهوفٌ تورَّم فيها الخَواء


وأبخرةٌ من سموم النفاياتِ،


روثُ تكايا، فوانيسُ جفَّت


شرايينُها الطحلبيّاتُ


أغربةٌ.. وسعالي


جلودٌ معبأةٌ بالهشيم.


عراجينُ، أجربةٌ، مومياء


بقايا مدائنَ تلهو بأحشائها


وغواياتِ أشباحِها


وأثافي أوابدِها


نزواتُ الرياح.


سكينةُ جبَّانةٍ حُشِرتْ


في حفيرةِ قبرٍ قديم


يُذكِّر أحفاده بالأميرِ الصريعِ


وجارتهِ


عند سفحِ عَسِيب


ربَّما كان إيوانَ كسرى


أو شبيهاً به


ربما اختلطت أصفهانُ


بدِلهِي.. وغامت دمشقُ


رؤى في مرايا سمرقندَ


سكرى


لتصحوَ في ساحلِ الصينِ


أو عدوةِ الأندلس


ربما.. راغت البُوصلة


ولم يتورَّدْ لدى عرسِ بورانَ


سروالُ أمِّ البنين!


ولا ساخَ رشدُ مسيلمةٍ


جامحًا في مروج سَجاح.


         .   .   .


أمِنْ ها هنا اجترَحتْ شهرزادُ


طلاسمَها للمليكِ الخَصيّ..


لتغرسَ في رأسِه الخشبيّ


قناديلَ حكمتِها الأنثويَّةِ


حتى استكانت لفتنتِها


بانكسارِ العبيدِ


نصالُ مخالبِه الضارية؟!


ومن أودعَ السيفَ في غمدِهِ


فاحتمى بالصدأ..


عندما شَهقتْ وردةُ الصبحِ


أنَّ زمانَ الجواري انطوى


كومةً من رماد


وألقتْ به شهوةُ العاصفة


في جروفِ البحار؟


.   .   .


لبستانِ طاغورَ زاويةٌ


من طيوبِ المعاني


يلوذُ بها ثلةٌ من مريديهِ


يلتمسون اجتناءَ النَّدى


من مكارمِ خابيةٍ عُتِّـقـتْ


في رؤاه


وتزهو أماسي بطانتِه الأصفياء


بما يشتهي فتيةُ النُّورِ


من كنزِ مكنونِه الفلكيّ


أمرُّ بهم لأباركَ أغنيتي


وأسألَ عن حجرٍ فلسفيّ


يضنُّ بسرِّ التحوُّلِ


في جوهرِ الكيمياء


من حديد يروِّي سعارَ الحروبِ


إلى تحفٍ من نُضار


تُضيءُ نحورَ الجميلاتِ


أو تستضيء بها..


يومَ داخت بوهجِ الغواياتِ


دارةُ جلجلَ...


يكتم طاغورُ في روحهِ


شهقةَ الكبرياء


ولا من جوابٍ


ولا من سؤال.


         .   .   .


أرى..


ما أرى في مدارات بوذا؟


خزائنَ قارونَ؟


أم لعبةَ السامريّ..


ودمدمة َالريح في عجله الذهبيّ؟


يا لمهزلةِ العبثِ الصيرفيّ!


معالمُ نجرانَ تزهو بأخدودها


تحت أسطورةٍ من دخان


وتوصي بآثارها للرياح.


وفي عدوةِ المُلكِ والثأرِ


والرحلة القاتلة..


أرى شهواتِ امرئِ القيسِ


طافحةً باقتناصِ الملذَّاتِ


أو بارتشافِ الدماء


كأنَّ المجرَّاتِ في هاجسِ الغيبِ


تنقضُّ عبرَ العماءِ السديمِيِّ


تطلقُ دوَّامةً من جنونِ الأعاصيرِ


تفرشُ خارطةَ الكونِ


بيضاءَ.. زرقاءَ.. ورديَّةً


أُشرِبتْ بالبنفسجِ،


جمرِ التحامِ الخلايا..


