مذبحة شارلي إبدو وفتيل صدام الحضارات

21/02/2015 - 1:21:33

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

آمال فلاح - كاتبة جزائرية مقيمة في باريس

    إذا كانت مذبحة "شارلي إبدو" قد شكلت زلزالا بالنسبة لفرنسا الهادئة، شبيها بزلزال 11 سبتمبر 2001، وما ترتب عليه من تقييد للحريات العمومية وتخفيض للمتطلبات الديمقراطية وسيادة لمنطق الحرب، فما الخطر الذي سوف يمثله هذا المنعطف الجديد في علاقة الغرب بجالياته المسلمة؟ وهل كان من الممكن تفادي الوصول إلى هذه المواجهة العنيفة، التي أشهر السلاح فيها على قيم الديمقراطية وحرية التعبير، في عقر دار فولتير وروسو بعد أن كان العنف والإرهاب مجرد عناوين في نشرات الأخبار؟


    قبل أن تنفجر الأوضاع بهذه الدموية الرهيبة، كان المجتمع المدني الفرنسي منشغلا ـ لأسابيع عدة ـ بنقاش مهول، غذته بشدة وسائل الإعلام، حول كتابين صدر أولهما في خريف 2014 وعنوانه (انتحار فرنسي) لاريك زمور، الصحفي في جريدة لوفيجارو. وتدور فكرة الكتاب حول حتمية انقراض الدولة الفرنسية، وفرضية نشوب حرب أهلية، فالمهاجرون عددهم يتعاظم وسيستبدلون تدريجيا بالسكان الأصليين.


    فكرة استعارها "اريك زمور" من نظرية "الاستبدال الكبير" لصاحبها رونو كامو الذي وصف المسلمين بأنهم "محاربون غزاة هدفهم تدمير الشعب الفرنسي وحضارته واستبدال الإسلام بها". وحقق الكتاب مبيعات خيالية (330 ألف نسخة)، لأنه لعب على وتر الخوف الدفين من الإسلام والمسلمين، وخاصة في المستقبل.


    فما الذي يقوله السيد زمور بالضبط في كتابه؟


    "إن حربا أهلية كامنة في ضواحي باريس والمدن الكبرى سوف تشتعل لا محالة، نظرا لاستحالة التعايش بين ثقافتين مختلفتين وتقاليد متضاربة. إن فرنسا تنتحر ببطء، انتحار يصعب استكشافه مادامت عملية مكافحة العنصرية ـ التي تتواصل منذ ثلاثين عاما ـ قد غطت عليه وسترته. إن الخلاص الوحيد لأبناء المهاجرين، المولودين بفرنسا، يكمن في التماثل مع القيم الثقافية للبلد لا عبر الاندماج وحده".


    الحرب الأهلية المزعومة "والمرتقبة" سببها هذه المرة المهاجرون الذين لا يحتلون، في نهاية الأمر، سوى أسفل درجات السلم الاجتماعي، ولا وزن لهم البتة. لكنها ـ في كتاب آخر ـ تعود للدين الإسلامي الذي أثبت خطورته، لأنه ـ كما يقول اريك زمور ـ "غير قابل للانصهار في الجمهورية".


    الكتاب الثاني رواية حولت فرضيات "اريك زمور" إلى كوابيس، فقد انتشرت في الفضاء الإلكتروني، وتم تحميلها قبل صدورها الرسمي عن دار "فلاماريان". قرصنة لم يكن لدور النشر الفرنسية عهد بها.


    رواية ميشال ويلبيك التي تحمل عنوان "استسلام" صدرت يوم وقوع المذبحة (7 يناير 2015)، وتروي أحداثا خيالية تجري عام 2022، حيث تضطر فيه فرنسا للخضوع "للأمر الواقع" كما تذهب الرواية التي تتخيل تحالفا لكل الأحزاب السياسية الفرنسية مع زعيم حزب "الأخوة الإسلامية"، محمد بن عباس، لمنع اليمين المتطرف، بزعامة مارين لوبين، من الوصول إلى الحكم في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2022، ويصبح محمد بن عباس رئيسا، ويخضع فرنسا للنظام الجديد القاضي بفرض الشريعة الإسلامية، ووضع حد لحرية المعتقد. في المجتمع الجديد؛ تلزم النساء المنازل، وتنخفض معدلات البطالة، كما تخضع أوروبا للأجواء الإسلامية نفسها، من تعدد للزوجات و"أسلمة" للجامعات، فتثير كل هذه التطورات بلبلة لا مثيل لها في المجتمع الغربي وفي حياة البطل.


    قصة رمزية استفزازية بلغ عدد نسخها في الطبعة الأولى 15 ألف نسخة.


    وتحولت الرواية، بفعل الإعلام، إلى حدث سياسي. تكهنات "استباقية" لمشروع سقوط فرنسا وتلاشيها؛ وتحول "ويلبيك" إلى عراف تزرع نبوءاته الذعر في أوساط نخرتها البطالة والليبرالية المتفاقمة: "من الخطأ الجزم بأن الإسلام دين لا عواقب سياسية له (...)؛ فقيام حزب إسلامي في فرنسا بنظري فكرة تطرح نفسها".


     إزاء جو الهلع الذي أثارته الرواية يرد صاحبها بأنه لم يفعل سوى اختزال تطور كان متوقعا. وعلى قرع طبول وسائل الإعلام المختلفة ينذر بحرب أهلية آتية لا محالة. انتشر الخوف من شريحة مهمة في المجتمع الفرنسي بسبب أصولها ومعتقداتها، وغدا الحديث عن "نهاية الغرب" و"الاستبدال العظيم" و"ترحيل الأجانب" و"انقراض الجمهورية" ـ على خلفية اعتناق أعداد كبيرة من الشباب الفرنسي الإسلام ـ خطابا يوميا يؤجج الخوف من هؤلاء الذين يعيشون بين الفرنسيين ولا ينتظرون سوى فرصة الانقضاض عليهم.


    لعبة أيديولوجية يقودها رواد الرأي، للتخويف من حرب أهلية مزعومة، وتأتي المجزرة التي راح ضحيتها صحفيون وشرطة لتعزز صدقيتها، ولتطرح الأسئلة حول سبل الحماية من مثل هذه الجرائم وطرق التصدي لها؛ في ظل فشل الإجابة الأمنية ـ كاقتراح وحيد ـ منذ هجمات 11 سبتمبر.


    منطق الحرب الذي كان أول جواب من بوش على هجمات 2001 هو المنطق الذي بدأ يسود بعض قاعات التحرير الباريسية بعد 7 يناير 2015، وهنا يكمن الخطر في تفاقم التشنج الأمني.


    فمن المستفيد، في نهاية الأمر، من الانفجار الداخلي للمجتمع الفرنسي؟


    ربما نجد الإجابة في التصريح الذي أدلى به، بعد وقوع المجزرة، الرئيس السابق نيكولا ساركوزي (ذلك الذي دمر ليبيا وزرع فيها الفوضى): "لقد تم إعلان الحرب على الحضارة، وعليها الدفاع عن نفسها".


    فهل هناك نية مسبقة في تهيئة الرأي العام، لكي يسهل إقناعه بأن الغرب أصبح في حرب معلنة ضد كل من يحاول تدمير "الحضارة" التي يمثلها؟ وهكذا يسهل تعبئة قواه العسكرية لإرسالها إلى أي ركن من العالم بزعم منع أي تهديد ـ حقيقي أو وهمي ـ من هذا النوع.