هل المثقف فرع في شجرة الاستبداد؟

21/02/2015 - 1:31:07

شكسبير شكسبير

د. مصطفى نور الدين - كاتب مصري مقيم في باريس

    من اليسير تحديد مفهوم لسلطة حاكمة بأنها ديمقراطية أو استبدادية أو غير ذلك، بداية من العلاقة بين الدولة والمواطنين، وإن ظل التحديد نسبيا لأنه قد تتوفر عناصر من مفهوم لا كله. تتجلى العقبة مع مفهوم "مثقف"؛ فلا يوجد تعريف "جامع مانع" لكلمة. "ثقف" في القواميس من هو "حاذق، فهم، فطن" وثقف الشيء تعلمه بسرعة،وهو التأدب والتهذيب. والمعنى باللاتينية يقترب من العربية فهو العبقرية والتحصيل والفهم عندما يخص كلمة مثقف.


    غير أن استخدام الكلمة بدأ في فرنسا في القرن التاسع عشر من قبل المفكر اليميني "موريس بارييس" ليهاجم كلا من "إميل زولا" و"أكتاف ماربو" و"أناتول فرانس" لدفاعهم عن "دريفوس" الضابط اليهودي الذي اتهم زورا بالخيانة العظمى. وهو يتهمهم ويصفهم "بالمثقفين" لأنهم أهل فكر وقلم ولا يفهمون الواقع. ثم تحولت الكلمة لتصبح بالمعنى الجاري الآن. فالمثقف بحسب المفكر "ديدرو" هو من "له حق التدخل حتى فيما لا يعنيه ويهم الغير."


    باختصار، المثقف هو من يملك معرفة ومقدرة على فهم عميق للقضايا وتكوين وجهة نظر مستقلة ومتماسكة حولها ويناضل من أجل تحققها في مواجهة أية سلطة تمارس العنف بكل أنواعه ضد المواطنين أو ضد الإنسان أينما كان. فدور المثقف هو نقل الوعي وتحويله لفعل ثوري ضد حرب غير عادلة أو انعدام عدالة.


    غير أن الواقع يظهر أن علاقة المثقف بالسلطة تتراوح بين الصمت السلبي بالملاحظة أو بالانحياز للتبرير أو الاندماج للمساهمة في تشييد النظام كجزء منه بدرجة مختلفة في الكيف. فالكاتب أو المفكر قد يتخذ توجها مثل "جوته" الذي قال: "اتركوا السياسة للدبلوماسيين والعسكريين"، أو مثل "دانتي" الذي عبر عن خجله من أن "مايكل أنجلو" لم تشغله مآسي فلورانس، فرد عليه بأن ما يشغله تماما هو الجمال فحسب. وكان أفلاطون يرى الحاكم المثالي هو "الفيلسوف الملك" أو أن يصبح الملك فيلسوفا لتتحقق العدالة ويكون حارسا للمدينة.


    يمكن القول إن الانحياز هو معيار التفرقة بين مثقف مناضل يسعى للتغيير، ومثقف يرى أن ما هو قائم هو أفضل ما يكون برغم ما قد يكون فيه من مظالم. فنحن لا نملك حق نفي صفة مثقف عن شخص لأنه انحاز للدولة أو السلطة القمعية، ولكن نعتبره جزءا منها طبقيا وفكريا وأداة من أدواتها. هو يدخل فيمن يسمون "كلاب الحراسة" إذا استعرنا المفهوم الذي استعمله عام 1932 "بول نيزان" وهو عنوان كتابه. وإذا ذهبنا مع الحكم عليهم بكلمات "جوليان باندا" عام 1927 نتكلم عن "خيانة المثقفين" وهو عنوان كتابه الذي ينتقدهم لتخليهم عن قيم عليا كان من المفترض أن يدافعوا عنها. ويمكن الذهاب أبعد من اللوم بالإدانة عندما يرتبط المثقف بنظم متسلطة وإجرامية.


    ففي فرنسا، مثلا، اشتهرت أسماء خادمة للدولة مثل "بارييس" و"موراس" و"بيجي" في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية كان التمزق على صعيد الأسرة ذاتها، فالبعض ساند نظام "فيشي" المتعاون مع المحتل النازي ومنهم كتاب عظام بالمقياس الأدبي والفكري. ووضعت "اللجنة الوطنية للكتاب" على القائمة السوداء الكثير من هؤلاء (منهم "بيير داريو لاروشيل" الذي اختار الانتحار بديلا عن مواجهة المحاكمة الثورية بعد تحرير فرنسا، بينما تم إعدام كل من "روبير باريزياك" و"جورج سواريز" و"بول كلارك" وغيرهم). وهناك أيضا أسماء مثل "ايزرا باوند" و"شتاينبك" و"دوريل" فمن هؤلاء من انحاز لأيديولوجيات نازية أو إمبريالية أو كجاسوس للدولة.


