في الإسهام العربي المعاصر في الثقافة العالمية

21/02/2015 - 1:35:13

د . محمد رءوف حامد د . محمد رءوف حامد

د. مجدي يوسف - كاتب مصري

    "الإسهام العربي المعاصر في الثقافة العالمية.. حوار عربي ـ غربي".. عنوان مؤتمر وضعت تصوره، وإعداده وعقد بمقر اليونسكو بباريس يومى 28 و29 مارس 2009 باسم ”الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى” التى أسستها فى جامعة بريمن فى ألمانيا الاتحادية. وقمت باختيار الباحثين العرب ذوى الخبرة والقدرة على تقديم إسهاماتهم للتراث العالمى فى تخصص كل منهم، ودعوت بالمثل باحثين غربيين مناقشين لهم ذوى وزن ومكانة متميزة في تلك التخصصات ليعقبوا على زملائهم العرب من منظورهم الغربى.


    وترجع الملابسات التى دعت لإنشاء ”الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى” إلى المؤتمر الثامن للجمعية الدولية للأدب المقارن فى مقر أكاديمية العلوم فى بودابست 1976 حيث كنت مشاركا فى مائدة مستديرة حول قضايا الأدب المقارن أدارها ”دووفيه فوكيما”، المعروف بتوجهه المنحاز للمركزية الغربية فى جامعة ”أوترخت". وما أن طرحت إشكالية هيمنة المعايير الأدبية الغربية على سائر الآداب غير الغربية حتى قطع علي كلمتى، وأعطى الكلمة على نحو متعسف للمتحدث التالى فانقسمت القاعة لفريقين: أحدهما يستهجن طرحى لقضية الهيمنة هذه، والآخر يحتج على قطعه على كلمتى في مؤتمر علمى. والطريف أن من بين أولئك الذين احتجوا على طرحى لقضية الهيمنة الغربية أستاذ للأدب المقارن فى جامعة هندية، وعضو فى مجلس إدارة تلك الجمعية ”الدولية". وقد توجه إلى بعد الجلسة ليعبر عن احتجاجه بقوله: أنت تريد أن تسحب البساط من تحتهم (يقصد الغربيين من ذوى التوجه المركزى الغربى)؟ إنهم أساتذتنا!


    لكن الطريف والمستغرب أيضا أن الباحثين المؤازرين للقضية التى طرحتها كانوا أساتذة فى جامعات أوروبية وأمريكية، منهم ”جاك لينهارت"، خليفة ”لوسيان جولدمان” فى المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بجامعة باريس، و”روبرتو ريتامار"، الشاعر المشهور صاحب الإسهامات الكبيرة فى نظرية التبعية الثقافية فى أمريكا اللاتينية. وقد عزم هؤلاء معى على ضرورة إنشاء رابطة علمية مستقلة نتمكن فيها أن نرد على دعاوى المركزية الغربية فى الجامعات ومراكز الأبحاث على مستوى العالم. ووقع  علي الاختيار كى أكون مؤسسا الرابطة التى استقر الرأى على أن تدعى ”الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى"


International Association of Intercultural Studies (IAIS)


    ونظرا لتعدد الدول التى كان يحاضر فى جامعاتها أعضاء الرابطة الجديدة، فقد استغرق تأسيسها بالطرق القانونية المعروفة عدة أعوام كى تصبح ”رسمية” عام 1981، ومقرها فى جامعة بريمن الألمانية حيث لا زالت تمارس نشاطها العلمى حتى الآن بعد أن صار لها صفة استشارية فى المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة.


