ملاحظات حول مهنة الكتابة الصحفية

29/01/2015 - 9:35:26

احمد بهاء الدين احمد بهاء الدين

كتب - أحمد بهاء الدين

قال الحكيم الرومانى القديم سنيكا: »تزداد شجاعة الإنسان كلما ازداد بعداً عن ساحة الحرب«.


وهذا القول ينطبق على كثير من الزعماء والساسة والكتاب الصحفيين أيضا، الذين أريد أن أتحدث عنهم قليلا اليوم، متقدما من حزازات الكتاب لا تعنى القارئ فى شيء وأنها لايجوز أن تكون موضوعا للكتابة وشغل الناس.


وقال أناتول فرانس أيضا: »حذار من المرأة التى تكثر من التحدث عن الشرف! .«


وهذا أيضا قول ينطبق على بعض الكتاب البعيدين عن الساحة - والذين مع ذلك، هم مغرمون دائما بتلقين غيرهم دروسا فى الوطنية، وفى شرف الكلمة كلما سنحت لهم فرصة الكتابة.


ولست أدرى لماذا لا يتعود هؤلاء على أن يناقشوا ما لايرونه صحيحا بمنطق المناقشة والجدل فحسب، دون أن يضيفوا إليه ذلك المذاق المر من الاتهام والتجريح والتباهى بالشجاعة والشرف.


ولست أذكر إلا فى القليل النادر جدا، أنى حاولت أن أرد على مثل هذا النوع غير البريء من الكتابات, لا عن ترفع ولا عن ثقة مطلقة بالصواب، ولكن عن عدم رغبة فى النزول إلى ساحة تهبط بنا جميعا، منتصرين ومهزومين، مخطئين ومصيبين فى نظر القارئ مدخراً ما لدى من قدرة على الكتابة أو الجدل للذين يجادلون بالتى هى أحسن، وبموضوعية وحسن قصد.


والقلة المغرمة بكتابات التجريح والتشكيك من السهل دائما نسفها نسفا وتدميرها تدميرا، لو لجأ كل واحد منا إلى كل ما فى جعبته من أسلحة فى هذا المجال ولكن هذا يكون عادة على حساب سمعة المهنة كلها أمام القارئ, مهنة الكتابة وصحافة الرأى التى أدركتنا »حرفتها« بكل آلامها، وتحملنا جميعا هذا القدر الذى كتب علينا بدرجات متفاوتة ربما فى الرضى والاستسلام لهذا القدر.


ذلك أنه يكفى أن يقول المرء لهؤلاء: إنهم لا يكتبون من مصر ولا لمصر, وغيرهم - مثلي-  يكتبون من مصر ولمصر.


وأليم على النفس أن يرد الإنسان على أناس يحبون الظهور بمظهر الاستشهاد والتضحية ونحن نعلم أنهم مستعدون لتغيير موقفهم لدى أية إشارة أو دعوة فيها أى إغراء ولو جاءت ممن يعارضون بالذات .


أليم على نفسى على الأقل أن أقول لهم: إن من لم يعرض عليه الاغراء لم يضح بشيء إلى جانب من عرض عليه المرة بعد المرة فأبي, وأقول لهم إننى فى بلادى قد عرض على منصب الوزارة مرتين وأنا فى سن الشباب فاعتذرت, وإننى توليت أكبر المناصيب الصحفية فى بلادى وتركتها فى بعض الظروف مختارا عندما تعارض هذا مع قناعاتى السياسية مؤثرا أن أظل كاتبا وفيا لجوهر مهنتي، وهى أمانة الرأى مع القارئ أولا، ومع الحاكم ثانيا.


وقد كانت تربطنى بالرئيس السادات صداقة شخصية ترجع إلى ما يقرب من العشرين سنة ومع ذلك، فمنذ توليه السلطة والحكم تعرضت للفصل من عملى مرتين، وتعرضت لقرار بمنعى من الكتابة بضع سنوات بقيت حتى فارق الرئيس هذه الحياة، وتعرضت لظروف حملتنى كما حملت غيرى على نوع من الهجرة الاختيارية أقول هذا فقط لكى  أشرح لهم أننى واحدا من الذين دفعوا الثمن الذى دفعه أى منهم دون مباهاة سواء كان اضطراراً إلى نوع من الهجرة أحيانا أو الاعتزال أحيانا أخرى والبعد عن فلذات الأكباد، والثمن المعنوى الذى هو أقسى من أى ثمن مادى وهو: حرمان الكاتب من أن يكتب حرفا فى صحافة بلاده ولقرائه الأصليين الذين شب بينهم واجتهد لهم أول ما شب عن الطوق وأول ما اجتهد, وهذا حرمان لا يعرفه إلا من يقاسيه ومثلى فى ذلك عشرات بل مئات من أبناء الكتاب والصحافة فى مصر, ومع ذلك فلم نتاجر بخلافاتنا مع السادات ولم يكن مذهبنا الحملات الشخصية التجريحية عندما كان ذلك أمرا يجلب سعة الانتشار وما وراءها من مغانم.