    وفي المقابل نجد المثقف بمعنى الانحياز المقاوم على مدى التاريخ والمجتمعات ولا حصر لهم، بداية من الفلاح الفصيح وسقراط وصولا إلى إيرازم وفولتير والكواكبي وبيرم التونسي وأبو القاسم الشابي وكانت وزولا وأناتول فرانس وماركس وانجلز وجينيه وبلانشو وباتي وسارتر ومارلو وراسل وفوكو وموران.


    والسؤال هو هل يمكن للمفكر أو الكاتب أخذ مسافة عن الواقع والابتعاد عنه ويكون متسقا مع ذاته، برغم ما يحمله من مآس وحروب وانعدام عدالة؟ فالكاتب والمفكر يقدمان رؤية للمجتمع والحياة بموضوعية أو بنظرة خيالية وربما مثالية تتضمن انتقادات ضمنية لتجاوزها لعدم الرضا عنها. وبالتالي فهو مشتبك مع المجتمع بالفكرة وقد يتجاوز التعبير بالممارسة لتغيير هذا الواقع. فمثلا، مسرح موليير وشكسبير وروايات بلزاك وهوجو تعكس الانشغال بالإنسان والمجتمع والسلطة ولا تنحاز للأخيرة بل للإنسان دوما مباشرة أو عبر الإبداع والخيال.


    وبحصر المسألة بصورة أضيق لتخص الكتاب والمفكرين وحدهم فأحد أوجه المشكلة فيما يخص محاسبتهم إن صح القول مزدوجة. فهي أولا تتعلق بكتاباتهم التي هي صفتهم الجوهرية. فالتوقف عند كتاباتهم قد يجعل منها إضافة فريدة في الثقافة ولكن هل هذا يبرر غض النظر عن "حيادهم" أو تنظيرهم للنظم المتسلطة أو الصمت عليها والاندماج في مؤسساتها واعتبار ذلك انحيازا بريئا؟


    إن علاقة المثقف بالسلطة تتحدد بداية لنظرته الفكرية للمجتمع المنشود لتحقق القيم التي يرى فيها النموذج للمجتمع "الأمثل" أو أن هناك إستراتيجية لتحقق هذا المجتمع في الأجل الطويل. وهذا المجتمع الأمثل يراه البعض محكوما بالنظام الصارم وسلطة مطلقة للحاكم بينما يراه غيرهم دكتاتورية طبقة، وغيرهم حكم الشعب بنفسه لنفسه، وكل النماذج المتراوحة بين اليوتوبيا والواقع.


    إن ذلك يقودنا للقول إن من المثقفين أصحاب "الياقات البيضاء" بحسب تعبير عالم الاجتماع الأمريكي "س. رايت ميلز" يمكن تسميتهم بالنخبة، هو عنوان لأحد كتبه. ويستخدم بيير بورديو تعبيرا آخر عندما يتكلم عن "نبلاء الدولة". فهؤلاء ليسوا بمثقفين انضموا بعد فترة تعلم وتحصيل للمعرفة بالدولة بل هم يعدون أنفسهم داخل "مدارس كبرى" معنية بصناعة عقول تدير الدولة وأجهزتها. تديرها من السياسة إلى الإدارات بكل تفرعاتها وفي كل المجالات. ففي البلدان الرأسمالية الكبرى يتم الاستعانة بالخبراء في مجالات المعرفة ولا يمكن النظر لهؤلاء كما لو كان دورهم محايدا فهم يقرون ضمنيا بالنظام القائم ويعملون على الوصول به إلى تمام الإتقان الوظيفي.


    هؤلاء النبلاء منهم فلاسفة وغيرهم خبراء في الاقتصاد والاجتماع والاستراتيجية وغير ذلك. لهم هوية مزدوجة من جانب من حيث الكفاءة الفكرية، ومن حيث الدور المحدد الذي تم اختيارهم له من البداية بالاندماج في الدولة وتقديم كفاءتهم للأغراض التي حددتها بتقديم أنجع السبل لتحقيقها دون تفجر إثارة أو صراعات اجتماعية وسياسية حادة يصعب التحكم فيها. يمكن المقاربة بين هؤلاء وبين من أرسلتهم الدولة المصرية خاصة منذ محمد علي إلى بعثات أوروبية لوضع ما حصلوه من معارف في خدمة بناء دولة حديثة.


