نفس الشموس.. بتبوس على روسنا!

09/02/2015 - 10:14:11

الشاعر سيد حجاب الشاعر سيد حجاب

كتب - أحمد النجمى

نفس الشموس بتبوس على روسنا.. نفس التراب يحضن خطاوينا»، على هذه الكلمات تفتح الوجدان، لعلها أول ما حفظ لسانى من كلمات أغانى المسلسلات، حين انطلقت حنجرة «على الحجار» بهذه الكلمات على نغمات «عمار الشريعى» فى تتر مسلسل «الشهد والدموع» لأول مرة عام 1984، فى رائعة شيخ الدراما العربية الراحل الجليل «أسامة أنور عكاشة».. الكلمات بعض من أشعار «سيد حجاب» الرائع، والاستثنائى كفنان وإنسان، المثقف الوطنى رفيع المستوى نادر الطراز، الذى سيتم عامه الخامس والسبعين فى سبتمبر المقبل، أستبق الكل - ياعم سيد - لأهديك زهرة، أتمنى ألا يطالها الذبول قبل سبتمبر..!


«عم سيد»، اللقب الأكثر شيوعاً للرجل فى الأوساط الثقافية والفنية، قليلون هم من يخبرونك بأية معلومات عن سيد حجاب، على كثرة ما له من أصدقاء، لكن القليلين هم من سيخبرونك... بأنه سيتم 75 عاماً فى سبتمبر القادم، هذا أن عم سيد نفسه رجل خجول، لا يسعى لصنع شىء لذاته على الإطلاق، حين يحلم.. يحلم للجميع، وحين يغامر.. يغامر بنفسه لصالح الجميع «إذا مش ح تحلم معايا مضطر أحلم بنفسى.. لكنى فى الحلم حتى عمرى ما ح أحلم لنفسى»، هذا أيضاً من بعض أشعاره، فى تتر النهاية لمسلسل «أبو العلا البشرى» - الجزء الأول، 1986 -وهو أيضاً من ألحان عمار الشريعى، بصوت على الحجار، حين يكتب سيد حجاب، فإنه لايكتفى بأداء «المهمة الشعرية»، وراءها مهمة وطنية، يعتبر سيد حجاب نفسه فناناً مقاتلاً، سيف الشعر نصله حاد، ولكنه رقيق الحاشية، يقاتل فى كل المعارك بروح شاعرة، وقلب أسير.. أسرته فكرة الحب من قديم: حب الوطن، والقيمة، والفكرة..!


عم سيد حجاب، لمن لايعرف.. من مواليد «المطرية» - محافظة الدقهلية - سبتمبر 1940، من قديم.. وهو طفل، حفظ أشعار الصيادين، كانت - ولاتزال - بلدته موئلاً للصيادين فى بحيرة «المنزلة».. حفظ أشعار الصيادين الذين يرددونها وهم يصطادون، كانوا يرددونها أباً عن جد عن جد، وقال الشعر مبكراً، ربما وهو لم يغادر الطفولة، وفى العام 1966 صدر ديوانه الأول «صياد وجنية»، كان أستاذه هو «عم صلاح جاهين»، الذى تبنى كثيراً من شعراء وفنانى مصر.. كتب عنه فى بابه الشهير فى «صباح الخير» الذى كان عنوانه «شاعر شاب أعجبنى» عام 1961، وحين التقى به أول مرة - وكان بصحبة جاهين شاعر العامية الكبير «فؤاد قاعود» - احتضنه جاهين قبّله، وقال لقاعود: زدنا واحد يا فؤاد..!


كان لتبنى جاهين لحجاب أثر مهم فى الستينيات، ذلك العقد الذى شهد صعود التجربة الناصرية إلى أقصى المنحنى، ما كان له مردود ثقافى وفنى هائل، أفرز معظم الأسماء التى أثرت المناخ الفنى والفكرى فى مصر، ولايزال بعضها يثريه إلى الآن.. فقدم حجاب برنامج «بعد التحية والسلام» بالتناوب مع الأبنودى، شاعر العامية الصعيدية الأشهر، لكن حجاب وقع فى «نقرة» فى منتصف الستينيات، حين تم اعتقاله خمسة أشهر فى عصر الزعيم جمال عبدالناصر بتهمة الشيوعية، كان معه فى هذا الاعتقال: عبدالرحمن الأبنودى، صلاح عيسى، وآخرون.. وقبل النكسة - يونيه 1967 - بقليل تم الإفراج عنهم.. وحين حلت النكسة بمصر، بكى سيد حجاب بهستيريا، لاسيما فى «التنحى».. هكذا سيد حجاب الشاعر الوطنى الكبير، الذى قد يختلف مع النظام، لكنه لايختلف مع الآمال الوطنية ولا الثوابت القومية، قد يختلف مع عبدالناصر لكنه لايختلف عليه.. وهكذا أسس مع جماعة من المثقفين مجلة «جاليرى 68»، تلك المطبوعة الثقافية بالغة الأهمية عقب النكسة، ولم يكن غريباً أن يردد الطلبة فى «مظاهرات الطيران» سنة 1968 أشعاره كجزء من شعارات هذا التظاهر.. التى واجهها عبدالناصر بعبقرية خاصة.. ومضى حجاب.. يكبر سناً، ومقاماً، ويتحول إلى مدرسة فى الشعر خلال السبعينيات، تلك التى كتب فيها مسرحية «حدث فى أكتوبر» بعد أن قدمه صلاح جاهين إلى كرم مطاوع..!


