العراق علي أعتاب الحرب الاهليه والتقسيم

24/06/2014 - 11:54:43

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير: إيمان رجب

يمر العراق هذه الأيام بواحدة من أخطر المراحل فى تاريخه الحديث، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق فالتطورات السريعة على الأرض سواء استيلاء داعش على عدد من المدن وأهمها الموصل والفالوجة وسيطرة الأكراد على مدينة كركوك، كل ذلك يطرح عدداً من السيناريوهات للأيام المقبلة تتراوح بين السيئ والأسوأ أو بين الحرب الأهلية والتقسيم.


وبعد أن نجحت ميليشيات داعش فى السيطرة على عدة مناطق شمال وشرق البلاد وتهديدها بالهجوم على العاصمة بغداد بدأت القوات العراقية فى جمع صفوفها مرة أخرى وإعادة انتشارها خارج مدينة سامراء التى يحاول مقاتلو داعش اقتحامها من الشمال والتى تبعد مائة كيلو متر فقط عن العاصمة بغداد كما دعا رئيس الوزراء نورى المالكى المواطنين إلى التطوع لحمل السلاح والدفاع عن بلادهم وتؤكد التقارير انضمام الآلاف إلى ميليشيات شيعية قد تؤدى دوراً هاماً فى الدفاع عن العاصمة، ومن ناحية أخرى اتخذت الحكومة العراقية تدابير لحجب وسائل التواصل الاجتماعى أو الحد من انتشارها وسط مخاوف من استخدام تنظيم داعش لها لتجنيد الشباب العراقى إضافة إلى بث الخوف فى نفوس الشعب.


وتواصلت المواجهات فى أنحاء مختلفة من العراق بين المسلحين والقوات العراقية، وصدرت عن الجانبين تصريحات بتحقيق مكاسب على الأرض وسط تأكيدات حكومية بالاستعداد لشن هجمات مضادة لاستعادة المناطق التى يسيطر عليها المسلحون فى الأيام الأخيرة وذلك بعد أن وصلت تعزيزات كبيرة من الجيش والشرطة الاتحادية إلى مدينة سامراء أثناء زيارة رئيس الوزراء إلى المدينة.


وجاءت هذه الزيارة بعد وقت قصير من دعوة المرجعية الشيعية للعراقيين لحمل السلاح ومقاتلة التنظيمات المسلحة وحماية الأماكن الدينية، ومنح مجلس الوزراء صلاحيات غير محدودة للتحرك ضد التنظيمات المسلحة وهى صلاحيات كان سيحصل عليها لو نجح البرلمان فى التصويت على طلب إعلان حالة الطوراىء وكان انهيار الجيش العراقى الذى تلقى تدريباً أمريكياً أمام الهجوم الذى شنه أمام مقاتلى داعش بمثابة ضوء أحمر للتحذير من الموقف الذى يواجهه حكام العراق، ووفقاً للاحصائيات الرسمية يعد الجيش العراقى من الجيوش الكبيرة، إذ يبلغ قوامه 190 ألف جندى بالإضافة إلى 500 ألف من قوات الشرطة، إلا أن امكاناته الجوية ماتزال محدودة للغاية، ومن حيث العدد فإن قوات داعش تعد أقل بكثير من أعداد القوات التى يمكن للحكومة العراقية ارسالها للميدان لمواجهتها إلا أنه من حيث الكفاءة القتالية فإن قوات داعش تبدو أكثر كفاءة من كونها مجرد جماعة منبثقة عن تنظيم القاعدة وقد كان من المتوقع أن تبلى وحدات القوات المسلحة العراقية بلاء حسناً فى القتال إلا أن عدداً من هذه الوحدات ألقت السلاح وخلع أفرادها الزى العسكرى ولاذوا بالفرار.


ولاشك أن الانهيار السريع الذى أصاب وحدات الجيش العراقى له علاقة بعنصر المفاجأة فى تحرك ميليشيات داعش القوى والسريع إلا أن هناك عوامل أخرى هامة أدت إلي ذلك مثل المعدات العسكرية والتنظيم، ولكن أغلب الأسباب قد تكون فى معظمها سياسية.


ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية عملت على تفكيك الجيش العراقى بعد إزاحة صدام حسين من السلطة عام 2003 على أن يتم تأسيس جيش يحمل سمات الجيوش الغربية من حيث المعدات والعقيدة والسلوك. وأدى انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 إلى توقف جميع أنشطة إشراف الأمريكيين وتدريبهم للوحدات العراقية، وقد تكون الولايات المتحدة قد ادركت فى وقت متأخر أنه من الخطأ أن يقوم تأسيس جيش على الطراز الغربى وطرق مختلفة للدعم اللوجيستى وربما كان من الأحرى بالولايات المتحدة أن تتبع اسلوب السعى إلى الجمع بين عنصرى القوات المسلحة الحديثة والتقاليد والعناصر الثقافية المألوفة لدى القوات العراقية، وكان تأسيس وتجهيز الجيش العراقى الجديد فى المقام الأول لتحقيق أهداف تتعلق بتلبية التزامات الأمن الداخلى على نطاق واسع وكان من المفترض أن يكون الدفاع عن الحدود مسئولية القوات الأمريكية ولذلك لم تكن أمور مثل تطور سلاح الجو وإنشاء شبكة دفاع جوى محكمة من الأولويات الأساسية للولايات المتحدة أثناء تأسيس الجيش العراقى.


