هذا الفيلم يجب أن يمنع وهذا الفنان يجب أن يوقف

29/01/2015 - 9:32:12

امينة السعيد امينة السعيد

كتبت - أمينة السعيد

استأت غاية الاستياء وأنا اقرأ فى الصحف خبر قرب تصوير فيلم عن جرائم قتل النساء عنوانه"المرأة والساطور".


وشعرت بالغثيان والاشمئزاز لخبر آخر عن فنان ممن يحترفون إحياء حفلات الزواج وقد هداه ذوقه السقيم إلى إضافة بند لبرنامجه يتضمن تقديم ساطور وبعض أكياس النايلون هدية لكل عروس يقيم لها احتفالا بزواجها..


وهذا الفيلم بعنوانه الاستفزازى، وهذه الهدية بسماجة ذوق صاحبها يمثلان حلقة أخرى من حلقات التشهير بالمرأة المصرية وتقديمها للرأى العام المصري والأجنبى على السواء فى صورة القاتلة سفاكة الدماء، هذا التشهير البشع الذى التقطته الصحافة الأجنبية ونشرت عنه بالبنط الكبير تحت عنوان"نساء مصر سفاحات"..


وأنا هنا أحب أن أتقدم للرأى العام المصرى بالاعتذار نيابة عن وسائل الإعلام وبعض الفنانين السفهاء عن التردى الذى وصل إليه إعلامنا خصوصا المقروء منه والمرئى فيما يختص ببعض القضايا العامة .. وواجب الحق يقضى على أن أحدد التردى ببعض الصحف المصرية وبعض البرامج التليفزيونية لا كلها.. وأن أبرىء الإذاعة من هذه الخطيئة لأن الإذاعة كانت دائما ومازالت معتدلة واعية تراعى الأصول وتحترم القوانين، وتقف من الأمور العامة موقف الجد والصدق والأمانة..


وأقول بصراحة أن أحدا لم ينبني عنه فى تقديم واجب الاعتذار للرأى العام، بل أنا التى أنبت نفسى لفرط شعورى بالخزى لما ترتكبه هيئة أنا فرد من أسرتها بحكم مهنتى الصحفية، وواحدة من أقدم المشتغلين بها بطول السنين التى قضيتها فى خدمتها.. ولأننى احترم الصحافة وأقدس رسالتها أجدنى ألتهب بمشاعر الخزى لموقف بعض الصحف وبرامج التليفزيون من الحوادث التى وقعت فى هذا المجال.. مع أن عدد جرائم قتل الأزواج التى حدثت لا يزيد على خمس أو ست مقابل عشرات بل مئات من جرائم قتل الزوجات.. والنساء القاتلات فى هذه الأحداث المؤسفة جميعهن أميات جاهلات فقيرات لا صدر حنون لهن يلجأن إليه إذا اشتد العذاب بهن، ولا ظهر قوى يستندن إليه فى حمايتهن من جهنم المهانة التى يحترقن بلهيبها.. جميعهن ينتمين إلى الطبقة الكادحة التى لا تعد بناتها لأى عمل يرتزقن منه إذا فاض بهن الأسى.. والزواج بالنسبة لبنات هذه الطبقة هو لقمة العيش التى تعطى لهن فى بيت الزوجية.. مقابل قيامهن بالكنس والمسح والغسل والطهو والولادة وتربية الأبناء وتلبية طلبات الزوج وإرضاء رغباته حتى ولو كانت"هلكانة" من جهد العمل الذى يوشك أن يقصم ظهرها كل يوم من الفجر إلى الليل.. ولقمة العيش التى يسمح لها فى بيت الزوجية هى القليل من الفضل الباقى من أفراد الأسرة.. وإلى جانب ذلك تضرب المسكينة وتشتم ويلعن أبوها ويسب عرض أمها عشرين مرة فى اليوم وتنهال الأقلام على وجهها وتتوالى"الشلاليت" على ظهرها.. وبعد كل هذا يحدث فى كثير من الأحيان أن يقع الزوج فى غرام صبية من سن أولاده، فيتزوجها، أو يشرع فى الزواج منها فإذا فتحت زوجته"المستهلكة" فمها بعد عذاب السنين يقال لها بالفم المليان:"الباب يسع الجمل".


وعندئذ يصبح أمام"الجارية التعسة" أحد خيارين: إما أن تسحق كرامتها إذا كان قد بقى منها شىء، وتسكت، وإما أن تخرج من الباب الذى يسع الجمل، ولكن إلى أين يقودها هذا الباب.. إذا كانت على قدر من الشباب فالدعارة تستقبلها بالأحضان، وإذا كانت قد استهلكت تماما ولم يبق فيها ما يجذب الأنظار فالتسول فى الطرقات أو أمام المساجد هو مصيرها الحتمى، ويقبض عليها المرة بعد المرة وتؤدى عقوبتها ثم تعود إلى التسول مرة أخرى..


