المثقف بعد أن تغذى بتربة الأسمدة السوداء للاستبداد

21/02/2015 - 1:32:48

مظاهرات المثقفين فى مصر 2013 مظاهرات المثقفين فى مصر 2013

أسعد الجبوري - شاعر وروائي عراقي مقيم في الدنمرك

    بداية.. لا أعتقد بوجود مثقف عربي من غير النسل الاستبدادي، أو غير شريك في صناعة الاستبداد بأغلب أشكاله ومعادنه وتأثيراته على الأرض والمجموعات السكانية القائمة عليها. فالفرد في هذه الأمة، ليس غير نطفة تشكلت في رحم صحراوي جاف وقاسٍ نفسياً، ومحرج لأية عملية تحديث لأنظمة العقل العربي.


    هذه الولادة العسيرة التي يشترك فيها الغالبية العظمى من الكتّاب والمثقفين، قادت إلى نشوء ثقافة حادّة. وبالتالي فأنها أسهمت بتأسيس سلطات السيف وسلاطين الحديد في عموم العالم العربي، بنسب متفاوتة، سرعان ما راحت تنفجر الواحدة تلو الأخرى، لتكشف عن حجم الدمار الديمقراطي الذي قاد مختلف الحريات إلى قطع النفس والسجون والموت في أحايين كثيرة.


    ومع حركة هذا العنف وتموجاته المتصاعدة، تم فتح أولى بوابات الاستبداد داخل أنفس المثقفين ذواتهم، ممن اندمجوا بحركة الاستبداد كمقاومين له، فيما أصبحوا بالتدريج البطيء حاضنات له داخل الخلاط الاجتماعي السياسي العام.


    يقابل هذا الاعتقاد، أن الخلاط نفسه، لم يشهد أية عمليات لتفكيك تلك الحاضنات، بعد أن رفض الجسم العام للاستبداد كل محاولات التفتيت التي يتعرض لها، فانقسمت خلاياه، لئلا تضعف قبضته، وتتم السيطرة عليه، بعد تفريغه من محتواه.


    والسؤال هنا: هل شهدنا أحداً من الكتّاب أو المؤلفين، وهو يقدم نفسه أو فكره كمادة خالصة، أو كفلز مستقل عن تلك الاختلاطات.


    لقد بقي المثقف العربي في إطاره العام، مجموعة تناقضات جينية - اجتماعية، قد ينجح بإدارة نفسه ضمن طقوسها أو على مساحتها، أو أن يفقد القدرة على أن يكون مديراً لمختلف الأزمات التي تعيش في باطنه الخفي، أو تلك التي تعترضه في أثناء الكتابة، عندما يحاول تبني أي من المشاريع الإبداعية، أو تلك التي تفرزها مكوناته الأيديولوجية، سواء في كتابٍ يؤلفه لصالح الجماعة التي تقدمه لنا كمنتج مخلص لأفكارها أو لسياساتها داخل مجتمعات الشعوب.


    إن وجود كاتب في دائرة معادية لنهجه، وتحت سلطة نظام معادٍ لأيديولوجيته، قد تمر بمراحل سيكولوجية مقلقة، مما يؤدي به تدريجياً نحو الاستنفار الضدّي درجة درجة، صعوداً إلى الطاقة القصوى التي تجعل منه ـ خارج عالم الحريات  الديمقراطية ـ مخلوقاً مفترساً، يخترع أفضل الطرق التي تجعله قريباً من هدفه، ومنجذباً بحماس قوي نحو الاستبداد.


    فلا استبداد يخلو من نظرية خلق الاستبداد المضاد، وبالتالي، فالمثقف العربي الذي طالما تغذت تربته بالأسمدة السوداء المستمدة قوتها من الحديد والنار، سيجد خلاياه الجسمانية، وقد امتلأت بتلك القوة الساحرة التي يولدها منتوج الحديد والنار، لتصبح في نهاية المطاف طاقة مُخترِعة لنظرية "الاستبداد المتأخر" القائم على ذريعة محاربة الاستبداد السلفي أو الأصل!


    هذا العمل المغناطيسي لعمليات الاستبداد داخل الأفران الثقافية، قد ولّد الكثير من الغموض في تكوين النصوص، بل عطلّ مفعول الأسئلة الخاصة باستبداد اليوم وبديكتاتوريات الحاضر، بمجرد الاطلاع على استبداد المنشأ لاهوتاً وفلسفةً وأدباً ونظريات فكرية، بل حتى منشأ الإيروتيكيا الذي كان هو الأس الأعظم في بناء السلطات وأنظمة الإرهاب تاريخياً.


    أنا لا أريد مناقشة نظريات وكتب وأحزاب ورموز استبدادية على مدى المنظور السابق أو اللاحق، لأن شعوب هذه الأرض العربية طالما تناغمت من التراجيديات الحمراء وعانت من ضياع نقاط الأكسجين في الهواء الملوث الذي تتنفسه، ولكنني منجذبٌ لمحاكمة الاستبداد الديني قبل سواه، لأنه هو المولد الأقوى والأشد ضراوة والأكثر فاعلية وانتشاراً بمواكب منتجات هذا الاستبداد الذي ما يزال محصوراً بقطع الرؤوس والأحزمة الناسف والسيارات المفخخة، ليبلغ ذروّته بعد ذلك إلى المديّات الأعظم، ربما من خلال السيطرة على المفاعلات الذرية وتفجير السدود والآبار وعجن التربة بأسمدة الموت وسوق المجتمعات ذكوراً وإناثاً سبايا إلى ساحات النكاح الجهادي أو إلى محاكم الشوارع الخاصة بالجلد أو قطع الأيدي والرمي بالرصاص.


    غير أن هذا العقل الديني في كثير من تجلياته السلفية المرعبة والمروعة، ليس وحده من أنجب وسارع بانتشار الاستبداد المتنوع، بقدر ما يجب أن توجه التهم بجرائم الحرب إلى المنابع التي تحاول تطهير العالم من كل فكر مناهض للوهابية، لتجلس الأخيرة على العرش وحيدة، كمستبد واحد ووحيد وأوحد بفعل المضخات المالية والإعلامية التي انتقلت من الدعوة مروراً بالتكفير إلى الديناميت بقفزة واحدة.


    بالإضافة إلى هذا وذاك، هناك الاستبداد بالقارئ من روائيين وكتّاب وشعراء للجسد، من خلال الترويج المقنع للشهوة، بعناوين أغلفة أعمالهم كما هو حال أحلام مستغانمي. مما يعني في نهاية الأمر استبدادا بدور النشر.


    وهذا ينطبق أيضاً على استبداد شعراء العمود بمراكزهم لقمع كل حركة شعرية تخرج عن طاعة نظام الوزن والقافية، حتى تطور ليصبح ظاهرة اضطهاد علني، طالما قادها أحمد عبد المعطي حجازي منذ عقود في مصر.


    من هنا.. فإن  المثقف العربي ـ أديبا ومفكرا ـ ليس مخترعا للاستبداد ولا منجذباً إليه، ولكنه خريج  رحمه الصحراوي أيضاً.