إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون

09/02/2015 - 9:30:25

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

حين تلم النوازل، وتجتمع الآلام الشخصية أو العامة، مثلما يمر بنا هذه الأيام، من غدر وضربات وتفجيرات الإرهابيين، وما يصيب أحبابنا من أبناء الوطن، ويصيب مرافقنا ومنشآتنا، وما يعترينا من أتراح وآلام، يأتينى بغير استدعاء هاتف صامت لهذه الآية الحكيمة : «إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ» (النساء الآية 104).


بهذه الآية كفكف الحق سبحانه وتعالى على المؤمنين المجاهدين الممتحنين الصابرين من عباده، فأعداؤهم من الكفار والمشركين والطواغيت يتألمون كما يتألم المؤمنون، ولكنهــم لا يأملون ولا يرتجون من الله ما يرتجيه المؤمنون الصامدون الصابرون الممتحنون .


كان إمام العزم الأكبر، الصادق المصدوق، ممتحنًا عليه الصلاة والسلام بما كان يلاقيه هو والمؤمنون من غدر ونكال وإيذاء طواغيت قريش ومن والاهم فى تجبرهم وعدوانهم .. كان عليه الصلاة والسلام ممتحنًا هو والمؤمنون فى شيمهم وسجاياهم، وفى احتسابهم وصبرهم، وفى رحلة معاناتهم فى نصرة الحق، وصبرهم على النوازل، لا ينقطع رجاؤهم فى عناية الله عز وجل التى تحيطهم وترعاهم، بينما الطواغيت والجبابرة لا رجاء لهم يرجونه من الله الذى خرجوا على دعوته وتنكروا لدينه وشريعته، ولا عزاء لهم فى صبر لأنه لا شىء يصبرون عليه أملاً فى رجاء لا وجود له، وهذا هو حال الطغمة الإرهابية التى خرجت على الدين وإن تمسحت فيه، وخرجت على الوطن الذى تأكل وتنعم من خيراته، وخانت بنى جلدتهم وأعملت القتل والإهلاك فى أعز بنيه، وجعلت تضرب فى سلامه وأمانه، وفى مصالحه وحقوقه .. هى تعلم فى دخيلتها أنها ليست على سواء، وأنه لا حجة لها تطلب بها من المولى عز وجل الرحمة والمغفرة، أو تأمل فى رجاء ينقذها من وهدة ما تورطت وتتورط فيه، أو فى نصر يأتيها منه، فهو عز وجل لا ينصر الظلم والظالمين!.


هذه الطغمة إن اختلقت لنفسها التعلات، فإنها أول من يعلم أن الدين برىء مما تنسب نفسها إليه، وأول من يعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد حرم القتل والإفساد فى الأرض، ويعلمون أنه لا مكان لتبريراتهم وجرائمهم فى شريعة السماء، ولا رجاء لهم فى نصر أو غفران، ويشعرون فى دخيلة أنفسهم بالخزى الذى يسعون إلى مواراته بالتظاهر الكاذب، ويتأكدون من الخسران الذى يمارون فيه مماراة اليائس الذى يحس مهما أنكر ومارى وجادل ـ أنه لا حِقٌ به لا نجاة له منه مهما أمهلته الأيام!.


لا يمكن لمثل هذه الطغم الإرهابية الشريرة أن تلجأ إلى سجية أو شميلة الصبر، فهى بعيدة عن متناول ما هم فيه، ولا أمل لها فى رجاء لأنها غارقة فى مروق حقيقى عن شرائع الله، قطعت بينها وبين الله، وبين قيم الحق والجمال، فلا تجد لنفسها أملاً ولا رجاء يخرجها مما اختارت أن تتردى فيه وتهبط إليه!.


