من فتيات العتبة والمعادي وميدان التحرير : نحن لا نزرع التحرّش

24/06/2014 - 12:30:20

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير: رانيا سالم - إيمان كامل - نيرمين جمال- راندا طارق

كان يوم الخميس، الموافق لـ 18 مارس 1992 في شهر رمضان، لو تذكرون. ميدان العتبة العتيق، يضج بالزحام، وبالقرب منه قسم الموسكي، وموقف الأتوبيس الشهير. الحر شديد، وكل ينتظر العودة إلي بيته. وسط هذا المشهد، تقف فتاة إلي جوار والدتها، وشقيقتها، داخل الموقف. الأمر عادي، ويتكرر كل يوم، لكن إذا لم يكن هناك ذئب بشري، شباب، قصير القامة، يغازل الفتاة، بفجاجة. وصل الأتوبيس، والحمد لله. أسرعت الأم، وركبت، وكذا شقيقتها. هنا تبدأ الدراما. لقد ركبت الابنة متأخرة، في الجانب الخلفي للأتوبيس، المزدحم بالركاب. تبحث الفتاة عن أمها وشقيقتها، كانت لحظة مناسبة للمتحرش، ومأساوية للفتاة، التي أُعتدي عليها بسرعة البرق. فض الذئب الأول، غشاء بكارتها، برفقة ثلاثة ركاب آخرين، علي مرأي ومسمع من الركاب.


هذه هي قصة فتاة العتبة، التي أحزنت الرأي العام، وأدمت الأفئدة وقتها. نسيناها، ونسينا قضية فتاة المعادي التي اغتصبها أربعة رجال. نسينا كل هذا في خضم تفاصيل الحياة الساحقة. لكن هل نسينا فعلا؟. علي مايبدو أننا نتناسي من هول المشاهد التي لا يصدقها عقل. فشبح التحرش الجماعي، والعلني، يلقي بظلاله، والجرائم كثيرة وخطيرة. فهاهي، قضية التحرش بفتاة التحرير، تذكرنا فورًا بحادثة فتاتي العتبة والمعادي. هاهم ذئاب، من نفس الفصيلة، يتحرشون بفتاة، ويهتكون عرضها، ويغتصبونها، ويحرقون جسدها بالماء الساخن، وبقايا السجائر، في ميدان التحرير، وفي ليلة تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي.


الموضوع خطير، ومليء بالأشواك. الرئيس السيسي، زار فتاة التحرير، والجناة تم القبض عليهم. الرئيس طالب بتطبيق القانون، وهذه رسالة بأن الدولة ستواجه التحرش بكل حسم. نعم. فالرأي العام غاضب، ويطالب بإعدام الذئاب. الأغلبية قالت " لو كنا مكان ضابط التحرير، لقتلناهم بالرصاص". لكن هل يقلل هذا من وطأة الظاهرة؟. في الغالب، لا. فكل يوم هناك حفلات تحرش جماعي، تفاجئنا بها وسائل الإعلام، ونقابلها شخصيا في الشوارع ووسائل المواصلات، وما أدراك طبعًا بالأعياد.


التوعية بالظاهرة مهمة. فقبل سنوات، أنتجت وزارة السياحة، إعلانا تليفزيونيا، يظهر، بائعًا يتحرش بسائحة أجنبية، ويظهر في المشهد نفس البائع، مقيدًا بالحديد، وصوت ضخم رزين يقول :" مش إنت اللي هتخسر. كلنا هنخسر. السياحة خير لينا كلنا". المشهد التليفزيوني، سخيف، لأن الأمر يختصر المسألة، في حركة البيع والشراء. المسألة بذاتها جريمة إنسانية. بعيدًا عن تقييم الإعلان التوعوي، خرج علينا الفنان خالد النبوي، في إعلان، يقول فيه " مصر محدش يتحرش بيها". لاقي الإعلانان رواجا لأيام، واختفيا، وتصاعدت الظاهرة. الموضوع مُعقد. البعض يقول إن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، هي الدافع لجرائم التحرش، والفقراء يعترضون :" الفقر ليس عيبًا ولا مبررا للجريمة". البعض يرمي الأمر علي غياب الوازع الديني، فيرد كثيرون بأن المساجد والكنائس، ملأي بالعُبّاد.


