مواربات الحزن والفرح

21/02/2015 - 1:37:30

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

فرج بيرقدار - شاعر سوري مقيم في السويد

  مثلما هناك جنازات في هيئة أعراس هناك أعراس في هيئة جنازات.


  عند أقاصي الحزن تأخذ الولاويل شكل الزغاريد، وعند أقاصي الفرح تأخذ الزغاريد شكل الولاويل، والدمع في الحالتين سيد العواطف العميقة المتلاطمة!


  في تقاليد أهالي قريتنا "تير معلة" ما يشبه ذلك، إذ يستعير العرس الكثير من ملامح الجنازة. لا أدري من أين جاءت هذه الملامح أو تلك التقاليد، التي لم أجد شبيهاً لها في القرى المجاورة. ربما هي بقايا طقوس سومرية أو بابلية أو سورية قديمة أو رومانية.


  في عصر اليوم الأخير من العرس، يذهب أهالي القرية نساءً ورجالاً، شيباً وشباناً وأطفالاً، إلى المقبرة، لأن التقاليد تقتضي أن تكون حلاقة العريس و(تلبيسته) داخل المقبرة!


  هناك.. يصطفُّ الرجال على شكل دائرة. أذرعهم متشابكة على الأكتاف، والعريس مع الحلاَّق في المنتصف.


  تترافق الحلاقة مع أغنيات محفوظة تمتدح مناقِب العريس، يؤديها الرجال بملامح فيها مزيج من المهابة والكبرياء والهواجس الغامضة، وبصوت جماعي مليء بالقوة والألم، بالتحدي والانكسار، بالرجولة المتعالية على ما فيها من طعنات غائرة، وبكل ما ينطوي عليه مقام الهُزام، الذي ينظم غناءهم، من حزن فاجع وعميق الأصداء.


   صوت جماعي ذو إيقاع بطيء بطيء، تمتد فيه معظم الحروف إلى نهايات الموج والغربة والوجع:


يااااااا نسر يا نسر يا شاااا يب الرااااااا س     


ماااااا لك على الجووووع قيـيـيـيـوَّة


وإن كاااااااا ن مأكووولك لحم ضاااااااااان


حَيِّدْ على العريس تلقى المريـيـيـيوَّووة


   النساء يقفن خلف حلقة الرجال، تلوِّح أيديهن بمناديل ناعمة ملوَّنة لا تكاد تقوى على الندب والهواء. حركات هي أقرب إلى الوداع، وهنَّ يهزجن بألحان شجيَّة، تستحثُّ حتى الخيول على الدمع.


  يتخلَّل كل ذلك إطلاقات رصاص من حلقة الرجال، تتداخل معها زخَّات من زغاريد النسوة، تخفق وترتعش مثل أجنحة صغيرة يتناثر ريشها، وهي تخضِّب الفضاء بما يشبه الولاويل.


   يستمر هذا الطقس حتى انتهاء الحلاقة وإلباس العريس ثيابه الجديدة داخل الحلقة، ثم يغادر الجميع المقبرة لإيصال العريس إلى عروسه.


  تُرى، ما علاقة العرس بالمقبرة؟!


  ما علاقة الموت بزواج ستنجم عنه ولادات وولادات؟!


   أحياناً ليس في وسع الفرح أن يتحمَّل نفسه، وربما لهذا يتقمَّص هيئةَ المأساة أو يتخفى وراءها!


  أحياناً ليس في وسع المأساة أن تتحمَّل نفسها، وربما لهذا تتقمَّص جنازاتُ الشهداء هيئة الأعراس أو تتخفَّى وراءها!


  هكذا.. وحده الموت يستطيع أن يجيب عن سؤال الحياة، كما وحدها الحياة تستطيع أن تجيب عن سؤال الموت.