سيدة العرفان والعطاء

29/01/2015 - 9:38:55

قبال بركة قبال بركة

كتبت - إقبال بركة

رن جرس التليفون فى بيتى وسمعت من يسأل عنى ثم يقول: "معاكى الأستاذ مكرم محمد أحمد." دهشت و انتابتنى حيرة شديدة، فلم تكن لى أية علاقة بالكاتب الكبير سوى أنه كان نقيب الصحفيين فى ذلك الوقت، وقبل أن أفيق من دهشتى سمعت الأستاذ يطلب لقائى فورا وأن سيارته ستأتى بعد نصف الساعة لتحملنى إلى دار الهلال.


تأملت مدخل الدار العريقة بأسقفه العالية والنجفة الضخمة التى تتدلى من السقف والسلالم العريضة التى تصلك بمصعدين على جانبيها. مشهد يختلف تماما عن المدخل المتواضع لمؤسسة روزاليوسف  التى أعمل بها، وانتابنى شىء من القلق.. إذن فقد صدقت الشائعات التى ترددت فى الوسط الصجفى حول اختيارى لرئاسة تحرير مجلة حواء، وتردد لغط كثير حول اعتراض بعض كبار كتاب الدار على ذلك الاختيار الذى اعتبر تجاهلا لبنات الدار.. فالاتجاه العام الذى كان سائدا فى تسعينيات القرن الماضى أن الصحف أبعديات يرثها العاملون فيها ولا ينبغى أن تخرج عن نطاق العائلة.


صدر قرار تعيينى رئيسة لمجلة حواء  بعد أيام قليلة وكنت استعد للسفر إلى  فيينا عاصمة النمسا للمشاركة فى مؤتمر الأمم المتحدة ولم استطع إلغاء السفر فسافرت وعدت لأجد غرفتى فى الدور الثانى بالدار تزدحم بسلال الزهور والورود من المهنئين بالمنصب وأغلب المهنئين من رجال ونساء لم التق بهم من قبل. فى لقائى مع الأستاذ مكرم  بحضور الراحل عبد الحميد حمروش - الذى كان نائب رئيس مجلس الإدارة فى ذلك الوقت - قال لى الأستاذ الكبير: "اخترتك لأنك أفضل من سيقوم بمهمة إحياء المجلة، ولكن لى عندك طلب واحد ألا تقلبيها روزاليوسف.".. فهمت طلبه وقلت على الفور: "إذا كنت تطلب ألا نخوض فى السياسة آسفة جدا لن أعدك بذلك لأنى أرى أن المجلة النسائية يجب أن تُعنى بكل شئون الحياة وتقدم لقارئاتها كل ما يهمها كمواطن بلا أى استثناء.. المرأة اليوم اتسع فضاؤها ليشمل السياسة والعلم والثقافة.. إلخ".. ولم يعلق أستاذى ففهمت أنه غير معترض، وبدأت رحلة  طويلة امتدت لأربعة عشر عاما من العمل الشاق ولكنها مرت كلمح البصر. اليوم أنا مطالبة بكتابة ذكرياتى عن فترة رئاستى لحواء.. هل أصبحت حواء مجرد ذكرى؟ هل يمكن لكل السنوات التى انقضت أن تنكمش  وتنزوى فى صفحة أو صفحتين؟ سنوات اللهاث وراء الأخبار، اصطياد اللحظات الحاسمة فى تاريخ مصر والشخصيات العامة لتقديم وليمة أسبوعية تنافس بعضها بعضا فى سباق محموم مع الأحداث.. ما أن ننتهى من عدد ونلقى به إلى المطبعة حتى يبدأ العمل فى العدد الذى يليه.. أغلب الموضوعات التى أثرناها سبق وأن أثيرت من قبل، فليس من الأخلاق أن ندعى أن حواء تحت رئاستى بدأت من الصفر  ونتجاهل كل الجهود التى بذلت على مدى أربعة عقود سابقة.. ربما أصبحت حواء أعلى صوتا وأكثر جرأة وأوسع حضورا  وانتشارا خاصة بعد التجديد المبهر الذى أبدعه الفنان الكبير محمد أبو طالب فى إخراجها وجعلها تنافس أشهر المجلات العالمية، ولكن لكى لا أصدم الصديقة  والأخت العزيزة ماجدة محمود سوف أعود بذاكرتى إلى تلك الفترة التى اتسعت فيها دائرة  حواء فلم تعد تكتفى بعرض مشاكل المرأة والبحث عن حلول لها بل خطت إلى الأمام خطوة عملية لتساهم فى تقديم  بعض الحلول لنشجع قارئاتنا على العمل المنتج والإبداع والتسلح بالمعرفة، وقمنا بالإعلان عن  مسابقة معلومات عامة تنشر فى كل الأعداد بين الشباب المستعدين للزواج، كما تم تكليف المحررات الشابات بالبحث عن أفضل عشر سيدات مصريات نلن جوائز وتقديرات عالمية، وفى مناسبة عيد ميلاد حواء كنا نقيم حفلا ساهرا كبيرا تحييه فرقة صديقى العزيز الفنان الكبير سمير صبرى مجانا ويتم توزيع جوائز الفائزين فى مسابقة حواء (شقق وفساتين زفاف وأجهزة منزلية) تبرع بها أصدقاؤنا المؤمنين بالرسالة النبيلة التى تقوم بها حواء، وأحيانا كنا ندعو أشهر مصممى الأزياء المصريين إلى لجنة تحكيم لاختيار أفضل فستان صممته وخاطته قارئة حواء.. قبل الحفل بعدة أسابيع كانت حواء تتحول إلى خلية نحل  يشارك الجميع فى كل تفاصيل الإعداد للاحتفال، وفى ليلة الاحتفال يقفون صفا لاستقبال المدعوين من كبار الشخصيات والفنانين والكتاب والوجوه تطفح بالبشر والتفاؤل.. لم نكلف دار الهلال مليما واحدا فى تلك الحفلات السنوية التى بلغت ذروتها عام 2005 عندما احتفلنا باليوبيل الذهبى لحواء.. أقبل كل أصدقائنا على المساهمة فى حفل كبير يليق بفاتنة الصحافة النسائية.. وافق الوزير الفنان فاروق حسنى على تقديم  المسرح الكبير بدار الأوبرا هدية لحواء مصر وقدم مطربو فرقة الفنان الكبير سليم سحاب أروع مواهبهم وعزفت الرائعة نسمة فنانة الاكسيليفون على آلتها أروع الألحان، و لم تنس حواء أحباءها الذين ساندوها فى مشوار الصحافة الحرة فكرمتهم جميعا وقدمت لهم أسمى آيات العرفان: التربوى الكبير د. صديق عفيفى رئيس جامعة طيبة ورجال الأعمال د. حسن راتب والريدى ولفيف من المسئولين والفنانين والكتاب.


وتتدفق الذكريات وما أكثر المواقف الصعبة التى واجهناها معا كفريق عمل والأوقات المرحة التى مرت بنا ونحن نذلل العقبات ونتخطى الصعاب فنزداد تماسكا وصلابة ولحظات الانتصار التى كانت تدل على صحة أفكارنا وسلامة طريقنا، وقد تأتى مناسبات أخرى لنسردها ولكننى قبل أن أنهى مقالى أعتز بأننى فتحت أبواب التليفزيون لحواء، ومن بعدها الإصدارات الأخرى لتتحدث أسبوعيا إلى المشاهدين عبر برنامج غدا تقول الصحافة.


و لنا لقاءات أخرى معا لنستعيد الذكريات..