قبلة على جبين حواء

29/01/2015 - 9:44:37

ايمان الحفناوي ايمان الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

في عيد ميلاد حواء، ذكريات كثيرة تحملها روحي لهذه المجلة العريقة التي ساهمت في تكوين عقلية المجتمع المصري، وليست المرأة المصرية فقط, عملت بها لمدة ليست قليلة ثم اتجهت للانتقال إلى مجلة المصور، لذلك فقد اندهشت عندما اتصل بي زميلي وأخي الأستاذ حلمي النمنم ليخبرني أنه قد تم اختياري رئيسة تحرير مجلة حواء، ارتبك تفكيري بشدة، فكيف يمكن أن أقبل؟ البلد في فترة انتقالية، الأمور بعد أحداث 25 يناير غير واضحة، ماديات المؤسسات تأثرت بشدة جراء هذه الأحداث وأصبحت كل المؤسسات تعاني وهو ما يعني قلة الإمكانيات إلى أدنى الحدود، مما يؤثر على جودة العمل ولا شك، كنا وقتها في نوفمبر، أي بعد عشرة أشهر من أحداث يناير، في هذه الفترة تغيرت أشياء كثيرة، تغير الناس واختلفت النفوس، وأصبحت إدارة أي مكان محنة وليست منحة، حاولت أن أعتذر، لكنني لا أنسى كلمة قالها لي،" هل نترك البلد تضيع؟ لو كل منا رفض كيف ستقوم المؤسسات؟ إنه واجب وطني" استخرت الله ووافقت، أنا صحفية على قوة المصور، تركت حواء من أكثر من تسع سنوات، ثم أن ما حدث بمصر جعلني أغلق على نفسي فلا أحد يعرف ماذا سيأتي به الغد، لكنني توكلت على الله واعتبرتها مهمة وطنية، سأقوم بدوري خلال الفترة الانتقالية، وسأترك المكان بهدوء حينما تستقر الأوضاع ، هكذا قررت, دخلت مكتبي في أحد أيام نوفمبر ٢٠١١، قابلني الجميع بترحاب ومحبة، وبدأت المهمة، من البداية كنت أعرف أن من يعمل في هذه الظروف لابد أن يعتبر نفسه جنديا مجهولا، وعليه أن ينجح، من البداية أيضا أعرف أن من سبقوني حاولوا قدر استطاعتهم النجاح، ولكن مشروعات كثيرة لم تكتمل بسبب ما حدث للوطن، وعلىّ أن أبدأ مهما كانت الإمكانيات أو الظروف، أعرف من الحياة ومن دراستي أن الإدراة تكون بشيء من اثنين، إما الإدارة بالصراع، وهي أن تختار مساعديك ممن لا يحلو لهم العيش معا فتضمن الولاء، وإما تختار الإدارة بالأهداف، وهي التي قد لا تضمن لك الولاء السريع لكنها تضمن نجاح المنشأة وتوحيد القلوب السليمة، تضمن الإنتاج ومن ثم حتى من لا يرحب بالتجربة فهو سيحترمها، اخترت الإدارة بالأهداف، وكنت أعرف مقدما أن رئيس العمل ليس به وحده يتم النجاح، لكن لابد من اختيار سليم لمعاونيه، واخترت من البداية أن يكون معيار الكفاءة والقدرة على العمل الشاق تحت الظروف الصعبة والتحديات هي ما تميز من سأتعاون معهم عن قرب، كنت أعرف أيضا أننا نمر بظروف صعبة جدا ماديا واجتماعيا في بلد أصبح يعاني، بلد خرج لتوه من ثورة ويحاول أنا  يتلمس الطريق، انتخابات، إشاعات، مظاهرات هنا وقنابل مسيلة للدموع هناك، سقوط الأقنعة، كل هذا يحدث من حولنا وعلينا أن نحافظ على مجلتنا راسخة، أيضا الأحداث متلاحقة متباينة فعلينا في ظل  ظروف أمنية صعبة أن نكون في الشارع نضع أيدينا على نبض الوطن، كانت مهمة صعبة لكنها ضرورية، في ظل إعلانات توقفت وقراء أصبحوا لا يعرفون أين الحقيقة وصراعات بدأت مع الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية، أعتبرها أهم فترة في حياة مصر منذ أربعين عاما، لم أضع الصداقة ولا الميل الشخصي في اختياراتي، اخترت ما حاولت جاهدة أن أراعي فيه ربي وضميري الصحفي وقيم المهنة، وكنا فريقا رائعا، من البداية انتهجت درب فريق العمل، فقد رأيت بعيني الرئاسة المنفردة وما تفعله، علينا أن نكون جميعا فريق عمل تماما كالفرقة الموسيقية التي تعزف أجمل السمفونيات، كل عازف فيها له مهمته ولا يمكن للفرقة أن تبدع بدون أحد العازفين، وعلى المايسترو أن يجتهد في الربط بينهم، في البداية كنت أشعر ببعض المشكلات لكن مع الوقت ذاب الجميع في العمل الجماعي، حتى من كان متمهلا في المشاركة بدأ يشارك ويتفاعل، لن أنسى أبدا، ما بذله كل الزملاء شباب وجيل وسط وجيل رواد، واختص الزميلين العزيزين الأستاذة ماجدة محمود والتي تعمل الآن رئيسة تحرير المجلة وكانت وقتها مديرة