أَشَوِيقْ .. همس الروح الأمازيغية

21/02/2015 - 1:29:15

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

نجاة دحمون - كاتبة جزائرية

عندما يكون قلب المرأة الأمازيغية مثقلا، تصدح حنجرتها بالغناء، وتطلق العنان لمشاعرها، فتنسج قصائد القلب التي تروي حكايتها أو حكاياها، وتفضفض لشجر الزيتون أو حجر الرّحى، ولخيوط المنسج أيضا دون أن تهتم بالآذان التي تسمعها. ففي بلاد القبائل "أَشَوِيقْ" هي لغة المشاعر بلا منافس، بوح النساء الساكتات، تتفجر بعد طول صبر أصواتهن، لتردد صداها جبال جرجرة، ويحتضن وجعه في البعيد جبال الأوراس الشماء.


أشويق هي لغة المسموح في عالم الممنوع؛ فالمرأة تكتم في غياهب الفؤاد أغلب ما تحس به، وتدفن في أغوار الروح أوجاع النوائب، والأماني التي لم تحقق.


أشويق نوع من أنواع الشعر الأمازيغي الشفوي التقليدي الذي يعبر عن مشاعر المرأة في حزنها وفرحها، فما تعجز عن البوح به مباشرة تصوغه في قصائد عفوية قصيرة أو طويلة، وتغنيها بصوت مسموع، وهي تمارس طقوس حياتها اليومية. فالأعمال اليدوية المضنية التي تمارسها النساء تشغل الأيدي دون العقل والقلب غالبا، لذا كان الـ"أشويق" ملاذا للقلب، ليعبر عن نفسه.


أشويق لغة جاء من فعل "شَوًّقْ"، ومعناه غنى ولحن بصوت مرتفع يوقظ الغير، وإشويقن: جمع أشويق، تغنى فرديا أو جماعيا بدون آلات موسيقية، اعتمادا على قوة الصوت وجمال الكلمة واللحن، وكذا موهبة المرأة التي تؤديه. ويغنى فرديا عند انشغال المرأة برحي القمح أو الشعير، وعند خض اللبن من أجل الحصول على الزبدة، أو أثناء نسج البُرنس وأغطية السرير، ويؤدى جماعيا خلال جمع الزيتون أو فتل الكسكسي للأعراس.أما عند الرجال ـ على ندرة "تشويقهم" ـ فأثناء الحصاد والدَّرْس وأعمال الزراعة التي تحتاج مجهودا لتحفيز أنفسهم على بذل جهد أكبر. وأشويق يقابله عند العرب شعر الزجل، مع اختلاف بسيط يتمثل في أن العرب يزجلون نساء ورجالا دون اختلاف، في حين أن أشويق اختصاص نساء بامتياز، وحالات "تشويق" الرجال قليلة جدا.


    وقد يكون مناجاة لله واستخلاص لحكمة:


    أَوِين يَدَانْ يِذَاكْ أَرَبِي / يا من يرافق الله


    مَاشِي أَمَلْعَبْذْ أَمْغُلِي / وليس كالعبد البخيل


    مِ ثَدِيضِ يَذَاسَ أكِمَلَكْ / عندما ترافقك يستعبدك


    أَقُولِيكْ أَكِهَلاكْ / ويُمرِض قلبك


    أَذْكْيُوغَالْ ذْ لْعَلّه / ويتحول فيك لعلّة (مرض)


    أَسيذي أَمْحَنْدْ أومَالكْ / سيدي "أمحند أومالك" (أمحند أومالك: على الأرجح ولي صالح صاحب كرامات)


    مَا نْعَنانْ غُورَاكْ / إن نحن بك استعنا


    ثَفُوكْضَاغَ أَقمْشُوم آقِ / أنقذنا من هذا الشرير (الشرير هنا قد يكون الزوج أو الحماة أو الأخ أو الأب والابن ربما)


    وقد يكون نصحا للنفس في قالب موسيقي بقافية وموسيقى، فأشويق لديه قافية وموسيقى كشرط لازم له، وأحيانا حتى لازمة:


    أَيُوليوأَفْهَمْ ثِمْسَالْ / يا قلبي افهم المسائل


    أَخْذَمْ رَبي أَجْ ثِفْوكَالْ / أطع الله واترك المكائد


أُرْسْعَانَاذْ مْضَرِّي / لا تقلد من يضر


رَبِي أُرْيَسْعِي لَمْثَالْ / الله لا مثيل له


أَنْتَا لْجِيهَا أُوْرْيَزْرْي! / أية جهة لم يرها!


ثَبُورثْ مَا يَلْدِيسْ وحْنينْ / الباب إن فتحها الحنّان


أًرْيَزْمِرْ حَدْ أَسْيَغْلَقْ / لن يستطيع أحد غلقها.


    وقد يكون تعبيرا عن عجز وممناعة عن البوح، بما يوجع، فتلجأ المرأة للمواربة والتلميح:


أَيَذْرَارْ بُدْغَاكْ لْهَدْ / يا جبل تمنيت لك الهد


مَنَاغَ أَسَغْلِيضْ سَلْقَدْ / تمنيت أن تغمى عليك وتسقط


أَدْقْرِيضْ أَ قَا سِيفْ نْلَحامة / وينتهي بك الأمر في وادي الحامة


نُوكَانْ أَدَجْكُوغْ أُولِيو! / لو أحكي ما في قلبي!


أَيَمَا أَذَضْسَانْ يَعْذَونِيو / يا أمي سيضحك علي أعدائي


أَذَفَانْ أَفْرِيذْ إثَضْسَا / سيجدون منفذا للضحك (هنا بمعنى الشماتة)


    أما الرجال فيترنمون بإشويقن أثناء الحصاد والدّرس:


أَوِينْ إِوَحْذَانْ رَبِّي / يا من يوحد الله


إوَحْذَيثْ قَفَلاحِن / فليوحده في الفلاحين


كُلْ أَعَرْقُوبْ سَسْنَقِيلْ / كل عرقوب ينقل


غَرْ وَنَّارْ أَثُسْرَوْثَانْ / للبيدر ليدرسونه


كًلْ ثْرْنِي إِتَبْعِيسْ لْكِيلْ / كل كومة ستكال


أَلَربِّي إدِقَارْينْ / ولا يبقى إلا الله


    كان الأشويق دائما مناجاة، للتعبير عن الشجن، وفرصة لانتقاد الحماة الشريرة القاسية، دون أن ينال الكنّة المغلوبة على أمرها، أي عقاب وطريقة للشكوى من الزوج المهمل وطريقة لطرد أطياف الوحدة، ومحاولة لفتح نافذة صغيرة قد تدخل منها بعض أشعة الفرح.


    إشويقن هو الكنز الذي لا ينضب، حيث شكلت كلمات لأغان نالت شهرة عالمية، مثلا المطرب الأمازيغي إدير غنى "سَندو" وهي محاكاة لأشويق تروي فيه المرأة أملها في الحصول على الكثير من الزبدة من خضها للبن، ومنه نهلت مليكة دومران وياسمينة وشريف خدّام لإيصال الطرب الأمازيغي الأصيل لما وراء البحار.


    الأشويق ترانيم الروح، تراث يزداد ثراء وتميزا مع كل صوت نابع من القلب ليصل إلى القلوب، دون الحاجة لفهم الكلمات؛ فلغة الإحساس لا تحتاج إلى ترجمان.