هذه الصورة مشهودة متكررة فى حياة الناس، فمع وجود القيم والأخلاق وشيم الصدق والأمانة والوفاء، وُجِدَت وستظل توجد خصال الغدر والمروق والجحود والخيانة والنكران، وهذا الواقع مهما كان فيه من مرارة إلا أنه واقع ماثل، لا انتصر به مارق غادر خائن جاحد، ولا انسحق به مغدور به، فألمه يتناقص ولا يزيد، أو كما قيل : يولد كل شىء صغيراً ثم يكبر، إلاّ النوازل فهى تولد كبيرة ثم تصغر وتتضاءل بمرور الزمن حتى تتلاشى .. بينما فى المقابل، لا تلاشى لألم المارق الغادر لأنه مناقض للحالة الغارقة فى بئر المروق والخيانة، المستسيغة للقبح والدمامة، المتوارية أو الراغبة فى التوارى بسوء صنيعها عن عيون وسهام انتقادات الناس التى ترى ما يحاول مواراته، وتدرك حقيقة ما يحاول الخداع فيه!!.


هذه القاعدة العامة، أظهر ما تكون فى حال الخارجين المارقين عن قيم ومبادئ الأديان، الخارجين المارقين عن قيم الوطن وحقوقه وحقوق المواطنين، الذين تنكروا للحق وغرتهم الأمانى واتخذوا الباطل وسيلة وغاية!.


حتى الندم، هو الآخر نقطة فارقة، لا يعرفها الغارق فى بئر الغدر والمروق والخيانة، فهو فى سعيه لإساغة ما هو فيه، يقاوم ـ بالتبريـر الكاذب ! ـ الإقرار بالخطأ، ويصادر الشعور بالندم، مع أنه هو الذى يمسح جراح الخطيئة، ويعيد النفس الجانحة إلـى رشدها، ويردها إلى الحق الذى هجرته وأنكرته، فتغدو من ثم حالته حالة مستعصية لا شفاء منها!.


يقال فى الأمثال العامية: «يا بخت من بات مظلوم ولا بـات ظالم»!! ظنى أن هذا التعبير هو استلهام بالسليقة والفطرة البسيطة للآية القرآنية الكريمة: «إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ» (النساء 104 ) .. وهو استلهام ينطوى بالفطرة على رؤية صادقة لواقع الحياة الذى يعطى الرجاء ولا يقطع الأمل فى انبلاج الصبح ووأد الباطل ودمغ الخطيئة بما تستحقه!


لا يوجد فى الدنيا بكل مغرياتها ما يقابل قيمة تصالح الإنسان مع نفسه .. لقد قال المسيح عليه السلام : «لن تربح شيئاً إذا كسبت كل شىء وخسرت نفسك» .. احترام النفس قيمة لا تعادلها كل المغانم، ولا يعوضها انطلاء حيل الخديعة على الناس، فكل إنسان أدرى بنفسه، لذلك قال العقاد : إننى أحرص على احترامى لنفسى قبل أن أحرص على احترام الناس لى.. هذه مقولة بالغة الحكمة، لأن الناس قد تنخدع عن الواقع فينطلى عليها الكذب أو تتوهم الصدق والنظافة، بينما الواقع غير ما توهمته أو انطلى عليها .. هذا الواقع هو الغناء الحقيقى الذى جعل العقاد يقول : قيمتك فى نفسك .. ولأن يقول فى إحدى أثيراته : إذا أحبك الناس مخدوعين فـلا تفرح، وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن، بعض الكراهات خير لك من بعض المحبات !!!


إن مصر تعانى هذه الأيام من هذه الطغمة الشريرة، ويعانى منها المصريون الذين تُعصف بأرواحهم وأرواح بنيهم وأرواح الجند الذين يحمون الوطن، ويذودون عن العرض والديار، والذين تدمر مرافقهم ومنشآتهم، ويعيث الطغاة الإرهابيون فى أرضهم فسادًا .. بيد أن هذه المعاناة معاناة شامخة، تدرك أن للحق تبعات، وأن الصبر على البلاء آخره وعد الرحمن الذى يمهل ولا يهمل، وأن الألم الذى يُعانيه المصريون محوط بالأمل والرجاء، وأن طريقهم واضح على المحجة، وأن الوطن أعز وأبقى من جرائم هذه الطغمة الشريرة التى مرقت من الدين وتضرب فى الدين باسم الدين، وأن الله عز وجل حافظ للكنانة راعٍ لبنيها كافل سلام أرضها التى كانت ولا تزال مهدًا لدينه وحافظةً للإنسانية وقيم الحق والجمال على مدار العصور والأجيال .