العالم الآخر

21/02/2015 - 1:39:21

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

عبير اسبر - روائية سورية مقيمة في بيروت

    إنها مجرد حقيقية، فأين المتعة في ذلك!؟


    فرغت من الأسئلة، كل ما حولي لا يدعو للشك، موتي الذي سببه انتحاري غير مشكوك به، موت الآخرين غير مشكوك به، المرافق وضحكاته، المقاتلات ورؤوس الكتيبة المقطوعة، لهاث ابنة المرافق، وفي النهاية اللاحكاية التي تطاردني، اللاذاكرة الملتصقة برأسي مثل البياض، لم أخف إذن من قسم الشبابيك والشمس، ولم أخف من الحقيقة التي يريدون انتزاعها من جمجمتي، فلينتزعوا ما يشاؤون، أنا لا أريد التذكر، كل ما حولي مثبت أكثر من حقائقي العتيقة التي تتحللّ الآن في المادة الرمادية لدماغي. علي الآن أن أتذكر هل أنا هو أنا بذاتي؟ لا أريد ولا أملك الكم الكافي من الشك لأسأل، أنا محاط بالحقائق. وليس مهماً من أكون.


    تُركت طويلاً هنا، في هذا العالم الجديد، لم أُرحّل إلى قسم الشبابيك والشمس،  والنوراني لم يعد خطراً، والحقيقية حقيقة فقط، شيء غير ممتع فليس لدي أسئلة حولها ولا شك بها، إنها مجرد حقيقية.


    منذ وصلت هنا، مر علي خمسة منتحرين، بثلاث حيوات مستعادة، وأربع قصص تروى، جلست دوماً على حواف ضحكات المرافق، لم يعد يدغمني به ولا يدعني أطفو بخفة حوله، فالحكايات الجديدة لم تكن تمتعه كما يحب فأنفى بعيداً عن مزاجه، لم ألمه على إهماله لي فعلاقتنا غير شخصية، وهو كما أخبرني ما زال ينتظر أن أرتبط به أكثر، أن أورطه بي، بتفاصيلي ليعرف أهميتي، ليحبني، ليفضلني على آخرين، ليختارني. هو يحب أن أتحول من منتحر إلى شخص منتحر، المرافق يحب أن يشخصن كل شيء، حتى تلك الساعة الرولكس الملقاة في حكاية مقاتلة كردية.


    مع مرور منتحرين كثر، وملل أكثر، رفض المرافق أن يطمئني، رفض أن يخدعني، ويجعل وقتي سهلاً، رفض حتى أن ينساني وهو ما اعتبرته ظلماً شديداً، لكني لم أبالِ، هو من كان يثور ويغضب ويطالب، أنا كنت مجرد منتحر بلا ذاكرة. لكن المرافق لم يدعني أكون، لم يدعني ألا أكون، وهو كل ما أردته، لا أريد أن أكون أحداً.


    المرافق أخبرني أني فهمت الموت بشكل خاطئ وهذا ما يغيظه، صحيح أن هذا العالم هو عالم جديد، لكن حتى في العالم الجديد يجب أن تأتي بإرثك، من قال إن الموت هو بداية أخرى، فقد خدعك، من قال إن البداية تعني أن تكون لا أحد فقد خدعك أيضاً، صحيح أنك في العالم الجديد تكتب على صفحة بيضاء، لكنك تكتب حكايات من العالم الآخر بارتباطاته، وأسمائه. وأنت أيها التافه ترفض أن تكون أحداً


    غادرني المرافق إلى حين، لم يمنحني سوى اسم هو صفة كما أوضحت له.


    تافه؟؟


    نعم.. أنت تافه


    هل هذه  شتيمة؟


    أوضح المرافق:


   هذه حقيقة.


   تركت طويلاً مرة أخرى، ثم مرت بي ابنة المرافق، أخبرتني بحماس أنها بعد معاناة مع حرد أبيها وجدت لي عملاً له معنى.


   اسمع يا "تافه" عليك أن تنتظر.


   أنتظر ماذا؟


   لا لا..  هذا هو عملك منذ الآن.


   الانتظار؟


   نعم، هنا لا أحد يجيد الانتظار، أريدك أن تمارسه بجد وإخلاص.


   وإن مارسته بجد وإخلاص، ما الذي سأحصل عليه بالمقابل؟


    على ماذا تريد أن تحصل؟


   فكرت وأجبت:


  على رغبة، أريد الحصول على رغبة، وووو.. اسم جديد.


  إذن ابدأ به، بالانتظار.


  (من رواية "العالم الآخر" قيد النشر)