وحتي لو تطرقنا إلي حالة الانفلات الأمني، وغياب القانون، فهناك من يرد بأن تغليظ العقوبة علي تعاطي وتجارة المخدرات، لم يمنع رواجها في مصر أو العالم. نلف في دائرة مغلقة، علي ما يبدو، فلا شيء يبرر لهؤلاء المتحرشين، أن يهجموا علي ضحاباهم، بهذا السلوك الوحشي، كأنهم أكلة لحوم بشر.


يظل الباب دائمًا مفتوحًا لجدل التحرش، طالما بقينا من أبرز دول العالم في الظاهرة الخطيرة، وفقًا لتقارير دولية أخيرة. يبقي الباب مفتوحًا لكل جهد يقلل من هذه الجرائم، سواء كان القانون، أو إصلاح أحوال الاقتصاد والسياسة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، أو التوعية من جانب منظمات المجتمع المدني، أو إصلاح المناهج والعقول، وأنماط التربية، التي تنظر إلي المرأة بدونية، وتعتبرها "عورة"، ورجس من عمل الشيطان.


حقًا، لا يمكن السكوت علي ظاهرة التحرش، التي تجعل العالم يقف مندهشًا، من شعب، أدهشه بثورتين، قامتا، علي أكتاف، تاء تأنيث، صارت مخنوقة. تاء تأنيث يقول لسان حالها :"نحن لا نزرع التحرش".


في البداية، تتصدي منظمات المجتمع المدني لظاهرة التحرش منذ بداية الألفية، لكنها تري أن ما يطرح من حوادث خلال الفترة الماضية ليس تحرشا، و إنما أسلوباً ممنهجا للعنف ضد المرأة، مؤكدة أن مسؤولية المجتمع المدني التي تصدت باكراً لقضية التحرش ليس كافية لمواجهته ، وأن علي كافة الأطراف دولة بشقيها التشريعي وأجهزتها الأمنية والمواطنين إلي جانب المؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني أن يتصدوا جميعاً للقضاء علي هذه الآفة.


الأمر لا يتوقف علي منظمات المجتمع المدني كما يقول سعيد عبد الحافظ مدير مؤسسة الحوار للمشاركة المجتمعية، فالقضية لها أبعادها المتعددة، منها القانوني والثقافي و الاجتماعي، لكن يبقي الجزء الأهم و هو الجزء المجتمعي الخاص بتوعية الأجيال الجديدة والقوي الشبابية بأهمية احترام وتقدير المرأة، باعتبارها كائن بشري.


وطرح عبد الحافظ رؤية لعمل المجتمع المدني لمواجهة العنف ضد المرأة، مبيناً أن منظمات المجتمع المدني بتنوع أنشطتها والجمهور المستهدف لها يمكنها أن تخصص برنامج لمدة عاماً كاملاً خاص بتوعية جمهورها بالظاهرة وأسبابه وكيفية القضاء عليها، و في حالة توجه كل منظمة أو جمعية للعمل مع ألف فرد وإذا اشتراك 50 منظمة أو جمعية، سيكون لدينا 50 ألف مواطن تم إخضاعهم لبرنامج توعية عن ظاهرة العنف ضد المرأة ومنها قضية التحرش علي ان تراعي هذه المنظمات الخطأ التي وقعت فيها المنظمات الحقوقية النسائية في حملتها السابقة للقضاء علي التحرش مشيراً إلي أن الخطأ الذي أظهرته التجربة يتمثل في صب كامل غضبها علي الرجل، و كأنها "معركة مع الرجال "، دون أن تلتفت إلي التعامل مع أسباب الظاهرة و أطرافها وآليات مواجهتها، و أن هذا الأسلوب سيتسبب في انقسام المجتمع إلي نصفين.


مضيفاً أن القضية يلزمها آلية لتطبيق قانون التحرش، إلي جانب دور المؤسسات الدينية والتعليمية والمجتمع المدني لنشر ثقافة وقف هذا السلوك من جانب، و كيفية التصدي لها، وهنا يلزم علي هذه المؤسسات التأصيل للمشكلة و ألا تتعامل معها بشكل سطحي كما أشيع في الفترات الماضية بان أسبابها الكبت والمجتمع المغلق، لان تكرار الحوادث بهذه الوحشية أثبتت أن ما يردد من هذه التبريرات غير صحيح.


مؤسسات المجتمع المدني علي اختلاف أنشتطها قدمت برامج توعية خاصة بقضية التحرش كما بين ماجد سرور مدير مؤسسة عالم واحد، رغم وجود مؤسسات حقوقية نسائية خاصة بمواجهة العنف ضد المرأة وإعادة تأهيل ضحايا التحرش.