ومن ناحية أخرى كانت الحكومة العراقية ذات الغالبية الشيعية بقيادة رئيس الوزراء نورى المالكى تتعمد تقليل أى دعم لشراكة إستراتيجية فعالة مع واشنطن وعلى الرغم من أنها كانت ترغب فى شراء السلاح الأمريكى إلا أنها كانت فى نفس الوقت تقصد وجهات أخرى لشراء السلاح مثل روسيا وبلغاريا ودول أخرى كما رفضت حكومة المالكى توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة كما رفضت توقيع اتفاقية يقوم بمقتضاها الجانب الأمريكى بتدريب الجيش العراقى وذلك بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011، وقد سعى المالكى إلى تمكين المقربين منه فى المناصب القيادية حتى أصبحت معايير الاختيار لها تقوم على أساس طائفى أو قبلى لدرجة أن البعض الآن ينظر إلى الجيش العراقى بوصفه قوة عسكرية طائفية تستغلها حكومة المالكى فى تحقيق أهدافها، كل هذه العوامل أدت إلى فشل الحكومة العراقية التى تسيطر عليها أغلبية شيعية فى بناء جيش وطنى حقيقى.


أما تنظيم داعش فقد أعلن نفسه رسمياً عام 2013 وخرج من عباءة تنظيم القاعدة فى العراق ثم تنصل منه وأصبح واحداً من الجماعات الجهادية الرئيسية التى تقاتل القوات الحكومية فى سوريا، كما حقق مكاسب على الأرض فى العراق.


وليس معلوماً حجم هذا التنظيم حيث يقدر بعض المراقبين عدد مقاتليه الأساسيين بأنه كان لايزيد على ألفين وانضم إليه عناصر من السنة فى الجيش العراقى الذين شعروا بضياع حقوقهم ويعتقد بيتر نيومان من جامعة كينجز كولدج لندن أن نحو 80% من المقاتلين الغربيين فى سوريا انضموا إلى التنظيم وبعد هجوم داعش على سجن أبو غريب والموصل وتحريرهم للمساجين انضم الكثير منهم لهذه الميليشيات مما ضاعف عددها وزاد عن قوتها. ويمتلك التنظيم العديد من الدبابات والصواريخ وسيارات الدفع الرباعى والأسلحة التى حصل عليها من خلال العمليات التى قام بها ضد الجيش السورى والعراقى.


والتنظيم لديه مقاتلون من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والعالم العربي والقوقاز ودول أخرى.


ويعتبر التنظيم مسئولاً عن نحو 75% من أعمال العنف التى وقعت على أرض العراق فى الآونة الأخيرة، كما يشتهر التنظيم بالعنف والقسوة المبالغ فيها لدرجة أن أيمن الظواهرى انتقد ممارسات التنظيم وخاصة فيما يتعلق بقطع رءوس معارضيه وتصوير هذه المشاهد وإذاعتها، واعتبر الظواهرى هذه التصرفات مسيئة لتنظيم القاعدة.


وقد استفاد التنظيم من تنامى التوتر بين الأقلية السنية والحكومة التى يقودها الشيعة من خلال السيطرة على مدينة الفالوجة ذات الأغلبية السنية، إلا أن سقوط الموصل فى الأسبوع الماضى فى قبضة التنظيم كان بمثابة صدمة للعالم أجمع ويقود التنظيم أبو بكر البغدادى وهو من مواليد سامراء عام 1971 وانضم إلى المعارضة المسلحة بعد وقت قصير من الغزو الذى قادته الولايات المتحدة عام 2003 وهو يعتبر قائداً ميدانياً وخبيراً تكتيكياً، ونجح فى جعل التنظيم أكثر جذباً بالشباب الجهاديين مقارنة بتنظيم القاعدة الذى يتزعمه أيمن الظواهرى، ويسعى البغدادى إلى الاندماج مع جماعة جبهة النصرة، إلا أنها رفضت تلك الصفقة، ويكره التنظيم أن يطلق عليه اسم داعش وهو الأحرف الأولى «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» بل وهدد قادته بتوقيع عقوبة على من يستخدم هذا الاسم.


وأثار الوضع المتدهور فى العراق ردود فعل دولية شديدة على رأسها إعلان الرئيس الأمريكى باراك أوباما أن حكومته تدرس جميع الاختيارات بما فيها التدخل العسكرى لمواجهة المتشددين فى العراق وأضاف انه من مصلحة الولايات المتحدة ألا يكون للجهاديين موطئ قدم فى العراق، وأمر وزير الدفاع الأمريكى تشاك هيجل بتحرك حاملة طائرات نحو الخليج فى ظل التطورات فى العراق، كما ندد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشيراً إلى أن الوضع الإنسانى حول الموصل فى حرج وفى ترد مستمر.


وعلق تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى السابق على الوضع الحالى أن العنف الذى يشهده العراق أمر متوقع وجاء نتيجة لتقاعس الغرب فى حل الأزمة السورية، وأكد أن أينما ينشط المسلحون المتشددون يجب الرد عليهم بكل حسم وقوة، ولكنه استدرك قائلاً: «لايعنى ذلك وجود قوات أجنبية فى العراق».


ومن ناحية أخرى أعلنت إيران أنها على أهبة الاستعداد لمساعدة الحكومة العراقية فى محاربة مسلحى التنظيم فى إطار القانون الدولى، بالرغم من أن بغداد لم تطلب هذه المساعدة.