د. فاروق الباز : الغرب يتعامل معنا بحذر !

16/02/2015 - 9:47:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

حـوار - نيرمـيـن جمــال

قليلاً ما يتحدث العلماء فى السياسة . يعزفون، وينصرفون إلى قاعات البحث والتحليل والتجارب. فى هذا الحوار الخاص، يكسر العالم المصرى الكبير الدكتور فاروق الباز القاعدة. يثرى الحوار، ويتحدث عن حاضر مصر ومستقبلها بعد 30 يونيه، بنظرة علمية دقيقة لا تزييف فيها أو غلو. أضف إلى ما قرأته، أن «الباز» ينقل لنا نظرة الغرب لمصر بعد ثورتين.


العالم المصرى يخوض فى نقاط مهمة، أبرزها أن الغرب (الولايات المتحدة الأمريكية والأوربيون) يترقب بحذر ما يجرى فى مصر، التى تبنى وتحارب الإرهاب فى آن، وهو يحذر من زيارات وزير الخارجية الأمريكى، جون كيرى المتكررة إلى مصر، ويشرح علاقات مصر الدولية والإقليمية، ثم يعرج إلى نقاط مهمة جداً فى مستقبل مصر الاقتصادى والعلمى وإلى نص الحوار.


> ما رؤية الغرب لمصر والشعب المصرى الآن بعد الثورتين؟


- بعد 25 يناير كان هناك وقع متميز للغاية وكانوا يرونها ثورة ديمقراطية مهمة أنهت الحكم العسكرى فى مصر، وبما أنها دولة رائدة فى المنطقة سيتبع نهجها باقى الدول العربية وبالتالى سنصبح دولاً ديمقراطية مثلهم. أما الثورة الثانية فخلقت لهم حالة انزعاج شديد لم تنته بعد فكانت تغييراً فى المسار المتوقع لديهم واعتبروها انتكاسة للديمقراطية لأنه بالنسبة لهم إذا كان هناك رئيس منتخب معترض عليه يكمل فترة حكمه ثم يسقط فى الانتخابات التالية. لذلك مازالوا يتعاملون مع مصر بمنتهى الحذر، السبب الثانى مفهومهم الخطأ بأن تيار الإسلام السياسى هو الحل الوحيد لمواجهة تيار الإرهاب لذلك كانوا يدعمونه ومعنى سقوطه يعنى لهم عودة المواجهة مع الإرهاب مرة أخرى . ومع ذلك حدث تحسن طفيف فى رؤية الغرب لنا، أولا لرؤيتهم أن المصريات كان لهن الفضل فى إنجاح هذه الثورة وكذلك تولى الرئيس السيسى للحكم مما أحدث تغييراً فى نظرتهم لأن البلاد العربية تكمم أفواه النساء .


وثانيا بعد خطاب الرئيس السيسى فى الأزهر وتصريحه بأننا نحتاج إلى ثورة دينية لأن ما يفعله الإرهاب ليس ديننا فبدأوا يشعرون برغبتنا فى الإصلاح والتغيير .


> كيف ترى علاقات مصر الدولية فى الوقت الحالى ؟


> الحقيقة أرى أن الأوربيين مازالوا يرفعون أيديهم عن التعاون الحقيقى مع مصر . وباقى الدول مازالت غير قادرة على تحديد استراتيجية فى التعامل مع مصر ذلك لأنهم يريدون معرفة هل سيكمل الرئيس السيسى فترة حكمه بعد العام الأول أم لا؟ وهذا الشك يستلزم منا اتخاذ خطوات راسخة نحو الاستقرار والإصلاح . ومن الإيجابى جدا لنا فى الفترة الحالية أن الرئيس فتح باب المناقشة مع جميع الدول وخاصة الدول الإفريقية لتعود لمصر ريادتها وأخوتها للدول الإفريقية .


