عودة الشراكة الاستراتيجية بين مصر وسوريا

16/02/2015 - 9:48:36

زيارة بوتين لمصر زيارة بوتين لمصر

كتب - د.حسين الشافعى

منذ آخر زيارة للرئيس الروسى دميترى ميدفيديف لمصر فى يونيه 2009، لم تحظ زيارة لرئيس روسى لمصر باهتمام مثلما حظت زيارة فلاديمير بوتين هذه. فعلى مدى أشهر عديدة لم يكن ليمر أسبوع أو نحوه إلا بخبر عن موعد لهذه الزيارة، واجتهادات بجداول المباحثات، وجارت الأوساط الدبلوماسية - هنا وهناك - اهتمامات الرأى العام المصرى بضرورة وأهمية هذه الزيارة، فكانت تخرج تصريحات رسمية بقرب موعدها، حتى حان وقتها.


لماذا كان هذا الاهتمام الإعلامى بهذه الزيارة، وهل هناك على أجندتها ما يمكن أن يبرر كل هذا الصخب حولها..؟ هذا هو سؤالنا.. الذى سنحاول تقديم إجابة عليه.


بداية.. أستطيع أن أؤكد أن روسيا الرسمية كانت قد تحفظت فى ردود أفعالها عقب ثورة 25 يناير 2011، ولم تنجرف لبيانات تعارض.. أو تؤيد ما حدث، حيث يرى العديد من الخبراء والمحللين الروس أن أحداث 25 يناير 2011 - وما تلاها - لم تكن بمنأى عن تدخلات قوى دولية، ساهمت بشكل - أو بآخر - فى أن تتطور أحداث يناير لتنتهى بفوضى «خلاقة» انتزع فيها التيار المتدين «الإرهابى» مقاليد الحكم.


كان حكما للمحكمة الروسية العليا قد حسم موقف روسيا من جماعة الإخوان المسلمين، وصنفها منذ 2003 كجماعة إرهابية ضمن إحدى عشرة جماعة تتخذ الإسلام ستاراً - نتيجة ما ارتكبته أذرع هذه الجماعة من جرائم داخل روسيا الاتحادية.


رغم ذلك.. استقبلت روسيا الخائن محمد مرسى بعد أن اعتلى كرسى الرئاسة من منطلق أن مصر دولة كبيرة.. وأكبر حتى من أى شخص يمثلها، حتى لو كان كمرسى.


لكن الموقف الروسى بعد 30 يونيه 2013 لم يكن كالسابق، إذ سارع الروس إلى إعلان موقفهم المبدئى من دعم الإرادة الشعبية التى ثارت على نظام الإرهاب الإخوانى، وطالبت موسكو بعودة الإدارة المصرية إلى من يؤتمن عليها، فاستقبل بوتين السيسى وزيراً للدفاع مرة - لم يخف فيها تمنياته له بالتوفيق كمرشح رئاسى - ثم استقبله مرة أخرى كرئيس منتخب، بإجماع، للدولة المصرية.


الملفات التى جرى العمل فى الأسابيع الماضية على إعدادها لمناقشتها خلال هذه الزيارة كانت عديدة، ومهمة، وملف التعاون العسكرى الروسى المصرى لاشك يمثل أحد الأولويات لمصر، فقد جرى التنسيق وبدعم عربى كريم تمويل صفقات لاقتناء مصر منظومات دفاعية جديدة تسمح للبلاد أن تحمى كل حدودها من أية أخطار محتملة.


الأيام الأخيرة قبل الزيارة كانت شهدت اجتماعات اللجنة المشتركة للتعاون الفنى - العسكرى بين البلدين بالقاهرة، وهى الاجتماعات التى صاغت محاور التعاون الإستراتيجى العسكرى، ويعمل الجانبان الآن على صياغة الاتفاقات التى سيجرى توقيعها عقب الزيارة، وذلك خلال زيارة قادمة أوائل مارس المقبل للعاصمة الروسية - موسكو - يقوم بها وفد مصرى عالى المستوى والتى ستتضمن جدولاً زمنياً لتنفيذ التعهدات الروسية برفع القدرات العسكرية المصرية.


