أبلة فضيلة : رفضت المناصب من أجل غنوة و حدوتة

12/02/2015 - 10:16:28

ابلة فضيلة ابلة فضيلة

حوار - نجلاء عبد الرحمن

على الرغم من أنها لم تنجب إلا بنتاً واحدة إلا أن لها فى كل ربوع المحروسة أبناء كثيرين كان صوتها بمثابة الحبل السرى الذى يحمل الحياة للجنين .. هى أميرة الحكائين فى زمانها ولم لا .. فالأرض تتوقف عن الدوران بمجرد انسياب نغمات تتر برنامجها الشهير فى بحار الأثير فينفض كل مشغول عن شاغله، ويتخلى كل شارد عن همه فيشق جدار الصمت فى انتظار سماعها نداء رصين يعلن: "هنا القاهرة" عبر الراديو.


ولم تكن تدرك تلك المحامية ساكنة حى العباسية ابنة وصيفة زوجة السلطان حسين وهى تخطو أولى خطواتها فى مبنى الإذاعة أن بانتظارها كل ذلك المجد وكل تلك المحبة .. إنها الإذاعية القديرة "أبلة فضيلة" التى فكت شفرات الزمن الذى يستطيع أن يطويها فباتت غنوة كل وقت وحدوتة الأجيال.. فتعالوا نسمع أبلة فضيلة راح تحكى لنا حكاية جميلة.


بدأت عملك كمذيعة نشرة بالإذاعة فما الذى أدار مؤشر موجات مستقبلك إلى أثير برامج الأطفال؟


التحقت بالإذاعة فى وقت كان الإعلامى القدير محمود شعبان "بابا شارو" هو الصوت الوحيد فى فضاء برامج الأطفال فاتجهت للعمل كمذيعة هوا وكنت ألقى النشرة لكن لاحظت ميلى وحبى للانخراط فى عمل يخاطب الطفل وقتها الإعلامية الكبيرة صفية المهندس التى كانت زوجة بابا شارو فطلبت منه أن يسمح بجلوسى مع الأطفال فى وقت تدريبهم قبل التسجيل إلى أن نقل إلى رئاسة التليفزيون فطلب منى أن أعمل ببرامج الأطفال وبدأ المشوار.


كيف لمن درست القانون أن تستطيع النفاذ إلى قلوب الصغار بأداء ومهارة باتت علامة ودليلا يسترشد بهما فى التعامل معهم؟!


بدأ مشوار نجاح برنامجى "غنوة وحدوتة" وشهرتى فى دنيا الأطفال من لقاء جمعنى بالأديبة سهير القلماوى حيث سألتها عن كيفية معاملة الطفل فأخبرتنى بأن معهد التليفزيون سينظم دورة تدريبية فى هذا الشأن وبالفعل درست علم نفس الطفل وتعلمت أن الطفولة تقسم إلى مراحل من أهمها مرحلتى ما قبل دخول المدرسة وما بعدها.


ولمست فى نقاشها معى أهمية الحدوتة للطفل قبل المدرسة ومن تبلورت فى ذهنى فكرة برنامج "غنوة وحدوتة" فأسرعت إلى مكتب رئيس الإذاعة وقتها الذى وافق وانطلقت.


 وكان أول من كتب حلقات البرنامج نادر أبو الفتوح رحمه الله وكان يكتب الأغنية أولا ثم نستلهم من معانيها القصة وبمرور الوقت تعلمت فن الكتابة وصادفنا النجاح وعلى الرغم من تقديمى برنامجين للأطفال إلا أن أولهما وهو "حديث الأطفال" لم يحظ بشهرة "غنوة وحدوتة" رغم  استضافتى فيه كبار الشخصيات مثل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب .


سر النجاح


أبلة فضيلة عاصرت أجيالا مختلفة من الأطفال فكيف ترين التفاوت بين طفل الستينيات وأطفال الألفية الثالثة ولماذا خفت بريق برامج الطفل هذه الأيام؟


طفل الزمن الماضى كان بسيطا ومن السهل أن يصدقك على العكس من طفل هذه الأيام الذى توسعت مداركه بفعل التطور التكنولوجى وتعدد وسائل الاتصال والمعرفة فتشعرين به أكثر نضجا ومواكبتى لمتطلبات العصر اليوم منحت برنامجى القدرة على الاستمرار فى ملاحقة سرعة عصر جيل اليوم.


وعشقى للعمل ببرامج الأطفال لا ينازعنى فيه شيء وأذكر أن وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف طلب منى وقت أن عينت رئيسة للبرنامج العام ترك العمل وأن لمنصبى طابعا سياسيا فقلت له: إن خيرت بين المنصب والعمل مع الأطفال فسأختار العمل مع الأطفال ورفضت لاحقا العمل التليفزيونى لأننى لا أحب الكاميرا.


لك فلسفة خاصة فى استخدام لقب "أبلة فضيلة" وهل إحساس الأمومة غير القابل للمقاومة من صغير أو كبير تركة ورثتها عن والدتك.. احكى لنا؟


فضلت لقب "أبلة" لأن الطفل ليس له إلا أما واحدة ويحمل لفظ "أبلة" معنى الأخوة والرعاية والمسئولية وأذكر أن علاقتى بأمى "فاطمة هانم التركية" كانت جيدة جدا.


وهنا قاطعتها إذن أنت من أصول تركية.. فمن أين أتيت بمصريتك الطاغية فالمصريون يرددون "اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها"؟! ترد بابتسامة:


لا.. أمى مصرية من ساسها لرأسها ولقبت بفاطمة هانم التركية لإجادتها اللغة التركية وكانت وصيفة للسلطانة ملك زوجة السلطان حسين وكان أبى من مواليد القاهرة ومن ذوى الأملاك وكنا نسكن بحى العباسية.