> وكيف شاهدت التعاون المصرى اليابانى الذى تبنى قواعده الآن ؟


- خطوة عظيمة لأننا لفترات طويلة كنا فى حالة من النسيان لدول الشرق: اليابان وكوريا والصين وكانت تعاملاتنا معهم قليلة. وتركيزنا كان منصباً على التعامل والتعاون مع الغرب لأننا دائماً نضع القضية الفلسطينية نصب أعيننا، ودول الغرب هى التى لها القدرة على تحجيم إسرائيل والسيطرة عليها. مع العلم بأن اليابان كانت لديها رغبة منذ سنوات طويلة فى فتح أسواق لها فى الدول الإفريقية ويعلمون جيداً بأن ذلك لن يتحقق إلا من خلال مصر لذلك يدعمون علاقتهم بنا واهتموا بإنشاء جامعة يابانية فى مصر .


> لماذا صرحت بأن الموقف الأمريكى تجاه مصر اختلف تماماً بعد زيارة الرئيس السيسى للأمم المتحدة؟


- لم يختلف تماماً إنما اختلف بعض الشىء بمثابة خطوة واحدة فقط للأمام. ويجب أن نحذر جيدا من زيارات وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى لمصر والتى أصبحت كثيرة فى الفترة الأخيرة لأن هدفها الرئيسى فى كل مرة تحجيم مصر عن خطواتها فى التنمية وتأخيرنا خطوة أو خطوتين للوراء من خلال طلبه الدائم بفتح السجون والإفراج عن عملائهم وإعطاء الفرصة والوقت للإخوان المسلمين وعلينا أن ندرك جيدا أن تحسين علاقتنا بالأوربيين والأمريكان ستستغرق وقتاً وعملاً دائماً على الصعيد التنموى والدبلوماسى .


> وماذا عن الموقف القطرى تجاه مصر؟


- أنا مطمئن أن العلاقات المصرية القطرية ستتحسن خلال وقت قصير، وقطر هى التى ستسعى جاهدة لذلك لأن جميع الأخوة العرب بما فى ذلك قطر يعتبرون مصر هى عصب الوطن العربى ويعرفونه جيداً أنه إذا أصابها أى ضرر ستزول كل الدول العربية، والقطريون مدركون أنه ليس لهم أى قيمة بدون مصر فأنا أعرف العائلة الحاكمة بأكملها فى قطر والشعب القطرى وأعلم مدى حبهم واحترامهم لمصر . ومالا يعلمه الكثيرون أن قطر كانت داعمة للإخوان لأن الإخوان كانوا عصب قطر فى بدايتها . ففى وقت الأزمة بين الإخوان وجمال عبدالناصر نزحت أفضل عناصر الإخوان المسلمين إلى شبه الجزيرة العربية واتجه جزء منهم للسعودية وجزء آخر للإمارات، ولكن الفئة الأكبر اتجهت إلى قطر وانشأوا لهم أول جامعة وكانت أغلب الاستثمارات ملكاً للإخوان. فبين قطر والإخوان علاقة وطيدة منذ الخمسينيات .


> وكيف ترى الموقف التركى تجاه مصر ؟


- تركيا تطمع فى مكانة عليا بالمنطقة بعد أن رفضها الاتحاد الأوربى. ولكنها سوف تجد أن مصر مكانتها أكبر وستلتزم بمكانها الحقيقى عندما يتبين لها ذلك دون شك .


> فى رأيك هل يمكن عودة مبارك مرة أخرى؟


- مبارك لم يكن له نظام أصلاً أو رؤية محددة، لذلك استطاعت التجمعات المؤسسية المحيطة به السيطرة عليه وعلى أمور البلاد كما يحلو لهم وهذه التجمعات انتهت بأيدى الشعب والجميع الآن "دكتور مهندس فلاح عامل قمامة" يعلم من الظالم ومن المظلوم ومن سرق حقه وحق أولاده ولن يقبل الشعب عودة فرد واحد من رجال مبارك فى أى من جهات ومؤسسات الدولة .