مشيراً إلي المجتمع المدني منذ 2007 و هو يعمل جاداً حول هذه الظاهرة مطالباً بوجود قانون رادع لكل مرتكبي التحرش، ولكن الإعلام والدولة لم تنتبه لهم ، إلا مع تفاقم الظاهرة وتحولها إلي عنف يستهدف كيان المرأة المصرية.


"لا للتحرش "،"امسك تحرش"، و غيرها من الحملات التي أطلقتها منظمات المجتمع المدني وخاصة وقت الأعياد والمناسبات كما بين سرور، شكلت مجموعات انتشار سريع عملت علي رصد حالات التحرش و التقدم ببلاغات ضد منفذيها، لافتة إلي أن منظمات المجتمع المدني قامت بدورها، لكن يبقي دور الدولة في تفعيل قانون التحرش لتكون آلية رادعة تعمل مع حملات التوعية علي للقضاء عليها تدريجيا، فلم يعد مقبول حالات تحرش الأطفال ضد السائحات، لأن مثل هذا السلوك الذي يظهره الطفل يحوله إلي مراهق وشاب يمارس ليس فقط تحرش ولكن عنف جسدي ضد المرأ..


الخبراء لهم رأي، فالدكتور عاصم كمال، طبيب نفسي، يرجع التحرش إلي عده أسباب أهمها تدهور الظروف الاقتصادية وعدم القدرة الشباب علي تكاليف الزواج مما يدفعه ممارسة هذا السلوك فضلا عن بعض الظروف الاجتماعية منها التفكك الأسري والمجتمعي، مشيرا إلي أن للتحرش آثار سلبية خطيرة علي المرآه تتمثل في شعورها والاكتئاب وفقدانها الثقة والشعور بالدونية.


وأوضح كمال أن أساتذة علم النفس يقسم المتحرشين لنوعين شخص منطوي جبان لم يتسني له الزواج ينتهز فرصة الزحام ليتحرش بالفتيات، والأخر شخص لا يخشي العقوبات الجنائية ، يعاني الكبت الجنسي ولا يرتبط ذلك بكونه متزوجا.


وطالبت الدكتورة إيناس محمد أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلون بإيجاد فرص عمل للشباب والقضاء علي استفحال ظاهرة البطالة حتي يتم الاستفادة من طاقتهم لخدمة المجتمع من خلال وأكدت علي ان تغليظ العقوبات علي المتحرشين لم يقضي علي تلك الظاهرة باعتبار انهم يكون بعضهم تحت تأثير المخدرات فلم يخشي حينئذ القانون.


واشار عبد الصبور بيومي استاذ الشريعة إلي أن أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالحفاظ علي الأعراض تحرم الفاحشة بكافة صورها بل وتعمل و تقطع الطرق المؤدية لها.


وناشد عبد الصبور بيومي الأسر بالاهتمام في رعاية الأبناء وتوجيههم ومراقبتهم كما طالب باعتبار هذه الجريمة في قوانين العقوبات واعتبارها من الجرائم المخلة بالشرف.


وطالبات إلي موظفات وأساتذة جامعات وربات بيوت وريفيات أكدن جميعاً علي ازدياد انتشار ظاهرة التحرش سواء لفظياً أو جنسياً بل وصلت المعاناة إلي اضطهاد لعدم الاستجابة للمتحرش وذلك حسب الدراسة التي أجراها المجلس القومي للمرأة عام 2013 تحت شعار «نحو حياة آمنة للمرأة المصرية» وشملت 500 عنيفة من كل محافظة وعن التحرش الجسدي فكان السبق للمحافظات الحضرية بنسبة 33.7% وجاءت في المركز الثاني «32%» ثم إقليم الدلتا 31% وأخيراً الصعيد 30.4% أما فيما يتعلق بالتحرش اللفظي فجاءت في المقدمة المحافظات الحدودية «52.2%» تعقبها مباشرة المحافظات الحضرية ومحافظات الوجه القبلي بفارق لا يكاد يذكر «51.7% ، 51.3%» وفي المركز الأخير محافظات الدلتا، وفي محافظة القاهرة كانت نسب التحرش الجسدي 35% في العمل و26% في المدارس و22% في المكاتب الحكومية.