عيشة الكلاب.. بل أقل منها.. فمن هذه الحيوانات من يسعده الحظ بالوجود فى أسرة قادرة ترعاه وتطعمه وتدلله وتحميه من البرد فى الشتاء ومن لهيب الحر فى الصيف.. أما الزوجة التعسة فلا سبيل لها للخلاص لأنها كما سبق أن ذكرت لاحيلة لها ولا سيلة.. فهى أمية.. فقيرة.. جاهلة.. عاجزة عن الارتزاق الشريف.. الذى يهيئ لها فرصة التكسب لإسكات صراخ الجوع..


أما السادة الصحفيون والمذيعون والفنانون الذين يسولون لأنفسهم تلقف جريمة قتل الأزواج ليشهروا بالتعيسات، ويؤثروا بمبالغاتهم على سير التحقيق وهو أمر يمنعه القانون ويسن له العقوبات، فيمضون فى غيهم دون أن يجدوا من الناس أو الدولة ما يردعهم.


أما لماذا يحدث كل ذلك؟ فلأن المرأة فى بلادنا محتقرة مهانة مسحوقة، لا تجد فى قوانين الأسرة من يتقى الله، ويجعل من تشريعات الأحوال الشخصية سبيل الحصانة والحماية والشعور بالأمان.. ولو أن التشريعات أمنت بأن المرأة المسلمة إنسان وبشر من لحم ودم، واتقى الله واضعوها، فتذكروا ماورد فى تكريمها بالقرآن الكريم، من آيات بينات.. ما وقعت جريمة واحدة من جرائم قتل الأزواج التى هى فى واقع الأمر الانفجار الطبيعى لبركان العذاب والشقاء.


أين علماء النفس فى بلادنا، وكيف لم يحالوا أن يخوضوا فى نفس القاتلات التعسات بحثا عن المهانة والتحقير والظلم، هذا العذاب الدائم الذى وصل إلى أقصى حدوده فانفجر وأحال الزوجة المسكينة التسعة المظلومة الرحيمة الرقيقة الراضية بقليلها.. إلى ما يشبه الوحش الكاسر؟! لم يحدث شىء من هذا، وكل ما حدث أن خرجت مذيعات هزيلات مع القاتلة المسكينة يسألنها: كيف هانت عليك العشرة؟ كيف سمح لك قلبك أن تقتلينه؟ أين رحمة المرأة؟ وغيرها من الأسئلة السفيهة التى إن دلت على شىء فهو أن المذيعة غير جديرة بمهنتها ولا يصح أن تعمل فى هذا المجال..


كل يوم تحدث عشرات بل مئات من جرائم قتل الزوجات.. هذا رجل رفضت زوجته أن تعطيه إرثها الضئيل ليرضى بثمنه نزواته، فصب عليها وعلى أولادها أثناء نومهم معا الكيروسين وأشعل النار ثم أقفل باب الغرفة وتركهم يحترقون إلى درجة التفحم.. وذاك زوج عاد إلى البيت فلم يجد العشاء قد تم إعداده بعد فضرب زوجته بموقد الغاز فماتت محروقة.. وهذا ثالث طلبت منه زوجته مصروف البيت فضربها بالشومة فحطم رأسها.. وذاك رابع طعن زوجته بالسكين فقتلها ليتمكن من زواج الفتاة الصغيرة التى وقع فى حبها.. ثم ادعى كذبا بأنها سيئة السير.


أحداث لا أول لها ولا آخر، ولكن لاستهانة المجتمع بكيان المرأة، ووجودها، لم تتحرك شعرة فى رأس واحد من السادة الصحفيين المتخصصين فى جرائم المرأة.


ليس هذا فقط فقد بلغ الأمر أن يكذب الكاتب ويفتري كما حدث ذات صباح في إحدى جرائدنا اليومية التي نشرت في صفحتها الأولى خبرا تحت عنوان"انتحر الرجل خوفا من أن تقتله زوجته" وبقراءة الخبر الوارد بالصفحة الأولى مضت التفاصيل على أن الزوج ناقش زوجته ولما ضاق بالمناقشة أتى بالسكين وطعنها إحدى وعشرين طعنة لفظت أنفاسها على إثرها.. فلما تبين أنه قتلها انتابته حالة ندم فراح يضرب برأسه الحائط حتى أصيب بارتجاج فى المخ مات على إثره بالمستشفى!


يعنى أنه هو الذى قتل، ولم ينتحر لخوفه من أن تقتله زوجته، ومات على إثر ضربة الحائط برأسه..


أفلم يكن محرر هذا الخبر يستحق المساءلة العنيفة من نقابة الصحفيين ومن الجريدة التى تستخدمه؟


كل ما أستطيع قوله هو: سامح الله أعضاء مجلس الشعب السابق من السيدات اللاتى وقفن على إثر مقتل أنور السادات، واتهمن قانون الأحوال الشخصية الجديد بأنه قانون جيهان السادات التى كن يقبلن أعتابها وزوجها فى الحكم وطالبن بإلغاء القانون وبالفعل ألغى، وصنع بدله تشريع هزيل لا يحقق للأسرة عدالة ولو ضئيلة.. منهن لله..


وحسبى الله ونعم الوكيل فى الجميع..