> ولكن هناك قطاعات من الشعب دائماً تردد جملة "ولا يوم من أيام مبارك كنا عايشين فى أمان"؟


- ليس فقط المصريون زوجتى الأمريكية تقول نفس الجملة، ولأن المصريين على وعى أنه لا بناء ولاتنمية فى ظل وجود همجية وفوضى وإرهاب .


لذلك أقول لهم إن الحل ليس فى عودة مبارك وانما فى دعم واحترام المؤسسات الأمنية والالتزام بالقانون والأحكام القضائية بعد ذلك إذا وقعت أخطاء فستكون مسئولية أصحاب السلطة ويحق لنا محاسبتهم .


> متى ستتحقق العدالة الاجتماعية؟


- لن تتحقق إلا بالإصلاح الاقتصادى الذى يجب أن يكون الهدف الرئيسى فيه تحقيق الاكتفاء الذاتى من الطعام، فنحن نقترض كل عام لشراء القمح وبيع الرغيف بأقل من ثمنه فكيف يمكن تحقيق عدالة اجتماعية ونحن مدينون ونبيع السلع بأقل من ثمنها وننتظر كل عام ماإذا كانت ستعطينا أمريكا القمح أم لا؟ ولهدف ما فى نفسها.


> ما أبرز القضايا التى ناقشك فيها الرئيس السيسى؟


- فى كل القضايا التى تقع فى مجال تخصصى العملى والعلمى مثل الثروة المعدنية فى مصر وكيف يتم استغلالها واستغلال المعادن والصخور والمحاجر وما هو مستقبل البترول فى مصر وما الذى ينقصنا وما يمكن فعله لزيادة الإنتاج البترولى ومشكلة الكهرباء وكيفية توفير الطاقة اللازمة لتوليدها، كيف يمكن تصنيع الصخور التى تباع خاماً مثل الرمال البيضاء أفضل رمال يصنع منها زجاج ومجمعات للطاقة الشمسية فمثلا تباع خاماً بدولار ومنتجاتها تباع لنا بألف دولار، وللأسف يعيقنا اللغو والفساد الإدارى الذى ترسخ خلال السنوات السابقة.


> وماذا عن أزمة الكهرباء؟


- الحقيقة أن جميع الحلول المطروحة على الساحة حلول مؤقتة مجرد سد خانة، لأن مشكلة الطاقة مشكلة طويلة المدى ويجب أن نعتمد على مصدر طاقة آخر غير البترول والغاز، لأن عدد السكان يتزايد وفى انتظار افتتاح مشروعات جديدة ومصانع ولا نضمن استمرار دعم الخليج على نفس المنوال، لذلك لابد من وضع مخطط بعيد المدى يحل الأزمة نهائياً، ويبدأ العمل فيه من الآن لأن مصانع إعداد الطاقة الشمسية تحتاج لبناء لايقل عن 6 أو 7 سنوات إلى جانب التكلفة لذلك يجب علينا تحمل العبء لعدة سنوات لحل المشكلة من جذورها.


> وما مستقبل البترول فى مصر؟


- بصورة عامة نحن نستخرج البترول من كافة المناطق المكتشفة فى مصر عدا البحر المتوسط والذى وجدنا فيه كميات هائلة ولكن على مسافات عميقة تحتاج إلى آبار تصل إلى عمق 4 كيلو مترات وهو ما يحتاج إلى استثمار ضخم وهذا الاستثمار موجود، ولكن فى انتظار استقرار الحالة الأمنية الذى كان شرط المستثمرين قبل المشاركة فى المؤتمر الاقتصادى.


> وما رؤيتك لحل أزمة سد النهضة؟


- الحلول العلمية كثيرة ولكن هى مشكلة سياسية لن تحل إلا بالعمل الدبلوماسى وهو ما يتم الآن.