فى العاصمة الروسية - وعلى مدى الأسابيع الماضية - لم تنقطع زيارات الوفود الرسمية المصرية فى لقاءات مع نظرائهم الروس، ليس فقط للإعداد لزيارة بوتين للقاهرة، وإنما كذلك للإعداد للمساهمة الروسية فى المؤتمر الاقتصادى المزمع إقامته خلال مارس القادم بشرم الشيخ.


كان إعلان مصر عن فتح باب الترشيح لانتخابات مجلس النواب هو الخطوة الأخيرة التى التزمت بها الإدارة المصرية تنفيذاً لخارطة الطريق.. وكان هذا ما ينتظره الصديق الروسى لكى تبدأ روسيا فى فتح صفحة جديدة من العلاقات الإستراتيجية مع مصر.. ومع نظام حكمها الشرعى.


تقدمت روسيا بحزمة كاملة من المشروعات للمساهمة فى برنامج تحديث مصر، من محطات كهربائية نووية، إلى تعميق التعاون فى مجال الفضاء - وهو التعاون الذى أنجزت أولى خطواته بإطلاق قمر الاستشعار عن بعد المصرى «إيجيبت سات» فى السادس عشر من إبريل الماضى.


رئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب والذى كان مقدراً زيارته لموسكو قبل قدوم الرئيس الروسى، تأجلت زيارته للعاصمة الروسية لأوائل مارس القادم لبلورة الاتفاقات التى سيتم توقيعها خلال زيارة بوتين للقاهرة.


الدوائر الروسية الاقتصادية رحبت بملف اقتصادى مصرى ستتم مناقشته خلال زيارة محلب لموسكو، يعتمد على قيام الدولتين مصر وروسيا بسداد قيمة التعاملات التجارية فيما بينهما بعملاتهما المحلية «الروبل والجنيه المصرى» دون تحويلهما لعملات قابلة للصرف، وهو نفس الأسلوب الذى تتعامل به روسيا مع أكبر شركائها التجاريين.. الصين.


مصر.. وهى تجدد علاقاتها مع الصديق الروسى لا تستبدل به علاقاتها مع دول أخرى.. فمصالح مصر هى الحاكمة.. والشاهد على التاريخ أن روسيا كانت، من أول صفقة لتنويع مصادر السلاح، فى منتصف خمسينيات القرن الماضى وتمويلها لمشروع بناء السد العالى وتعويضها لمصر عما فقدته من سلاح فى نكسة 1967، ووقوفها المبدئى مع مصر فى حرب 1973 .. كانت طوال هذا التاريخ داعماً لمصر فى إعلاء سيادتها، وإقرار حقها فى الحفاظ على ترابها، وبناء دولتها الحديثة.


الارتقاء بالقاعدة الصناعية المصرية يستدعى أن تضع الحكومة المصرية من بين أولوياتها إقرار مبدأ التصنيع المشترك فى علاقتها مع روسيا، والكف عن اقتناء النظم والتكنولوجيات الكاملة، وذلك لتشغيل المصانع المصرية، والأخذ بيدها من عثرتها، وهو مطلب عادل أثق أن الجانب الروسى سيرحب به.


لقد أنفقت مصر عشرات المليارات على تقنيات ومعدات صناعية تشكو - لمن له آذان - من خلوها من أية طاقات تشغيلية، ويجب على هذه المصانع الآن أن تكون شريكاً رئيسياً فيما يجرى دراسته من مشاريع صناعية ليس فقط مع روسيا بل ومع أى شريك أجنبى.


روسيا عادت من جديد كشريك استراتيجى لمصر، وعلى مصر الجديدة أن ترسم محددات لهذه الشراكة لتعظيم إىجابياتها، ولتحقيق تقدم حقيقى للبلاد يجب على الإدارة المصرية أن تحدد لمؤسسات الدولة الصناعية دوراً فى هذه الشراكة، وإلا فسوف يكون الرابح الوحيد هو رجل الأعمال ذو الحاسة السادسة الذى بدأ بتغيير قمصانه أو تجديدها ليركب الموجة القادمة.. فهل ينجح؟