يوسف القعيد يكتب : عندما غضبت مني سيدة الشاشة

26/01/2015 - 10:57:57

فاتن حمامة فاتن حمامة

كتب - يوسف القعيد

سنة 1992 عرض التليفزيون المصري وغيره من التليفزيونات المصرية والعربية التي كانت موجودة في ذلك الوقت مسلسل: ضمير أبلة حكمت. كنت أشاهده يومياً. وعندما فكرنا في «المصور» في استضافتها في «حوار الأسبوع». اتصلت بها علي تليفون أرضي. هو تليفون منزلها في الزمالك علي رقم لم تغيره حتي تركها لمنزل الزمالك إلي بيتها في القطامية بالتجمع الخامس الذي ظلت فيه حتي رحيلها عن الدنيا.


كان لها شرط وحيد ألزمتني به. ألا وهو: ألا يسألها أحد في السياسة. وقد قلت لها ضاحكاً: وهل معقول أن نستضيف سيدة الشاشة العربية في حوار طويل بمناسبة نجاح مسلسل: ضمير أبلة حكمت، وتحقيقه أعلي نسب المشاهدة ولا يكون للسياسة مكان في كلامنا؟ أكملت شارحاً إن مسلسلها: ضمير أبلة حكمت. رغم أنه حكايات أفراد. إلا أن السياسة موجودة فيه بشكل أو بآخر. قالت لي: هذا شرطي. واللي أوله شرط آخره نور.


جاءت إلي دار الهلال ليلاً في نفس الموعد الذي حددته لنا بالدقيقة والثانية. وكنا في استقبالها. وتكلمت بحرارة في الفن. وعندما وصلنا للسياسة لم يكن لديها مانع أن تتكلم عن اللحظة الراهنة «1992» ولكن عندما حاول زميلنا: غالي محمد. وكان محرراً في المصور. ربما لم يكن قد أكمل عشر سنوات من عمره الصحفي وقتها أن يستدرجها لحوار حول تجربتها مع ثورة يوليو وهجرتها من مصر ورحيلها عنها. قالت له بخفة ظل: اسكت يا واد انت. بطل كلام. وعندما حاول أن يتشطر عليها ويعيد الأسئلة مرة أخري. قالت له ملوحة بيدها: لو لم تسكت سأضربك. ويبدو أن التهديد بالضرب جعله يتوقف عن طرح أسئلة لم تكن راغبة في الإجابة عليها. أو ربما أنها تكلمت في هذه الموضوعات كثيراً من قبل ولا تريد الاستطراد فيها. ورغم موقفها أقول الآن وبعد مرور سنوات إن السؤال من الصحفي لمصدره مشروع. ولا يوجد أي تحفظ علي أي سؤال علي الإطلاق طالما أنه سؤال. ولم يتعد أرض الأسئلة.


علي أن صلتي بها التي استمرت بعد ذلك جعلتنا نتوقف عند لحظة غضب حقيقية منها تجاهي. فقد كتبت صورة قلمية لها لمجلة: الكتب وجهات نظر. كان عنوانه: فاتن حمامة فنانة من نور. وتحدثت فيه عن زواجها من المخرج والفنان عزالدين ذو الفقار. وإنجابها منه ابنتها نادية. ثم زواجها من عمر الشريف وإنجابها منه ابنها طارق.


غضبت مني بلا حدود. ولم تكن راغبة في إكمال الكلام لتحمي نفسها من كلام تقوله وهي غاضبة. ربما لا ترضي عنه. قلت لها إن ما تكلمت عنه في مقالي زيجات. أي علاقات مشروعة ومعلنة. والكتابة عنها لا تغضب أحداً. قالت لي: أنت بذلك تجرح إحساس محمد. تقصد الدكتور محمد عبد الوهاب زوجها في ذلك الوقت. قلت لها إنني مستعد أن أتصل به وكنت قد تعرفت عليه من خلالها عبر أكثر من زيارة لي لبيتها في الزمالك وبيتها في القطامية.


حذرتني بشدة من إثارة الموضوع مع محمد - هكذا كانت تحب أن تنطق اسمه لا تسبقه بلقب دكتور ولا تلحقه بعبد الوهاب - ولأنها كانت جادة في تحذيرها الذي ربما وصل لحدود تحذيرها لزميلنا غالي عندما جاءت إلي دار الهلال. فلم أثر الموضوع مع الدكتور محمد عبد الوهاب في أي لقاء أو اتصال تليفوني بعد ذلك.


ولا أعرف إن كانت هذه الكتابة الآن يمكن أن تغضبه بعد أن أصبحت فاتن حمامة في دار الحق ونحن ما زلنا في دار الباطل. لكنني حاولت أن أقنع نفسي بعد هذه الواقعة أنها ربما كانت تتزيد في المبدأ الذي أخذت به نفسها منذ ظهورها لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي. وحتي رحيلها عن الدنيا وهو الفصل التام بين الخاص والعام في حياتها. كل ما يخص الإنسان كإنسان يجب أن يبقي بعيداً عن جميع الأمور العامة في حياته مهما كانت المبررات.


ولم يكن يزعجها ممن ارتبطت بهم - ولا داعي لتحديد الأسماء - فالقارئ الفطن سيعرف من أقصد لأنني مؤمن أن "الحدق يفهم" وأهل مصر هم الذين ابتدعوا كل الأشياء الجميلة في الدنيا. كان هناك من يتكلم عن علاقته بها علناً. ويتحدث عن حبه لها علي رءوس الأشهاد. وكانت تغضب وتحتار ماذا يمكن أن تفعل؟ ثم تلوذ بصمت كنت أقدر لها قدرتها عليه. خاصة عندما تشعر بغضب حقيقي. كانت تقول إن أخطاء الآخرين يمكن أن تجرح. ولكن خطايا الأقارب فإنها تصيب حبة القلب.