نصيحة خبير


هجرت الأمهات الحواديت وندر أن نرى أما تحكيها لأطفالها وإن وجدت لا تكون ناجحة فى ذلك فبماذا تنصح أميرة الحكائين أمهات اليوم؟!


هذا صحيح وبداية أنصح كل أم بالقراءة الكثيرة أولاً ثانياً البعد عن تخويف الطفل بقصص العنف والشخصيات المرعبة خاصة قبل النوم وأن تكون لديها المثابرة بحيث لا تعرقلها صعوبة الحياة الآن خاصة للأم العاملة.


وإلى اليوم لا أتنازل عن هذا المبدأ مع أحفادى الثلاثة يوسف وعلى وليلى فعلى الرغم من أنهم يعيشون مع أمهم فى كندا وتعاملهم أمهم ابنتى الوحيدة "ريم" بحزم كما كان والدها أيضاً يعاملها بحزم وطبعا لازم احكى لهم حدوتة ما قبل النوم.


رحيل "فتون"


ربطتك بالراحلة فاتن حمامة عشرة وعمر طويل فما حكايات "أبلة فضيلة" مع "أبلة حكمت".. وكيف استقبلت خبر وفاتها؟!


وهنا رفعت أبلة فضيلة رأسها إلى السماء وكأنها تستدعى الماضى وتهيء ماكينة الذاكرة لتبدأ العمل وتنهدت بعد لحظة صمت عميق قائلة:


 فاتن كانت زميلتى فى المدرسة وكان والدها "سكرتير المدرسة" يختار لها أصدقاءها وهو من رشحنى لصداقتها وقال للراحلة –وكان يقصدني- ذات يوم: "البنت دى كويسه" وصرنا صديقتين.


وأذكر حينما كنا نتخاصم كانت تصالحنى بقالب شيكولاته الذى أعشقه وخشيت أن تأخذها منى أضواء الشهرة بعد أن أصبحت فاتن حمامة الممثلة الكبيرة وذات يوم قالت لي: "لما أزهق من المناظر والناس هجيلك" فأرد عليها :"تعالى يا فتون"


 كانت معى رحمها الله بشخصيتين الأولى تظهر بعيدا عن الناس والكاميرات فتكون فاتن تلك الصديقة فى المدرسة وإذا قطع علينا أحد جلستنا تتحول إلى الشخصية الثانية فتكون فاتن سيدة الشاشة الجادة الوقورة كانت طيبة القلب.


ومنذ أن علمت بنبأ وفاتها وهى لا تفارق مخيلتى لحظة وهجر النوم عينى لأقضى اليالى أتذكر كل لحظة قضيتها معها.


عبد الناصر والملوخية


وقبل أن تلتهمنا الأحزان على رحيل فاتن حمامة سألتها وهل أبلة فضيلة ماهرة فى فنون الطبخ وهل تجيد مزج النكهات بقدر مهارتها فى مزج الكلمات؟!


أجيد فنون الطبخ وأستاذة فى الملوخية ووالدى كان يطلب منا أن ندخل المطبخ ونراقب الطباخ وهو يعمل لنتعلم منه أنا وشقيقتى الفنانة محسنة توفيق.


بكيت عبد الناصر عند رحيله على الرغم من أن شقيقتك سجنت فى عهده؟!


 هذا صحيح ورغم ذلك فقد أحببت عبد الناصر جدا وأرى أنه قدم لمصر الكثير وأذكر أننى عندما التقيته أخذ بيدى ورايت فى عينيه القوة والطيبة وبكيت عليه أكثر مما بكيت على وفاة أمى للدرجة أننى أصبت بالاكتئاب بعد رحيله.


بتاعت العيال


من الضيف الذى كانت أبلة فضيلة تتمنى أن يكون ضيفاً على برنامجها؟!


كوكب الشرق أم كلثوم كانت تحبنى وأطلقت على لقب "البت المذيعة بتاعت العيال" ولما عرضت عليها أن تكون ضيفتى فى برنامج حديث الأطفال رفضت وقالت لى: "مش هعرف أكون ضيفة فى برنامج أطفال" لكنها فى كل مرة كانت تدخل فيها أم كلثوم إلى مبنى التليفزيون كانت تطلب مقابلتى فنجلس وتشاورنى فى تسريحة شعرها وملابسها وكان ذوقها رفيعاً جدا.


عاصرت مصر الستينيات ومصر اليوم فهل أنت متفائلة بالمستقبل وكيف رأيت مسيرة البلاد خلال السنوات الأخيرة؟!


مصر يحبها الله وذكرها فى كتابه الكريم وشعبها على الرغم من اختلاف عاداته وتقاليده إلا أننى أراه صاحب فهم عميق للدين لذلك ثار سريعا على حكم الإخوان  لضعف أفقهم وأسلوبهم العنيف والدموى.


واليوم رزقنا الله بالرئيس السيسى الذى أراه خليفة لعبد الناصر ورغم أننى لم اتشرف بمقابلته إلا أننى عندما أشاهده أرى فيه صفات عبد  الناصر .. القوة والطيبة وعبر مجلتك العظيمة أقول له: "ربنا معاك ويحميك ويوفقك" .


وأقول لمصر"تعيشى يا مصر" فقد زرت بلادا كثيرة متحضرة إلا أن إنسانية المصريين تجعل من مصر أعظم بلاد العالم وبالفعل مصر هى أمى مش مجرد غنوة فعلا أحسها كأمى وعندما أكون مسافرة وأستشعر أن خطرا يحوم حولها أعود إليها مسرعة ألبى نداءها.