جذور استعباد المرأة الذى كان فى الغرب! ( 3 )

12/02/2015 - 9:54:38

رجائى عطيه 222 رجائى عطيه 222

كتب - رجائى عطية

واجه جون ستيوارت ميل فى الغرب ما كنا ولا زلنا نواجهه فى الشرق.. وهو قول المتعصبين للذكورة إن مجال المرأة هو البيت, ووظيفتها فيه، فقد خُلقت لتكون زوجةً وأمًا، ومع أن للرجل ذات الدور النوعى فهو زوج وأب إلاّ أن أحدًا لم يصنفه فى الغرب كما فى الشرق تبعًا لوظيفة حفظ النوع، وبديهى أن السبب أن الرجل منذ عصر الكهوف، هو الذى يدافع الخطر بقوته البدنية أو العضلية ، وهو الذى يخرج للصيد والقنص.


واجه ميل العادات المتجذرة من قديم، أن الفتاة تنشأ وتُلَقِّنْ الدروس التقليدية فى البيت، واعتاد الرجل من قديم العصور أن « يبيع » ابنته للزوج الراغب فيها وكان الأب لا يزال حين كتب ميل كتابه يمارس سلطاته فى اختيار من يراه هو زوجًا مناسبًا لابنته دون أن يعبأ برأى ابنته، برغم أن الكنيسة كانت تصر على أن تسمع من فم الفتاة موافقتها ولكن ما أسهل أن تُجْبَر الفتاة على إعلان هذه الموافقة.. وهذا هو ما كنا نعانيه حتى وقت قريب، وأيضًا برغم تعاليم الإسلام ، فقد أخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن نبى الرحمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: « من كانت لديه أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة »، ولم يكتف الإسلام بهذه المكانة العامة وإنما أفصح صراحة عن حقوق حواء فى الزواج، ونهى عن إجبارها عليه، وقد روى النسائى وأحمد بسندهما عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن فتاة جاءت إلى النبى تشكو أن أباها زوَّجها من ابن أخيه ليداوى عيبه ـ فجعل النبى الأمر إليها، أن تقبل الزواج أو تأباه، فلما فعل قالت: « قد أجزت ما صنع أبى ولكن أردت أن أُعلِم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شىء ». وقد ورد عن الرسول أنه قال: « تستأمر النساء فى أبضاعهن .. أى يستشرن فى زواجهن » فلما قالت السيدة عائشة عليها الرضوان « إن البكر تستحى يا رسول الله » قال: « إذنها سكوتها ».


وبرغم أن تعاليم الإسلام معلومة ويستلزمها المأذون أو الموثق، إلاَّ أن بعض الآباء كانوا يحتالون وربما لا يزال البعض، على موافقة الفتاة بما ينقله الشاهدان إلى الموثق، وكثيرًا ما
لا يُعنِى الشهود فى بعض المجتمعات باستطلاع موافقة الفتاة ويكتفون بما ينقله إليهم أبوها، وقد لا يكون الزواج بإرادتها كما شاهدنا فى بعض الأفلام.


أورد جون ستيوارت ميل أن أزمة الفتاة كانت هناك مضاعفة، فمراسم الزواج الكنسى توجب أن تحلف الزوجة يمين الطاعة لزوجها والبقاء معه مدى الحياة، فتصير مع غيبة رضائها الحقيقى مملوكة بما تمتلكه لزوجها، ويصير حالها أسوأ من حال العبيد فى القانون الرومانى الذى كان يبيح للزوج حق امتلاك الممتلكات الخاصة لزوجته.


ومع شيوع هذه المعانى، انصرف هذا أيضًا ـ فيما أورد ميل ـ إلى العلاقة الحميمة، فصارت رغبةً بل أمرًا للزوج لا يُرفض ولا يُرد، ولا على الزوجة إلاّ « الرضوخ » أيًّا كانت حالتها النفسية، فصارت أسوأ من حال الحيوانات التى لا تتقارب إلاَّ على وفاق واستجابة!


وكما كان الأمر فى الشرق، كان أيضًا فى الغرب .. الرجل ينفرد بالسلطان كله، يكاد
 لا يترك لزوجته شيئًا، فالأبناء لا تنسب إلاّ إلى أبيهم ، وقد ينفرد الأب دون الأم باختيار
أسمائهم.


صَوَّرَ جون ستيوارت ميل حال حواء المستعبدة بالبؤس ، فكم هى بائسة، وليس أبأس ممن تضطر إلى الزواج ومعاشرة رجل فاسد شرير، يذيقها العذاب، ويستمرئ استعبادها وإيذاءها .. متخذًا من الإعالة ذريعة لفرض ما يبغيه من إذعان واستكانة، وقد رأينا هنا صورًا لذلك رغم أن الإسلام قنن من أربعة عشر قرنًا أن الزواج « سكن وعشرة »، وأن رباطه الأول والأساسى هو المحبة والعطف المتبادل، ورغم أن الكتابات الإسلامية حول الأسرة والزواج وعلاقاته وحقوقه لم تنقطع فى تاريخ المسلمين، بيد أنه بدا أن الكتابة والمبادئ والقيم شىء، وما يمارسه الناس فى حياتهم شيئا آخر!


( يتبع )