وفى أوائل الثمانينيات يلتقى سيد حجاب بتوأمه عمار الشريعى، ليبدعا معاً أهم أغنيات الدراما المصرية، عبر المسلسلات، ولتصدر دواوين جديدة لحجاب، الذى صار مع الأبنودى جناحين للشعر فى الثمانينيات، حجاب يكتب بروح «المثقف البحراوى» والأبنودى يكتب بروح «المثقف الصعيدى»، وكلاهما - معاً - يجسدان المشهد الشعرى المصرى فى أكمل صورة.. وفى شعر سيد حجاب تجد التاريخ، وجدلياته المستمرة، و «تركيباته» المتغيرة «.. لا الجرح باقى ولا الحياة بتنتهى.. ولو انتهى يوم.. يوم جديد يبتدى.. وبعد ضلمة ليلنا ح تزهزهى يادنيا مع طلعة صباحنا الندى».. من أغنيات مسلسل «اللقاء الثانى» 1988، بصوت على الحجار ولحن عمر خيرت .. هكذا يرى سيد حجاب، وهكذا يقول التاريخ لكى نقرأ منه ملامح المستقبل..!


أشعار سيد حجاب تصدرت «ميدان التحرير» فى ثورتيه.. 25 يناير 2011 و 30 يونيه 2013، أشعاره كانت حاضرة، وهو بذاته كان حاضراً.. كان من أوائل من حذروا من استيلاء «الإخوان» على ثورة يناير، ونبه إلى ذلك كثيراً وبقوة، لكن أحداً فى «المجلس العسكرى» آنذاك لم يستمع إلى تحذيراته، وفى ثورة يونيه انتصرت رؤية حجاب: تخلصت مصر من نظامى مبارك والإخوان معاً، لتمضى على طريق الثورة الحقيقى.. وليصبح عم سيد حجاب «مقرر لجنة صياغة الديباجة» لدستور ثورة يونيه، الذى انتصر للحرية والثورة وللدولة المدنية، يقول عم سيد: «الثورة شعر عظيم، ومن الواجب أن يواكبها دستور يليق بها».. فجاءت ديباجة الدستور أصدق تعبير عن الروح الثورية.


ولكن تظل روح عم سيد قلقة، يطاردها «الحلم القديم»، ذلك الذى يبدو قريباً أحياناً، بعيداً أحياناً، ويبدو أحياناً عصياً على التحقق، لكنه - قدر استطاعته - يسعى إلى هذا الحلم يحققه شعراً، يكتبه.. ويحفظه الناس ويرددونه، يخرج من ضلوعه فيستقر بين الضلوع.


«فيه حاجة جوا عروقى مخنوقة.. شجرة ندم جوا الدما وتباريح.. قمر السما ياعالى لك شوقة.. وازاى نطولك والقلوب مجاريح؟!» .. كتبها سيد حجاب مؤخرا.. أليس قمر السماء سوى الحلم القديم، الحرية والعلم والفن والعدالة الاجتماعية؟ أما «الندم» فأرى أنه لا محل له من الإعراب ياعم سيد، فقد قدمت حياتك كلها مبدعاً وطنياً خالصاً لوجه الوطن، ساطعاً فى حلمك، ساطعاً فى التعبير عنه أيضاً، مخلصاً على الدوام.. تقول للأعور فى عينه: أنت أعور.. لكنك تقولها شعراً، يصل إلى كل من لايزال نقى القلب..!


كل سنة وأنت طيب ياعم سيد.. مقدماً، وعلى «الجماعة الثقافية» أن تتنبه إلى ذكرى مولدك فى سبتمبر المقبل، فأنت تستحق الكثير فى الاحتفاء، والمحبة، والتقدير، لشخصك الجميل وفنك «المصرى» الخالص، وأنت قبل هذا وبعده، أمير شعراء العامية بلا منازع..!