التحرير، والأستاذ محمد الحمامصي الذي يترأس الآن كتب الهلال للأولاد والبنات وكان أيضا مدير تحرير مجلة حواء، كل منهما أصبح رئيس تحرير ناجحا في مكانه لأنهما بالفعل يستحقان، كانا خير عون وخير شريك في نجاح حفرناه بأظافرنا على صخرة واقع في أصعب الأوقات، كانا يأتيان قبل الجميع ويذهبان لبيتهما بعد الكل، حاول كل منهما أن يكون عينا على الأحداث وما يجري بسرعة في البلد من حولنا، وأن يدير في نفس الوقت تحرير المجلة بما يستتبعه ذلك من الإشراف على المواد المكتوبة وكل ما يتطلبه العمل الصحفي، لم يكن أحدنا يعمل في مكانه فقط بل نعمل جميعا في كل المجالات، لسنا وحدنا، ولكن الجميع معنا، الكل يعمل ويتعاون كخلية نحل، شباب المجلة كانوا يغامرون بحياتهم ليلتصقوا مع الأحداث ويخرجوا بتحقيقات نابضة بالحقيقة، الأستاذ أيمن أبو اليزيد المشرف الفني كان في مكتبه بشكل متواصل لتخرج المجلة بما يسر الخاطر، الأستاذ حسن عبد الرحيم كان يخرج في كل مظاهرة ليعرف ماذا يدور، ولن أنسى محمد وكريم  كنت أعتبر كل منهما ابنا لي، شباب في عمر الزهور، لم يكن قد تم تعيين أي منهما، أعطيا وقتهما كله للجلوس بالساعات  أمام شاشة الكمبيوتر، حتى الراحل سيد عامل البوفيه كان فردا مهما من أفراد الفرقة التي صارت تعزف بشكل متسق ومتناغم، أجمل يوم في الأسبوع كان يوم اختيار الغلاف، لم أحب أن انفرد بالقرار كنت قد انتهجت مبدأ أن نقوم بعقد اجتماع لنختار معا شكل الغلاف، أحيانا كانت المهمة تستغرق ساعات طويلة وأحيانا تستمر لليوم التالي، قبل اجتماع الغلاف كنا نطرح أهم فكرة في العدد ليفكر كل منا مع نفسه ثم نلتقي في اليوم التالي لنطرح أفكارنا، لم يكن اجتماع الغلاف قاصرا على مجموعة الإدارة لكننا كل مرة كنا نشرك  معنا أحد الزملاء، مرة من الشباب إذا كان الغلاف يركز على هذه المرحلة، وهكذا، نأخذ الاقتراحات ثم نبدأ في التفكير، كل منا يقول ما يراه لنخرج في النهاية بما نريده يسجله الأستاذ أيمن في خياله ثم يبدأ العمل، ولا أنسى أننا مرة أخذنا رأي سيد عامل البوفيه فقد كان الغلاف يهم طبقة العمال، وكان رأيه وقتها له وجاهته فأخذنا ببعضه. كنا نجتمع على مائدة متواضعة للغداء في أحد المكاتب، كنا نقتسم اللقمة ونقتسم التجربة، تفرحنا الكلمات الصادقة التي تمتدح مجهودنا، لكن ما كنا نواجهه من كلمات انتقاد لم تكن تحزننا بل تجعلنا نقيم ما يراه البعض، نجلس معا ونناقش ما دار ونصل إلى نتيجة من اثنتين، إما أنها كلمات أحقاد فلا نعيرها اهتماما بل تشعرنا أننا فعلا نجحنا، وإما كلمات هي نصيحة خالصة لوجه الله فنضعها في اعتبارنا، نجحنا معا وعبرنا بالمجلة معا، وكانت تجربة رائعة لم يفسدها علينا شيء والحمد لله، الكل كان متعاونا ويحاول اللحاق بالركب حتى يشارك في النجاح، ثمانية شهور فقط لكنها كانت من أهم الفترات الصعبة التي مر بها الوطن، والتي استطعنا فيها بفضل الله ورعايته أن نحصد فيها نتيجة جهدنا، وانتهت الفترة بأنني قدمت استقالتي وكنت جادة فيها، فقد أديت مهمتي وعلى أن أنسحب من المسرح لأنه مع وجود رئيس جديد  فقد انتهت مهمتنا، وعلى الإنسان الذكي أن يعرف متى يترك المسرح والجمهور يصفق له، هذا القرار رغم أنه هو ما شكل قناعتي إلا أنه أثار غضب معظم الزملاء فقدموا اعتراضا لمجلس الشورى يطلبون فيه عدم قبول استقالتي، هذا الطلب منهم رغم أنني لم أنفذه واعتذرت لهم عن ذلك إلا أنه صار قلادة على صدري وتاجا فوق رأسي وأصبح هو مكافأتي الحقيقية على هذه الفترة التي قضيتها بينهم لم أر منهم إلا كل المحبة وكل التعاون، سلام لكل الأحباب في مجلة حواء، وأعتذر لأي زميل غضب مني في قرار أو موقف، فأقسم بالله العلي العظيم يمين يحاسبني عليه الله يوم الدين أنني ما قصدت إلا المصلحة العامة وما ضمرت لأي منهم إلا كل المحبة والسلام والخير، وأخيرا إذا أردت أن أقدم درسا في كلمة لأي زميل عزيز يتأهب لتقلد أي منصب، فليسمعها مني فقد عملت بها ولذلك حققت راحة بالي وحب أصحاب القلوب السليمة "من اعتمد على غير الله أخلاه الله منه".