متى أدركَ العشقُ ذروتَهُ


بافتراع جيوبِ الرياحينِ


أو بالمدادِ الذي يشبهُ الجمرَ


لا رُقُمٌ في صروحِ سنِمَّارَ


أو مخازي البلاطِ الذي اغتاله،


لا معالمَ توحي بمن عبروا قبلنا


لا صحائفَ منقوشةً، لا رسومَ


ولا بدءَ.. لا منتهى.. لا وسَط


لهاثُ براكينَ


تطرح أسرارَها في محيطِ الخرافةِ


أو في طقوسِ الغواياتِ


أسئلةً من غبارِ الأقاصي 


كأنَّ ارتطامَ النيازكِ


في عدوةِ الحوتِ


ثورُ السماءِ المهيمنُ


في غابةِ الأرزِ


يجترح الممكناتِ العصيَّاتِ


في كل فجٍّ سحيق


كأنَّ الصحارى تهيِّئ مملكةً


للصعاليكِ


عروةُ في جيرةِ الشَّنفَرَى وأصيحابِهِ


يتحدَّى سيوفَ الطغاةِ وأغلالَهم


ويفرشُ بحراً لعاشقةٍ


تتعرَّى لإغراقِ فارسِها


في الحميم.


         .   .   .


هنا.. عبقرُ الحلمِ


تفتحُ أندلسَ الشعرِ والخمرِ


دوَّامةَ الرقصِ والغوصِ والرهزِ


موجٌ من البابليَّاتِ يفترشُ الرملَ


تحت لهاثِ النجومِ الغيارى


أكان النخيلُ سوى أيكةٍ للمواعيدِ؟


وهل نسيَ الشطُّ وهجَ البتولِ


إذِ انبثقتْ من حنينِ المحارةِ؟


في سكرةِ الليلِ يختلطُ الجِنُّ بالإنسِ


والنايُ بالرقصِ والغنَجِ الفارسيِّ


وسربُ الغواني بنخَّاسِهنَّ الغلاميِّ


في رحلةِ تعجنُ الآهَ بالباهِ واليا.. هـِ


في أرجوانِ الوصال.


.   .   .       


كوكبٌ يتشكَّلُ


خارجَ قوسِ المجرَّاتِ


متَّشحاً بغيومِ الأعاجيبِ والأسئلة


لا أرى ذئبةً ها هنا


تُباركُ روما


ولا سيفَ كسرى..


يفوزُ برأسِ لقيطِ إيادٍ[1]


ولا أبرهة


يراوغ طيرًا أبابيلَ


لا.. لا...


ولا حيَّةً تحتفي أو تباهي  


بتفَّاحةٍ أو وريقةِ توت.


. . . . .


جسدٌ أنثويٌّ كحوريَّةِ النَّبعِ


يَخطفُني ثم يَنثرُني غبطةً


في حريرِ الصباباتِ


حتى أذوبَ وأصبحَ خلقاً جديدا


كما امتزج الماءُ بالخمرِ


والدم بالحبرِ والطينِ  


والْتبسَ البوحُ بالخوفِ والليلِ


سحرُ الحكايةِ بالشعرِ


بالعشقِ.. بالمكرِ.. بالعبَثِ الزئبقيِّ


كما اعتكف الغدرُ في قاعِ جحرٍ عميقٍ


رُهابُ أولي الأمرِ


بالمَرحِ المسرحيِّ المريب.


. . . . .


سمكٌ يتحوَّلُ في رقصه الموسميِّ


إلى لبنٍ أو خشاف([2])


طيورٌ تبيع الرياحَ لمن يستطيعُ


اجتلاءَ الغيومِ الحبالى


وما يضمر الغيبُ


في أرجوان المدار


وأنواءِ وحشتِه الغاشية


وتنسج أعشاشَها من خيوطِ الشفق.


شجرٌ يتخلِّى عن الأرضِ


مكتفيا بافتراع السماء


كلُّ ما تشتهي ممكنٌ ها هنا..