    وقد عقد مؤتمرها الأول عام 1985 فى جامعة ”إنتر يونيفرسيتى سنتر دوبروفنيك” المخصصة لعقد المؤتمرات العلمية الدولية فى يوغسلافيا السابقة التى تصادف أن كان رئيسها آنذاك هو رئيس جامعة هامبورج فى ألمانيا الاتحادية، وكان مجلس إدارتها مكونا من أعضاء هيئة التدريس فى عدة جامعات غربية. وكان عنوان المؤتمر الأول هو ”التفاعل الحضارى بين العالمين العربى والغربى فى العصر الحديث". وشارك فى الإعداد له المهندس الراحل حسن فتحى، وذلك فى ندوة تحضيرية عام 1984 فى ”مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية”.


    أما هذا المؤتمر الذى عقد فى مقر اليونسكو عام 2009 فكان موضوعه مختلفا، وإن يكن مقاربا فى الطرح المنهجى والإجرائى العام. إذ كان ردا على المشاركة الخائبة للجامعة العربية حين لبت الدعوة لتكون ”ضيف شرف” فى معرض فرانكفورت 2004. فقد اختار عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك، لأسباب غير معروفة، موظفا فى وزارة الثقافة المصرية (محمد غنيم)، عرف عنه ولاؤه الشديد لفاروق حسنى، ”مشرفا عاما” على البرنامج الثقافى لمشاركة الجامعة العربية، ولم يكن مؤهلا بأية صورة لأداء ذلك الدور. فقد وقع بسهولة فى فخ إعادة إنتاج برنامج لندوات للمعهد الثقافى الفرنسى فى القاهرة عنوانه (عندما كان العلم  يتحدث العربية)، منذ ألف عام!، ليجعله محورا أساسيا فى برنامج المشاركة فى معرض فرانكفورت. وقد كتبت قبل انعقاد المعرض بعدة شهور ثمانية مقالات في مجلة (الهلال) وغيرها أحذر من الاقتصار على تقديم إسهامات علمائنا القدامى فى العلوم الطبيعية لقوم يعرفون قاماتهم أكثر منا، بينما نتقاعس نحن عن تقديم الإسهامات العربية المعاصرة فى مختلف تخصصات العلوم الطبيعية، وكأننا بذلك نخرج أنفسنا بأنفسنا من التاريخ الحالى لا سيما وأن هذه العلوم هى الفاعلة على مستوى العالم. لذلك فالتهرب من تقديم إسهامات باحثينا العرب المعاصرين فى هذا الجانب الخطير اعتراف ضمنى منا بأنه لا دور لنا يعتد به فى التاريخ المعاصر، وإن كان لنا دور يذكر، فربما فى  بلاغة الحكى والمحاكاة، أى أن ”شطارتنا” فى طق الحنك، بينما نترك  للآخرين صياغة التاريخ العالمى  بأبحاثهم المتقدمة فى العلوم الطبيعية.


    من هنا جعلت المحور الأول فى هذا المؤتمر البديل فى مقر اليونسكو مخصصا للإسهامات العربية الحالية فى تخصصات العلوم الطبيعية، واخترت باحثين عرب ذوى قامات سامقة فى مجالى علم الصيدلة (الدكتور رءوف حامد، الأستاذ بمركز الإتاحة الحيوية فى القاهرة)، وفى هندسة الإنتاج (الدكتور حامد الموصلى، الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة عين شمس). وناقشهما باحثان غربييان رفيعا المستوى فى مجالى تخصصهما، حيث أعربت تعقيباتهما الشفاهية والمدونة ليس فقط عن تفاعلهما الإيجابى الشديد مع ما قدمه هذان الرائدان العربيان كل فى مجاله التخصصى، وإنما بالمثل عن اعترافهما الصريح بما قدمه زميلاهما المصريان من إضافات مهمة لتراث العلم فى مجاليهما.