> فى رأيك ما أبرز التحديات التى تعوق التنمية فى مصر؟


- بصراحة نحن نريد أن نعمل ولكن هل نحن مدربون تدريباً فنياً جيداً، هل نساهم فى خلق الفرص والفكر والتنوير والإصلاح، الإجابة دائماً «لا» لأننا مازلنا ندار بأنظمة معقدة وأغلب مديرى الإنتاج فى هذه الأنظمة من جيل معقد لا يسمح بدعم الفرص الشبابية لأنه مر بنفس المعاناة ولم يجد من يدعمه فى شبابه فيعيد نفس التجربة مع الشباب الحالى مما قلل من الاختراع والإبداع وبالتالى الانتاجية.


> وما القضايا المطروحة الآن فى المجلس الاستشارى للعلماء؟


- قضيتان مهمتان للغاية تطوير منظومة التعليم وحل أزمة الطاقة.


> وما العوائق أمام تطوير منظومة التعليم؟


- المشكلة الأساسية فى الهيئات المختصة بالتعليم فدائماً ما نسمع عن العديد من تصريحات وزارة التربية والتعليم عن تطوير المدارس والمناهج والمدرسين، ولكن حقيقة الأمر أن جميع الإجراءات وطرق التدريس والمناهج كما هى لم يحدث أو يطرأ عليها أى تغيير فلابد من الاستعانة بمن هم خارج المطبخ الإدارى واختيار وتدريب المعلمين والمعلمات بأساليب حديثة وأن يكون هناك إلزام بتخصيص 2% من الميزانية للتعليم.


> وتطوير منظومة البحث العلمى؟


- أولاً يجب أن يكون هناك إلزام بما نص عليه الدستور وهو إنفاق 1% من الدخل القومى على البحث العلمى لأن ما ينفق حالياً خمس هذه النسبة 0.2% الأمر الثانى أن المنظومة فى الأساس ليست فى اسوأ حال ولكن المشكلة فى الكم والوسيلة واستخدام الناتج وقلة البعثات للخارج. ويجب اتاحة الفرص للشباب للعمل فى العديد من الجهات المختلفة وتركيز الباحثين على البحث فيما يمكن أن يساهم فى حل المشكلات الرئيسية للبلد وإيجاد آليات مناسبة لتطبيق الأبحاث.


> كيف سيتحقق تخطيط الإصلاح الزراعى فى ظل وجود عجز مائى ومالى؟


- الإصلاح الزراعى حل لكل مشكلات مصر ويجب أن نبدأ بأزمة التعدى على الأراضى الزراعية وكل من يريد البناء يبنى فى مكانه القديم أو يزيد عدد أدوار المبنى المقام حتى المحافظ نفسه إذا أراد البناء يبنى فوق مبنى المحافظة، ثانياً عمل إحصائية للمحاصيل الزراعية ما هى أجود الأنواع لدينا وماهى أكثر المحاصيل التى نحتاجها وندرس كيفية زيادة المحاصيل كل عام حتى نصل إلى الاكتفاء الذاتى من الغذاء ونتوقف عن الاقتراض والتخلى عن الشروط الأمريكية ومن هنا ستبدأ تنمية مصر الحقيقية، ونحن نستطيع إصلاح مليون فدان كل عام.


> متى سيبدأ تنفيذ مشروع ممر التنمية؟


- من وجهة نظرى يستحيل فى الوقت الحالى فلا يوجد تمويل ولم يتم تنفيذ مخطط المدن الجديد. وهناك اولويات تسبق تنفيذه لدى الدولة وهو مشروع يحتاج إلى تخطيط سليم مما يستلزم دراسة اقتصادية دقيقة من مؤسسة اجنبية غير حكومية تراجع دراسة الحكومة المصرية التى أشارت إلى أن المشروع تكلفته 24 مليار دولار وسيستغرق تنفيذه 10 سنوات وأرى أنه من الأفضل أن تقوم بتنفيذه هيئة تجمع التمويل من مستثمرين مصريين وعرب وأجانب.