يحاصرهم الحنين لعشرة السنين .. قلوب.. تحت الإقامة الجبرية

19/02/2015 - 9:32:12

عمرو الليثى و نادية الكاتب يتوسطان مجموعة من نزلاء الدار عمرو الليثى و نادية الكاتب يتوسطان مجموعة من نزلاء الدار

كتبت - منار السيد

رغم قسوة ظروفهم وصعوبة معاناتهم لا تفارق البسمة شفاههم ولا تتسرب نيران الجحود  إلى قلوبهم  ولا يذكرون إهمال أبنائهم لهم إلا بدعوات التوفيق ونظرات التسامح وحرموا على السنتهم كلمات الانتقاد الجارح ولا يشغلهم إلا الإحساس بأنهم عبء على أحد.


شققنا مساحات من الزمن فى ذاكرتهم عندما استقبلونا لنهديهم تهانينا بأعياد الحب وفتحنا أرشيف الحياة ورحلة العمر والذكريات لنؤكد لهم أنه ما زال للحب مكان وللوفاء طريق مهما تكاثرت العقبات وعلت السدود والحواجز.


ومع نزلاء دار الهنا للمسنين استقرت "عطاء" مبادرة حواء  لنجدد معا العهد بتعظيم المحبة فى حياتنا وأنه مهما كانت المصاعب كبيرة فالحب أكبر. 


استقبلتنا "ماما عصمت" وشعرنا فى وجهها  بحب الحياة وقسوتها فى الوقت ذاته حدثتنا عن سبب  تواجدها فى الدار تقول: "الوحدة قتلتنى" ولم أستطع تحمل أن أعيش وحيدة خاصة بعد زواج أبنائى الثلاثة ويشاء القدر أن تتوفى ابنتى فى عمر الثلاثين بعد مرضها ويلحقها بسنوات قليلة أخوها الأصغر ما دفعنى للبحث عن مكان يراعنى فيه آخرون خاصة أن ابنى الصغير منشغل بعمله وبحياته لذلك تركت كل شيء ورحلت ولا أحتاج سوى سماع الكلمة الطيبة وكلمة "ماما" على لسان كل من يدخل غرفتى.


وفى الغرفة المقابلة لها كانت غرفة محمد الشرقاوى ودموعه تسبقه وعندما سألته عن دوافعها اخبرنى بأن ابنه أحضره للدار ولم يسأل عنه ولا يزوره وكل ما يفعله فقط التكفل بمصاريف رعايته لذلك لا يتوقف ليلا ونهارا عن البكاء فكل ما يريده هو رؤية ابنه.


حب العمر


ووسط قسوة ما رأيناه قابلتنا من زرعت فينا الأمل بأن الوفاء مازال قائما حيث التقينا د. راوية وهى ليست إحدى نزيلات الدار بل ترافق زوجها المسن المريض د. سيد تقول: زوجى مرض منذ أمد طويل وبقيت لسبع  سنوات أرعاه رعاية متكاملة حيث كنا نعيش بمفردنا بعد زواج أبنائنا، وبعد أن اشتد مرضه عجزت عن رعايته بمفردى ولم أرد أن أثقل على أبنائى، فقررت أن نسكن الدار بحثا عن الرعاية الصحية ولأجد من يساندنى على الاهتمام به، لأنه زوجى وحبيب عمرى ووالد أبنائى ولن أتركه مطلقا وسأظل فى خدمته حتى آخر العمر.


وبلهجة الأب الحنون يقول المستشار وحيد الذى حدثنا عن حبه العميق لبناته: تعرضت لحادث سيارة تسبب لى بجلطة دماغية أصبت على إثرها بعجز فى يدى ورجلى اليمنى، وزوجتى متوفاة وأبنائى جميعهم متزوجون لذلك حضرت  للدار لأحصل على الرعاية الصحية وأبقى أنتظر زيارة أبنائى بين الحين والآخر، وأشعر أننى أديت واجبى تجاه بناتى وكل ما أريده منهن أن أراهن موفقات فى حياتهن.


دفء وحنان


ومع "الحاجة سعاد أنور" من طنطا تشعر بدفء وحنان كبيرين تقول: تعرضت لإصابة تحتاج لرعاية صحية ولأننى أعيش بمفردى بعد زواج ابنى وابنتى قررت أن أقضى بقية عمرى فى هدوء هربا من قسوة الحياة والوحدة.


المرأة بلا أبناء أخف وطأة من مشاعر أم هجرها أبناؤها.. هكذا تلخص الحاجة ضحى سبب وجودها فى دار للمسنين تقول: الحمد لله على كل حال فأنا أرملة ولم يكرمنى الله بنعمة الأولاد، لذلك بعد وفاة زوجى خفت أن أموت وحيدة فى المنزل لذلك قررت أن أبحث عن أهل ورفقة فى آخر أيامى.


الرعاية


ويشكر "المهندس محمد سامح" ربه على حاله فهو أب مخلص لأبنائه وعمل على تأدية رسالته على أكمل وجه لآخر يوم فى عمره حيث يقول: الحمد لله أتممت رسالتى كاملة مع ابنى وابنتى حتى وصلوا الآن إلى مراكز مرموقة فى المجتمع، وأدعو الله أن يطمئننى على ابنتى الصغيرة حيث أخاف أن أتركها فى الحياة وحيدة وهى سبب من دفعنى للمجيء للدار لأنها لديها إعاقة ولا أستطيع التكفل برعايتها لكبر سنى.


الرفقة


ولم تجد الحاجة سوسن من يؤنس رحلة حياتها لذلك حضرت إلى الدار منذ 5 سنوات تقول: انشغلت بحياتى العملية ولم أتزوج وبعد المعاش شعرت أن الحياة سرقت منى الكثير ووجدت نفسى أعيش بمفردى فى منزل كبير وإذا سأل أحد عنى يوم لن يسأل فى اليوم التالي, وكذلك حال "الحاج فخرى" الذى توفيت زوجته منذ 9 سنوات ولم يشأ الله أن يكون لديه أبناء.


ولم نغادر دون الجلوس مع "ماما تهاني" تلك السيدة التى مكثت 17 سنة فى الدار ومازالت تشعر بحب الحياة وجمال الأيام لأن ذلك كان قرارها بأن تنسحب من حياة أبنائها وختمت كلامها قائلة: الحب هو التضحية وربنا يعين أولادنا على اللى هما فيه.