باعتناقِ الخرافةِ


بين كهوفِ الدجى والغوايةِ


لا تلتفتْ لطنينِ التكايا


ولا لصُنانِ التُّيوس


ولا تُدنِ هامتَك البابليَّةَ


من حجرٍ نيزكيّ


وإن صنعوا منه خِدرَ بلقيسَ


أو عرشَ جنكيز خان


فلا خيرَ في هيكلٍ من رميم


ولا شأنَ للشعرِ بالزبدِ المتناثرِ


في رقصةِ البهلوان


مساربُ من نزواتِ الديوكِ


تغشِّي رؤوسَ بني حنظلٍ


بسيلٍ من اللبنِ الزئبقيِّ


وأوشالِ سربٍ من السائحات.


الخليجُ الخرافيُّ يشدو ويزهو


بما تبدع اللغةُ الأنثويَّةُ


من مدنٍ وبحارٍ وأفضيةٍ


وفنونٍ، رؤًى وأساطيرَ


في مُنتدَى شهرزاد.


. . . . .


تراودني كاهناتُ الغوايةِ


في غابةٍ من صبابات عشتارَ


خارج أسوار بابلَ


أو عبر أنفاقِها السومريَّةِ


تغري بترويض وحشٍ قديمٍ


ثوى في نسيج دمي


قبل أن تستفيق الخنازيرُ


من نشوة الفتكِ


في جسد العاشق الملكيّ


وتصبغ بالوجع الأرجوانيِّ


وجهَ الفرات.


         .   .   .


يدورُ بي الموجُ


ندَّاهةً من حنينِ الثكالى


مجامرَ من شغفِ العاشقين


ويختطفُ الغيمُ


لوعةَ روحي


إلى ظل زيتونةٍ في ضفافِ الأقاصي


يسمُّونها نينوى أو دمشقَ..


سمرقند.. مكناسَ.. بغدادَ..


أو قرطبة.


         .   .   .


تلك معجزةٌ..


حقبةٌ تشبهُ الحالَ..


في هلوساتِ الدراويشِ


آن تفورُ التكايا بأبخرةٍ


من حشائش كابولَ..


أو هكذا تتراءى لزائرها


ربما محضُ ألعوبةٍ


أو زوابعُ أكذوبةٍ


نزوةٌ من خلائطَ شتَّى


مجازفةٌ.. أو خرافة.


الخليج يَدوخُ بحمَّى غواياتِهِ


ينوءُ بما في جوانحِه من كنوز


فاغترفْ منه ما تشتهي


هنا كلُّ ما يستطابُ..


وينعشُ..


أو يتخطَّفُ..


ما يستبيح.. وما لا يبوح:


عرائسُ باريسَ في شرفاتٍ من الياسمين


خمورُ الشآمِ


مرايا سمرقندَ


أشهى بساتينِ كشميرَ


أقمارُ فارسَ


أشرعةُ الصينِ والهندِ


حافلةٌ كلُّها بمئاتِ الملذَّات


فاغترفْ ما تشاءُ


وما تستطيبُ


ولا تنسَ أن تتملَّى طقوسَ المدار


وآياتِها المدهشة


إنها المعجزة...


نسج البحرُ أولى عناصرها


واغتنت برجالٍ..


تخالُهم لقطاءَ..


سبايا.. لفرسان قحطانَ


لكنْ.. تماسكْ قليلا


أرقَّاءُ روما


تُحيلُ الصحارى


قلاعًا من الترفِ القيصريِّ


بحاراً من الذهب الأبنوسيِّ


فوَّارةً بالبشائرِ في جوفها الزئبقيِّ


فأنَّى لها أن ترى سدرةَ الملكوت


أو تديرَ مفاتيحَها في طقوسِ الكمال


بغيرِ قطيعٍ من الكهنوت؟!


. . . . .


تموج المنابر سكرى


بشتَّى خلائطها


من خفافيشِ أبراجِ حرَّانَ،


أغربةِ الأزهرِ الفاطميِّ


أو الأشقرِ الأرنؤوطيِّ،


حتى مماليك بيبرسَ


في حمأ الشامِ


أو نادباتِ المواسم في كربلاء


إلى منتدى غانيات ليالي سمرقندَ


غلمانِ أمِّ الغوى..


