الجهاد بين الحقيقة والادعاء

09/02/2015 - 9:48:46

احمد عمر هاشم احمد عمر هاشم

كتب - أ. د. أحمد عمر هاشم

هناك جهاد فى سبيل الله وهو فرض عين على كل مسلم عندما يدخل العدو أرض المسلمين ويعيث فيها فساداً ويحتلها ويحاول اغتصاب الأرض والعرض والمال فيكون الجهاد حينئذ فى سبيل الله تعالى ويكون فرض عين على كل قادر .ولكن هناك بعض الظالمين الذين يرهبون الآمنين ويتسلطون على عباد الله، ويحاولون أن يصوروا لبعض السذج وأحداث الأسنان من الشباب أنهم فى جهاد، بل ويجندون البعض للتفجيرات بزعم أنهم سيكونون من أهل الجنة ويموهون عليهم بأن الوطن كافر وجميع من فيه كفار فيحل قتلهم واستعمال السيارات المفخخة ضدهم جهاد إلى غير ذلك من التضليل الذى يغسلون به عقول الجهلاء والسذج والعاطلين وهم بهذا يرتكبون جريمة من أبشع الكبائر والجرائم أنهم يسولون لاتباعهم ويبررون لهم القتل والعدوان، فليس مافعلوه - وبئس مافعلوا - إلا جريمة نكراء وكبيرة من أكبر الكبائر بل إنهم ارتكبوا مايخرجهم عن دين الله، لأن الشخص الذى يستحل قتل النفس الإنسانية بغير وجه حق يخرج من الإسلام، لأنه استحل ماحرم الله ومن استحل ماحرم الله خرج من دين الله .


ولأن الإرهابيين الذين يزهقون الأرواح بحجة أن الذين يعتدون عليهم كافرون ارتكبوا بهذا الزعم جريمة أخرى وهى تكفير الغير ومن قال عن أخيه "ياكافر فقد باء بها أحدهما" . كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .


بل إنه لو فرض وكان - فعلا - فى ميدان جهاد ولكنه لم يجاهد فى سبيل الله بل للشهرة وليقال إنه شجاع فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل النار .


عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرىء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار.." رواه مسلم .


والذى يقاتل الناس تحت راية عمية أى أن أمرها غير واضح أو تحت شعار العصبية فرسول الله صلى الله عليه وسلم برىء منه ، لأنه قال : "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبة أو يغضب لعصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية، ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفى لذى عهد عهده فليس منى ولست منه"رواه مسلم .


وهكذا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن بأن الذى يقاتل فى أمر لم تستبن له حقيقته أو قاتل غيره لعصبية يتعصب لتيار أو اتجاه دون حق ودون أن يكون فى سبيل الله بل فى سبيل الشيطان والأهواء المشبوهة والنفس الأمارة بالسوء والعدوان والعنف والإرهاب والظلم هذا الذى يقاتل على هذا النحو ويقتل غيره يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم : "فليس منى ولست منه" رواه مسلم.


ولبشاعة جريمة القتل النكراء حذر منها الإسلام ووضح الرسول صلى الله عليه وسلم خطورتها وعاقبتها الأليمة فى قوله : " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، رواه النسائى وابن ماجة، ولحرمة الدماء وأهميتها فى الإسلام كانت أول قضية تنظر فى المحكمة الإلهية يوم القيامة هى قضية الدماء ،حيث يحاسب الله القاتل حساباً عسيراً على ماجناه فى دنياه عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أول مايقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء" رواه البخارى ومسلم .. وفى محكمة القيامة لامكان لشهود الزور ولا لمحاباة ولا مجال للإنكار، لأن الشهود على القاتل وعلى الإرهابى هى أعضاؤه نفسها سيتكلم لسانه، ويده ورجله، كما قال الواحد القهار سبحانه: "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين" سورة النور (24،25).


إذا كان الإرهابى والقاتل استطاع فى الدنيا أن يتحايل وأن يتخفى فإنه فى الآخرة لن يستطيع أن يتحايل ولا أن يتخفى، لأن جوارحه التى ارتكبت الجريمة هى التى ستشهد عليه .


ولابد أن يعلم كل إرهابى وكل معتدٍ آثم استحل الدماء أن يعلم ويوقن بأنه خارج من دائرة الرحمة الإلهية، عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يزال المؤمن فى فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً" رواه البخارى والنسائى .


فنهايتهم أليمة، وعاقبتهم وخيمة أولئك الذين اعتدوا وقتلوا الأبرياء؛ لأنهم أقدموا بجريمتهم النكراء على الكفر بالله حيث استحلوا ماحرم الله، لقد كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين فى حجة الوداع، قوله : "لاترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" رواه البخارى . وكما حرم الإسلام العدوان على أرواح المسلمين حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما" كما قال عليه الصلاة والسلام أيضا : "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس أو كلفه ما لا طاقة له به فأنا حجيجه يوم القيامة"، وتأكيدا على النهاية الأليمة لمرتكبى جرائم القتل وضح القرآن الكريم لهم خمس عقوبات فى قول الله تعالى : "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما" .


ونلاحظ أن الآية الكريمة بينت أن قاتل النفس يكون خالداً فى النار، ولايكون الخلود فى النار إلا للكفار، لأنه باستحلاله للقتل لم يعد من المؤمنين .


فليحذر الشباب ومن يغرر بهم أولياء الشيطان من الوقوع فى هذا المنزلق الخطير، وليحذروا أولئك الذين يحلّون الحرام لهم، وليبتعدوا عن أهل العنف والإرهاب، والله يهدى إلى الصراط المستقيم .