    ولم أقصد بالإسهام العربى المعاصر أن أقدم ما يمكن أن يكون منبت الصلة عما يشغل سائر الباحثين على مستوى العالم. وإلا لما كان هنالك داع للحوار مع ذلك الآخر الذى لا زال يتصدر العالم بإنجازاته العلمية. وهو ما يعنى أننا لن نبدأ إطلاقا من الصفر فى درس ما نبتغى الحصول على نتائج بحثية جادة فيه، بل علينا أن نقف على آخر ما توصلت إليه البشرية من جهد بحثى فى مجال التخصص، لكن ليس لنحاكيه، وإنما لنختبر مدى مصداقيته من عدمه ابتداء من اختلاف أرضيتنا الموضوعية عن أرضيات سوانا فى الحقبة الراهنة. أشدد على ”الشروط الموضوعية"، لأميزها تماما عن صور الشعوب عن بعضها البعض بما تغص به من نزعات ورؤى ذاتية أبعد ما تكون عن الوجود الموضوعى لتلك الشعوب، بل كثيرا ما تذكى الصراع بينها على أساس لا علاقة له البتة بالرشادة العلمية. ولذلك فما يجمع العلماء الحقيقيين على مستوى العالم هو تلك ”البراءة الكبرى” التى يصدرون عنها فى بحث الظواهر التى يتعرضون لها. ومع ذلك فالاختلاف الموضوعى بين الحياة المجتمعية والطبيعية فى بلادهم يوجه رغما عنهم أبحاث كل منهم فى فريقه لحل مشكلات تتعلق بالمجتمعات التى ينتمون إليها، وبالمصالح التى تدفع البحث العلمى فيها.


   فعلام ينهض إذن إنجاز عالم عربى فى الصيدلة مثلا فى مجال تخصصه؟


    لم يصدر د. رءوف حامد فى أبحاثه بجامعة الفاتح فى ليبيا فى مقتبل الثمانينيات عن ”المعترف به دوليا” فى مجال تخصصه، وهو ما تروج له ”إدارة الغذاء والدواء” الأمريكية،  إنما عن اختلاف العادات الغذائية فى المجتمع الليبى ومدى تأثيرها على تمثيل الدواء غربى المنشأ. حيث تبين له أن عادة استهلاك الليبيين لمادة الهريسة الحارة بانتظام مع كل وجبة لا يفضى لما تروج له الأبحاث الأمريكية من أن هذه المادة تحدث قرحا بالأمعاء والإثنى عشر، إنما تقلل من إمكان حدوث تلك القرح، بل تكسب صاحبها مناعة ضدها. وهو ما قدمه الدكتور رؤوف مع طلبته فى مؤتمرات علوم الصيدلة فى كل من ”فيينا" و"مونترو” فى سويسرا وفى اليابان، وأثار الكثير من المناقشات. وكان عنوان بحثه فى مؤتمر اليونسكو (الخصوصية مصدرا للأصالة البحثية)، وجاء تعقيب الباحث النمسوى الشهير فى مجال الجهاز الهضمى بمعهد الدراسات الدوائية فى جامعة ”جراتس” الطبية بالنمسا، والبروفيسور ”بيتر هولتسر"، مؤيدا تماما لما توصل إليه فى بحثه الذي سجل التاريخ العريق لعلماء العرب من أمثال ابن الهيثم، وابن سينا الذين علموا الغرب الأسس التى يقوم عليها العلم التجريبى الحديث، وانتقد الدوريات الغربية المعاصرة فى تحيزها أحادى التوجه لنشر أبحاث المشاهير من الغربيين دون الاهتمام بأبحاث المهمشين فى البلاد البعيدة عن دائرة الضوء فى الغرب، فهذه الدراسات النابعة من خصوصيات ثقافية اجتماعية ينتمون إليها هى التى يمكن أن تثرى البحث العلمى وتضيف إليه على مستوى العالم.