ومكارمِ جاراتِها الحبشيَّاتِ...


يا هل ترى، يدركُ الرملُ أسطورةَ الزيتِ


قبل اشتعال الفتيلةِ؟


لا، ليس من ثمرٍ أو بذور


ولكنَّه من رفاتِ البداياتِ


قبل مئاتِ الملايينِ من دورةِ الشمسِ


حول كَنارِ الفصول


. . . . .


لسانٌ من الماءِ والرملِ والملحِ..


غصَّ بألسنةٍ من لهيبٍ وشمعٍ


وجيشٍ من الفقهاء/ الدخانِ


كأنَّ ألوفَ الثعابينِ


من رقصاتِ الزلازلِ


أو من لهاثِ البراكينِ


شقَّت من الهند درباً


إلى شبقِ العدوةِ الفارسيَّةِ


في لوعةِ الساحلِ الحضرموتيِّ


يا دجلةَ الخيرِ نامي


على شهقاتِ الفرات


فما زال بحرُ العرب


تائها خلفَ كوكبةِ السرطان.


. . . . .


لسانٌ أُنِيطَ به تاجُ فارسَ


من قبل أن تقطفَ الحربُ


أشهى عناقيدها


في دروب المغازي


وفي مرجلِ الشبقِ البدويّ


إذا طعَّموه بفاكهةٍ بربرية


أكان لذي قارَ من أثرٍ في الخريطةِ؟


يا رايةَ القادسيةِ، هل يذكرُ الغارُ


وهجَ السنا في حروفِ ثناياكِ؟


أم أن سعداً ورستمَ


عند احتدام الوغى


خسرا في الرهانِ معا؟


واستوى بسخامِ الهزيمة


دماءُ الضحايا..


غنائمُ كسرى..


نذورُ الصحابةِ والتابعين


وأوسمةُ الجنرالاتِ


في حانةِ الصلفِ الأطلسيّ؟!


. . . . .


أقول لعشتارَ/ إيزيسَ..


لُوناي في عيدها الفلكيِّ


تعالَيْ إلى كوكبي


أضيئي زواياه.. طوفي به


وتَملَّيْ عرائسَه الشاردة:


الخفافيشُ تمرحُ في غبش الجوِّ


تروي مخالبَها من قلوبِ العذارى


وتفرخ في مقلِ العاشقين


والذئابُ الطليقةُ تسرحُ


مبشومةً من لحومِ اليمامِ


الثعابينُ تسعى لإشباع شهوتها


من حليب الظباء


وفي سقفِ كوخي.. وفي صدرِه


بومةٌ خلعت جلدها


لبست برقعاً وغدت شبحاً


لافتراسِ الصغار


غابةٌ أتخمت بالوحوش


ولكنَّ إنسانَها العبقريَّ/ سليلَ الحضارة


يظلُّ أشد الجوارح فتكا.


. . . . .


الجراد.. الجراد..


غيومٌ ركاميةٌ من ضروبِ الجراد


تداهم أجواءَنا المستكينةَ


عاصفةً من لظى وعجاج


كيف تزهرُ حاكورةُ اللوزِ


تحت غاشيةٍ من جليد؟


مناديلُ خنساءَ تندى


عزاءً لتاج محلٍّ


مرايا "أبو الهول" طارت


لتستقبلَ العاصفة


وأعراسُ جنكيزَ دارت


تجزُّ الرؤوسَ التي أينعت


قبل ميقاتِ موسمها


في حقول الجوار


. . . . .


وأنا ها هنا


لستُ إلا صدى أو خيال


لمن عبروا في سديم العصور...


قبل أن يبدعَ الله من لوثةِ الطينِ


والنسمةِ المنعشة


كائناً غامضاً كالسؤال


ويطلقَ صاحبُنا العبقريُّ الرجيم


أعاصيرَ شهوتِه للتحدي


ومكرِ الجدال.