    نحن إذن أمام اختيار وانحياز إراديين إلى (المجتمع أو الدولة). فمن يختار المجتمع والمواطن كأولوية في مواجهة الدولة هو المثقف الذي تضاف له صفة تميزه بأنه "ملتزم" أو "عضوي". الآخرون الذين اختاروا أو انحازوا للدولة ولنظامها مهما كانت طبيعته السياسية فهم جزء من جسدها وعقلها.


    الإشكالية الخاصة بمصر متجسدة في الارتباط العضوي بين الثقافة والفكر والدولة. فالدولة هي التي تصنع وسائل نشر وتوزيع وتمويل الإبداع أحيانا. هذه الوضعية تضع المثقف في حالة تبعية وبحث عن مكانة أو اعتراف يروج مشروعه الخاص مقابل تنازله عن مواجهتها.


    ولكن القضية تأخذ بعدها الأعمق ليس في ممارسة القمع الرسمي للدولة فحسب وإنما في التلاعب بالعقول الذي يمارسه من انحاز من المثقفين للسلطة. هذا التلاعب لتلك الفئة هو الذي ضمنه "جورج أوريل" في رواية "1984" بوضوح وبموازاة لقهر النظام. فالمثقفون يطبقون فيما بينهم وعلى أنفسهم تلك الفلسفة الشمولية المتحكمة في الفكر. هم بنهجهم يسعون للاستئثار بسلطة داخل السلطة وإن ظلت دوما تابعة للسلطة المهيمنة وأداتها.


    فالاستبداد ليس فقط هيمنة بوليسية وعسكرية على مجتمع ولكن يدعمهما هيمنة ثقافية إيديولوجية لا تلعبها أجهزة الدولة العنيفة وحدها ولكن أجهزة ناعمة في الإعلام والصحافة والفكر الدعائي والفن. وتلك الوسائل هي المدعومة بمثقفين يقننون لها ويبنون فكرها المتلاعب بالعقول والمسوغ لكل الانتهاكات تحت مسميات لا حد لها من الوحدة الوطنية والأمن واستقرار النظام والسلام الاجتماعي أي إدانة كل معارضة للتسلط كممارسة.


    لم تتح الفرصة في التاريخ الحديث والمعاصر لتحقق انفصال فعلي للمواطن عن الدولة، فلا تزال هي التي تتولى غالبية الشؤون المهمة في الحياة. بجانب أن البناء الاجتماعي من الأسرة للدولة وما بينهما يتسم بذات الطبيعة الهرمية للسلطة تنعكس على الأدوار والوظائف ودرجات التبعية والخضوع. فالكاتب أو المفكر يعرف الحدود المسموح بها من رقابة المجتمع والدولة. فاللغة "نقية طاهرة" والأفكار تتخفى خلف الزمرية وآليات البلاغة وازدواجية التأويل ليتمكن "المارق" من الهروب من العقاب إن تمكن. فلم تحدث للثقافة نقلة تضمن التحرر الكامل للمبدعين.


    كل هذا يجعل الكاتب والمفكر "يتحسس" فكره قبل أن يجسده. فهو يراعي الدولة لكي تراعيه، وعندما يأخذ منها موقفا نقديا عليه عمل حسابات المكسب والخسارة. هي صنعته وهو يحافظ على شكلها وعلى مضمونها. علاقة تتسم بالنفاق من طرفه والقهر من جانبها. ربما أسمى تجليات تلك العلاقة المختلة يتجسد في مدح الزعيم الفرد عبر كل العصور والإشادة بمحاسنه في ظل انهيار شبه كامل لكل الأنشطة المنتجة وتدهور التعليم والصحة والعمران وتفشي الفساد.


    هذه العلاقة تجسيد لتخلي المثقف عن دوره واندماجه في ذات الماكينة السياسية التي تصنع النظام المتسلط. فكلما أسبغت الدولة عطاياها على أهل القلم احمرت خدودهم خجلا من الانتقاص من هيبتها أو انتقادها، فيسهمون في ترعرع جبروتها ويصغرون.