السفيرة ميرفت التلاوي أكدت علي ضرورة تكاتف جميع أجهزة الدولة المعنية للتصدي لظاهرة التحرش التي تفشت في الشارع المصري في الآونة الأخيرة، وأضافت أن المشكلة الأساسية التي يواجهها الشعب المصري حالياً وكانت أحد أسباب قيام الثورة من أن الدولة علي مدار عقود طويلة لم تعط اهتماماً كافياً للتنمية البشرية والمجتمعية إلي جانب انتشار العشوائيات في مصر والتي يوجد بها أكثر من 17 مليون شخص لا يتم تقديم أي خدمات لهم مما تسبب في خلق أجيال غير أسوياء وساعد علي انتشار الجرائم والانتهاكات المختلفة ولا سيما ضرورة تغيير الخطاب الديني في المساجد والكنائس وإعطاء الداخلية إمكانيات أكثر للردع والمراقبة والتواجد الفعلي داخل الشارع المصري.


ومن جانبها طالبت الدكتورة عزة كامل مدير مؤسسة «أكت» بضرورة تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة من وراء هؤلاء الأشخاص وإعادة تعريف كلمة التحرش بمعني أعم وأشمل ويشارك المجلس حالياً في الاجتماعات التي يعقدها مجلس الوزراء ضمن فعاليات اللجنة الوزارية التي وجه السيد رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي إلي تشكيلها لبحث حلول عملية للتصدي للتحرش وقد أظهرت آخر دراسات المؤسسات النسائية في مصر عن ظاهرة التحرش أنه يتسم بأربع مواصفات غريبة قد لا توجد في أي بلد آخر أولها أن التحرش يكون جماعياً ثانياً اتمام علمية التحرش في وضح النهار في الميادين العامة ثالثاً أن عمليات التحرش تصل إلي الاعتداء علي المحجبات والمنتقبات ومن جانبها قالت هدي بدران رئيس اتحاد النساء العربي إنه لابد من وجود جهة تتابع تنفيذ القانون حتي لا يكون حبراً علي ورق حتي تكون العقوبة رادع جيد وخاصة أن قضية التحرش أصبحت أمراً خارجاً عن الحد لا يمكن السيطرة عليها وخاصة بعد ظهور حالات التحرش في الجامعات والمدارس ولكن يجب الانتباه إلي أن القانون وحده غير كاف ويجب أن تكون هناك أساليب أخري للحد من هذه الظاهرة وخاصة في محطات المترو والأتوبيسات والأماكن السياحية.


وعلي صعيد متصل تعكف وزارة العدل حالياً برئاسة المستشار نير عثمان وزير العدل علي إصدار تشريع جديد لمناهضة التحرش بالمرأة خاصة بعد حادث فتاة التحرير.


وعلي قدم وساق لم تمر هذه الوقائع والتحقيق فيها من علي مكتب النائب العام المستشار هشام بركات مرور الكرام والذي بدأ التحقيق فيها منذ أول لحظة وقوعها ولم تمر إلا ساعات قليلة علي الحادث وقد تم إلقاء القبض علي بعض المتهمين المتورطين فيه وبعد أيام قليلة بعد التحقيق بشكل متواصل ليلاً نهاراً أمر النائب العام بإحالة ثلاثة عشر ذئباً بشرياً من هاتكي أعراض السيدات والفتيات بميدان التحرير للمحاكمة الجنائية.


حيث كشف المستشار هشام بركات في بيان له ما أسفرت عنه تحقيقات النيابة العامة في تلك الجرائم المشينة التي أرقت المجتمع حيث كلف فريق من النيابة العامة للتحقيق فيها حيث استمع فريق النيابة إلي اثنين وخمسين شاهداً بخلاف خبراء الطب الشرعي والأدلة الجنائية والجهات الأمنية.


كما توصلت إلي حقائق مذهلة وصفت مدي التدني الأخلاقي الذي أشم به الجناة أثناء ارتكابهم جرائم ترويع المواطنين وهتك أعراض النساء مستغلين الزحام الذي صادف الاحتفالات العارمة بما أسفرت عنه نتائج الاستحقاقات السياسية التي شهدتها البلاد كي يفسدوا علي المواطنين فرحتهم وأن المتهمين عناصر إجرامية اعتادوا ارتياد ميدان التحرير أوقات الاحتفالات للتحرش بالنساء وسط الزحام وهتك أعراضهن بالقوة وسرقتهن بالإكراه.