    أما بحث الدكتور حامد الموصلى فكان عنوانه (الموارد المادية المتجددة: أساس مادى للتنمية الذاتية المستدامة فى المجتمعات المحلية). وفيه يعرف الموارد المادية المتجددة بأنها ”تأتى من أصول بيولوجية(...) خاصيتها الجوهرية أنها كانت ولازالت حية(...) أى تعكس شكلا من أشكال الحياة الطبيعية، وبذلك تشكل نسقا إيكولوجيا صغيرا(...) لكنه لا ينفصل عن النظام الإيكولوجى (البيئي) الأكبر. مما يعنى أن هذه الموارد المادية المتجددة تحمل داخلها – وإن يكن فى صورة مصغرة – كل مكونات الشفرة الجينية للطبيعة ”الأم"، ومن ثم لتعاقب الحياة والموت فيها".


    ويرى الدكتور الموصلى أن هذه الموارد المادية المتجددة ”تتوفر بتكلفة زهيدة فى المناطق الريفية فيما يدعى ”العالم الثالث” (مع ما لنا على هذا المفهوم من تحفظات – م.ي)، وفى سياق اقتصاد المعيشة ترتبط هذه الموارد المادية المتجددة، وعلى وجه الخصوص البواقى الزراعية منها، بإشباع الحاجات الأساسية لقاطنى المناطق الريفية بخاصة حيث يعكس الموروث الثقافى والتقنى لهذه المجتمعات قدرة خلاقة على إبداع طرق جديدة لتوظيفها واستخدامها على المستوى المحلى(...) بينما أدى الاعتماد المتزايد على طرق الحياة الغربية إلى إهمال متعمد للموارد المادية المتجددة والمتاحة محليا، وما يرتبط بها من موروث تقنى وإبداعات ثقافية نابعة من بيئتها... حتى تراجعت لتصير مصدرا للتلوث البيئى، وعبئا اقتصاديا على مجتمعاتها المحلية".


    تقدم ورقة الموصلى ”نماذج متعددة تكشف دور العلم والتكنولوجيا فى تعبيد طرق جديدة لتوظيف هذه الموارد المتجددة فى إشباع الحاجات الأساسية لغالبية سكان الريف، فضلا عن نشر صناعات منزلية صغيرة معتمدة على تلك الموارد المتجددة ومتناغمة ثقافيا وتكنولوجيا مع السياقات الريفية المحلية”، وتقوم الورقة على بحث ميدانى أجراه على عدة أعوام على النخيل فى المجتمعات العربية حيث يمكن الاستفادة من كل مكونات النخلة للغذاء والبناء وصنع مختلف المنتجات التى يحتاجها المجتمع المحلى، واستطاع أن يوفر بمعونة خارجية(!) لسيدات الريف فى مصر موتورا منزليا صغيرا يقمن به وهن فى دورهن بتصنيع تلك المنتجات القائمة على مخلفات النخيل، وبيعها فى الأسواق مما يسهم فى تحرير المرأة الريفية من سطوة الرجل ويكسبها مكانة اجتماعية فى أسرتها ومحيطها.


    وقد علق الدكتور ”هانس فان فينن"، أستاذ العلوم البيئية فى جامعتى ”أمستردام"، و"فينديسهايم” فى هولندا مشيدا ببحث الدكتور الموصلى الذى يعتمد على البيئة المحلية وتراثها المادى والثقافى فى استخدام التقنيات الحديثة الوافدة لتعظيم الاستفادة من المواد المحلية، إنه ”يساعد على تعظيم دور المواطن فى المناطق الريفية فى عملية إنتاج واستهلاك الموارد المتاحة بيئيا، مما يدعم دوره كمبدع وصانع للقرار فى مجتمعه المحلى."


    وستكون لنا وقفة في مقال قادم حول مجال العلوم الاجتماعية وبحث الدكتور محمد حامد دويدار، أستاذ الاقتصاد السياسى فى جامعة الإسكندرية، وعميد أساتذة الاقتصاد فى العالم العربى، حيث قدم تفسيرا مختلفا عن الرؤية الغربية السائدة لأزمة بيوت المال فى أمريكا عام 2007. إضافة إلى الإسهام العربي في مجالات أخرى، لكل من حسن فتحى (مصر)، وراسم بدران (فلسطين).