يا ابنتى لا تحيرينى معك

29/01/2015 - 9:43:12

احسان عبد القدوس احسان عبد القدوس

كتب - إحسان عبدالقدوس

قالت الابنة وهى تبتسم فى غرور كأنها تعودت أن تكون أستاذة لأمها:


- لماذا لا تسألينى عن مستقبل الزوجة المطلقة حتى نتم حديثنا؟


ورفعت الأم رأسها وكأنه رأس مثقل بالهموم وقالت فى حدة:


- لا طلاق ولا زواج.. دعينى فى حالى.. إنكن تضيعن الوقت فى الكلام الفاضى والفلسفات السخيفة هربا من هموم الواقع..


وقالت الابنة فى جزع وهى تشفق على أمها:


- أية هموم يا ماما؟


وقالت الأم فى سخط وهى تنظر إلى ابنتها فى غيظ:


- هموم الحسابات .. إنك تأكلين وتشربين وتلبسين وتخرجين وتدخلين دون أن تحملى هم الحسابات.. دون أن تسألى نفسك بكم أكلت وبكم شربت وبكم لبست.. أنا وحدى فى هذا البيت التى تسأل نفسها كم دفعت وكم بقى معها من مصروف البيت .. أنا لم أعد أمكم إنما أنا دفتر حسابات يضع نفسه فى خدمتكم..


وقالت الابنة وهى تبتسم فى حنان:


- أنت لست دفتر حسابات .. أنت وزيرة المالية..


وصاحت الأم :


- لقد قررت وزيرة المالية الاستقالة وتعالى حضرتك وامسكى الحسابات وتولى المصروف..


ومالت الابنة تقبل أمها وقالت ضاحكة:


- اجتمع مجلس إدارة العائلة ورفض الاستقالة.. وقرر أنى خيبة ولا أساوى شيئا بجانب ماما..


وهدأت الأم وقالت وهى تتنهد فى أسى :


- الحالة أصبحت صعبة جدا يا ابنتى ..


وقالت الابنة مواسية:


- إنها صعبة منذ زمن طويل فماذا جد حتى تثورى هذه الثورة..


وقالت الأم وهى تبتسم ابتسامة ساخرة:


- الذى جد أنى أردت أن أشترى لكم كيلو برقوق..


وقالت الابنة فى دهشة:


- وماذا حدث؟


وقالت الأم فى لوعة :


- هل تعلمين بكم يباع كيلو البرقوق .. بمائة وخمسين قرشا .. جنيه ونصف الجنيه .. وجنت عندما علمت بالثمن .. البرقوق بـ150.. وكيلو اللحم بـ220وعلبة السمن بثلاثة جنيهات .. وكيلو البامية بدأ بـ 150وتوقف عند 30والبطيخة التى لا تصلح للأكل باثنين جنيه.. حتى صابون الغسيل اختفى ولا أدرى بكم يباع فى السوق السوداء .. و.. و... لم يعد مرتب أبيك يكفى لنعيش حتى لو نال عشر علاوات ومكافآت ..


وسكتت الابنة برهة كأنها تفكر ثم قالت :


- الواقع أننا يجب أن نغير أسلوب حياتنا ..


وصرخت الأم :


- لا تبدئى فى الفلسفة.. لا تدوشى دماغى بآرائك السخيفة ..


وقالت الابنة وهى ترد على صرخة أمها:


- دعينى أقول لك كيف يعيش الناس العقلاء.. فى أوروبا أو فى أمريكا.. إنهم هناك لا يشترون البرقوق بالكيلو ولكنهم يشترونه بالواحدة .. ولا البرتقال .. ولا الموز .. كل شىء يباع بالقطعة .. بالواحدة .. وكان يمكنك أن تشترى أربع حبات برقوق.. واحدة لى وواحدة لك وواحدة لبابا وواحدة لأخى .. هذا يكفينا..


وصاحت الأم فى حدة:


- هل أضع أربع برقوقات على المائدة .. هل سرقتهم من على الشجرة .. أم خطفتهم من الجيران .. إنها تكون فضيحة ..


وقالت الابنة وهى أشد حدة:


- الفضيحة أن نشترى لمجرد استكمال المظهر، وتعتقدى أن المظهر هو الذى يفتح الشهية للأكل.. فى حين أنه يكفى كل واحد منا برقوقه .. مجرد مذاق حلو نختم به الأكلة..


وقالت الأم ساخرة:


- الباعة لايبيعون البرقوق بالواحدة ولكنهم يبيعونه بالكيلو..


وقالت الابنة جادة:


- تستطيعين أن تطلبى من البائع أن يزن لك الأربع حبات.. وقد يزنوا ربع كيلو أو واحد على عشرة من الكيلو.. ولا تدفعى إلا قيمة وزنهم.. ثم أننا نأكل بطيخة كاملة فى الوجبة الواحدة فى حين أن هذه البطيخة يمكن أن تكفينا ثلاث وجبات على ثلاثة أيام.


وقالت الأم فى سخط:


- هذا كلام فاضى .. خرافات فلسفية لايمكن أن يقبلها الواقع ..


وقالت الابنة فى هدوء:


- يا أمى أفهمينى.. أننا نسرف فى ملء بطوننا.. وهو دليل التآخر، لأن غريزة الأكل هى متعة للإنسان.. وكلما كان الإنسان متأخرا كلما اشتدت سيطرة غريزته عليه.. فنحن نأكل لا بقدر حاجتنا للأكل ولكننا نأكل مستسلمين لمتعة الأكل حتى لو نفخنا بطوننا..بعكس الإنسان المتقدم فهو يحاول أن يعود نفسه على ألا يأكل إلا بقدر حاجته.. ونحن هنا نأكل ثلاث وجبات كاملة فى اليوم.. وفى كل وجبة نلتهم ثلاثة أطباق .. طبق من الخضراوات وطبق من اللحم وطبق من الأرز ثم فوق ذلك طبق الحلوى أو الفاكهة.. فى حين أن الإنسان الراقى عود نفسه على ألا يأكل إلا وجبتين كاملتين.. وجبة الإفطار ثم وجبة العشاء المبكر، أى عشاء الساعة السابعة مساء وهو موعد انتهاء ساعات العمل.. وفى كل وجبة يتناول طبقا واحدا يجمع بين كل الأصناف .. أى أن كل ما يأكله لا يزيد على سعة طبق واحد لا سعة ثلاثة أطباق كما نفعل نحن .. وبعده يتناول طبق الحلوى أو الفاكهة..


وقالت الأم ساخرة..


- خلاص .. من اليوم سألغى طعام الغداء أو طعام العشاء ..