في ذكراه الأولى .. ممدوح الليثي والسينما السياسية

02/02/2015 - 11:36:27

ممدوح الليثى ممدوح الليثى

كتب - عاطف بشاي

شكلت الأفلام الخمسة التي كتب لها السيناريو والحوار الراحل "ممدوح الليثي" عن روايات "نجيب محفوظ" .. وهي "ميرامار" و"ثرثرة فوق النيل" و"الحب تحت المطر" و "المذنبون" و"الكرنك" علامات هامة للسينما السياسية .. ورغم قلتها فإن أربعة منها وضعت في المرتبة السادسة في استفتاء أهم مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية الذي نظمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته العشرين.


و "ميرامار" هو باكورة أعمال "ممدوح الليثي" أخرجه كمال الشيخ سنة (1969) أي في زمن "جمال عبد الناصر" نفسه .. وهو من ناحية يرد على من يتصورون غياب فكرة حرية التعبير في عهد "عبد الناصر" ومن ناحية أخرى يفتح نافذة مهمة في السينما المصرية حيث يتيح للفيلم السياسي أن يعلن عن بداية تواجده بقوة ..


تدور أحداث الفيلم في "بنسيون" ميرامار الذي يعتبر كما أراده "نجيب محفوظ" التجسيد الحي لماض تحكم فيه الاستعمار مع الاحتكار الأجنبي والإقطاع المصري .. وفي "البنسيون" خليط غريب ومتنافر من الشخصيات التي برع "ممدوح الليثي" في رسم أبعادها النفسية .. والاجتماعية ووضع الحوار المناسب لشخصياتها وثقافتها "طلبة مرزوق" الإقطاعي الكبير .. و"عامر وجدي" الصحفي القديم أيام حزب الوفد .. "سرحان البحيري" عضو لجنة العشرين بالاتحاد الاشتراكي .. "منصور باهي" الشيوعي السابق .


وقد أدانت الرواية والفيلم كل هذه النماذج .. "فعامر وجدي" رغم وطنيته قد شاخ ولم يعد يفي بمطالب الوطن المتجددة .. إنه يمثل الماضي بكل جموده وتقليديته .. أما الإقطاعي القديم فهو ساخط على الثورة ورموزها وكل ما تمثله وسخريته منها تكشف عن عجزه وحقده رغم طرافة النقد اللاذع وسخونته .. أما "سرحان البحيري" فهو لص انتهازي يخدع الجميع بدعوى أنه منهم هو في الحقيقة وريث اللصوص السابقين .. لقد أوهم "زهرة" خادمة البنسيون (شادية) أنه يحبها حتى خدعت بمعسول كلامه .. ثم اكتشفت أخيراً أنه خطب مدرسة مالكة لعقارات بينما نرى "منصور باهي" يحرض زوجة زميله السجين على طلب الطلاق منه ليتزوجها هو .. حتى إذا ما حصلت على الطلاق تخلى عنها .. أما "زهرة" في هذا الوسط العفن الفاسد فهي ريفية مخدوعة .. لكنها حريصة على شرفها تكتشف حقيقة هذه الشخصيات واحداً بعد الآخر حتى تصدم بخطبة "سرحان البحيري" (يوسف شعبان) من المدرسة التي كانت تعلمها فتجمع أشياءها وتترك البنسيون فلا تجد من يقف معها إلا "محمود أبو العباس" بائع الصحف الذي كان يحبها طوال الوقت في صمت ..


أما فيلم "ثرثرة فوق النيل" الذي تدور أحداثه في عوامة النيل فهو يضم كل ليلة مجموعة من الشباب المثقف المهترئ الذي لا يجد نفسه إلا وسط غبار المخدرات وضحكات الخمر ..إنهم بلا دور .. لم يسألهم أحد رأيهم في شئ .. فانعزلوا بعيداً عن الناس وعاشوا أحلامهم المتقطعة التي تخلو من المعنى ولا تخلو من المرارة .. يجدون لذة خاصة في تنويم عقولهم .. والهروب من الواقع .. إنهم أصحاب ضمائر ميتة .. يدوسون فلاحة بسيارتهم ولا يشعرون أنهم ارتكبوا جريمة تستحق العقاب .. إنهم نماذج من البشر لكل منهم وجهان على الأقل .. فيهم ممثل لامع كان يلعب دور "عطيل" على خشبة المسرح فأصبح يلعب دور راقصة تهز البطن على الشاشة .. وهناك محام ذائع الصيت .. كانت له ذات يوم مغامرات سياسية فأصبح مدمناً له غزوات في مجالس التدخين والعبث .. وفيهم صحفي يتخذ من مهنته وسيلة لإرضاء نزواته الشخصية .. وهناك زوجة لعوب تخون زوجها .. وطالبة في قسم الفلسفة ترمز إلى الشباب الذي لا يتعلم شيئاً ولم يتلق تربية .. وموظفة فقيرة عذراء في أوقات العمل وغير ذلك في أوقات الفراغ ..


وسط هذه المجموعة من النماذج يعيش موظف يوصف بأنه نصف ميت ونصف مجنون . عمله اليومي إنه موظف مخدر العقل .. وعمله الدائم إنه إنسان قلق ممزق .. وعندما يسير وحده في الشارع يحاسب الناس والزمن وبكلمات رجل يهذي مختلط العقل (أدى دوره باقتدار الفنان القدير عماد حمدي) واستطاع "ممدوح الليثي" من خلال السيناريو الذي كتبه لهذه التحفة الروائية عن طريق الرسم الجيد للشخصيات والمواجهات المثيرة بينهم .. والجرأة والصراحة في نقد المجتمع أن يقدم فيلماً لا ينسى.