من شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومگارم أخلاقه

26/01/2015 - 10:55:38

د . احمد عمر هاشم د . احمد عمر هاشم

كتب - د. أحمد عمر هاشم

إن ثمرة الدراسة التحليلية للسيرة النبوية العطرة، أن نقف على الحياة النبوية الشريفة، التى تعتبر السيرة بالنسبة لها تجسيداً حياًّ لحياته (صلى الله عليه وسلم) فى جميع أطوارها.


وواضح أن حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، قد نقلت جميعها بكل تفاصيلها، نقلت كلياتها، وجزئياتها، وليس فيها شىء سِرِّى، ولا أمر خفى.


فحياة الكثير من عظماء البشر فيها جوانب معروفة، نقلها التاريخ وعرفها الناس وتناقلوها، وفيها جوانب سرية، وأمور خفية، لم يذكرها التاريخ، ولم يعرف أحد من الناس عنها شيئاً، خاصة الأمور الأسرية، والأمور التى تتعلق بأسرارهم، أو التى يمكن أن يتوجه النقد إليهم بسببها، بل ربما أخفى بعض عظماء التاريخ الكثير من صفحات حياتهم لأنهم يعتبرونها شخصية أو لا يحبون أن يعرفها عنهم أحد..


حياة سيدنا محمد بن عبدالله (عليه أفضل الصلاة والسلام) نقلت بحذافيرها، وجميع أطوارها ما قبل الرسالة وما بعدها وحياته فى السلم وفى الحرب، وفى النوم وفى اليقظة، وفى الأسرة وخارج الأسرة، وفى الجد وفى غيره.. بل إن الأمور التى تعتبر عند البعض أمورا شخصية وأسرية وخاصة نقلت أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يعد فيها شيء خفى حتى حياته مع زوجاته، حتى ما كان يقوله عند معاشرة زوجاته: » بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا« حتى كيفية قضائه لحاجته، وكيفية اغتساله، إلى غير ذلك من الأمور.. وبماذا نُقلت؟ إنها نقلت بأدق طرق النقل التى لا تعرف الدنيا لها مثيلا، حتى أن علماء الحديث النبوى وأرباب الرواية، ابتكروا علما لم يسبقوا إليه، وهو علم : «مصطلح الحديث وزنوا به كل خبر جاءهم عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأدق طرق النقل التى لا تعرف الدنيا لها مثيلا، وإنما نُقلت كل حياته على هذا النحو؛ لأنه (صلى الله عليه وسلم) خاتم للأنبياء والمرسلين، فلا نبى بعده ولا رسول، لأن رسالته عامة وخالدة إلى أن يقوم الناس لرب العالمين، ولأنه (صلوات الله وسلامه عليه) هو الأسوة الحسنة الذى يقتدى به في: قوله، وفى فعله، وفى تقريره، وفى صفاته، كما قال رب العزة سبحانه:


«لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا» (الأحزاب : آية 21)


فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الأسوة الحسنة المستمرة إلى أن تقوم الساعة، أكمل «الله» على يديه الدين، وأتم به النعمة، كما قال «الله» سبحانه وتعالي: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا». (المائدة : آية3)


وكان متمما لمكارم الأخلاق التى نادى بها مَنْ قبله من الرسل فجاء كمالها وتمامها على يديه، كما قال (صلوات الله وسلامه عليه): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».


وكما تحدث الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) عن موقفه من إخوانه السابقين، من الأنبياء والمرسلين حين قال: »مَثَلِى ومَثْلُ الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأجمله وأحسنه إلا موضع لبنة فى زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟!، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».


ومن أجل هذا كله نرى أن «الله» تعالى جمع فى رسوله (صلوات الله وسلامه عليه) جميع الشمائل الحميدة، والمكارم الفريدة، وما كان عليه الرسل السابقون من هدايات جمعها «الله» له وقال: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» (الأنعام: آية 9)


ومن قول الإمام على (كرم الله وجهه) فى وصف شمائل الرسول (صلى الله عليه وسلم): كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بِشْرَه وخُلُقَه، ويتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عما فى الناس. ويحسِّن الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عناد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه.


وقال الحسين (رضى الله عنه) - فسألته - أى سأل الإمام عليا (كرم الله وجهه) عن مجلسه (صلى الله عليه وسلم) كيف كان؟ فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر «الله» تعالي، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك، يعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالَسَه أو فاوضه فى حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف..


ومن مكارم أخلاقه، فى معاملة الناس أنه كان يتغافل عن سفه أهل البـاطل، ويقبل ظواهر أقوالهم، روى أن جــماعة من اليهود استأذنوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال (صلى الله عليه وسلم): «يا عائشة إن الله يحب الرفق فى الأمر كله»، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلت: وعليكم». فهم يقصدون «السام» بمعنى الموت، فأجرى القول على ظاهره منهم، وقال فى الجواب: و«عليكم» أى عليهم مثل قَوْلهم..


> وكان عليه الصلاة والسلام شديد الحياء، عن أبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشدَّ حياء من العذراء فى خِدْرها، فإذا رأى شيئا يكرهُهُ عرفناه فى وجْهِهِ»، وقد عرف العلماء الحياء بأنه خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصر فى حق ذى الحق.


وهو من أهم شعب الإيمان، ولذا خصه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالتنبيه عليه، عن أبى هريرة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: »الإيمان بضْع وسبعون شعبة أو بضع وستون شُعْبَة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان».


وثمرة الحياء: الخير فى كل ما يأتى الإنسان وفى كل أقواله وأفعاله وأحواله عن عمران بن حصين (رضى الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الحياء لا يأتى إلا بخَير».


> ومن سمات الوقار والسكينة أنه كان (صلوات الله وسلامه عليه) إذا ضحك تبسَّم ولا يقهقه، عن عائشة (رضى الله عنها) قالت: »ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مُسْتجْمِعاً قّطُّ ضاحكا حتى تفرى منه لَهَوَاتُه، إنما كان يتَبَسَّمُ» ومَعنى كلمة (مستجمعا) أى يبالغ فى الضحك و«اللهوات» جمع لهاة وهى اللحمة التى فى أقصى سقف الفم.


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم) ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه:«ما عاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه».


> ومن شمائله الكريمة، ومكارم أخلاقه العظيمة: سخاؤه الكثير، وجوده الذى فاق الرياح المرسلة، عن أنس (رضى الله عنه) قال: «ما سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جَبَلَينِ، فرجع إلى قومِه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحَبَّ إليه من الدنيا وما عليها.


وعن عائشة (رضى الله عنها) أنهم ذبحوا شاة، فقال النبى (صلى الله عليه وسلم): «ما بقى منها؟» قالت: ما بقى منها إلا كتفها قال: «بقى كلُّها غيرَ كتفها».


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم): حِلْمُه وصُفْحُه، عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) قال: كنت أمشى مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليه بُرْدٌ نَْجرانى غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فَجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أثّرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لى من مالٍ الله الذى عندك، فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ضحك ثم أمر له بعطاء. وهذا الحلم والصفح من أهم العوامل التى أثرت فى قلوب الناس وجعلتهم يلتفون حوله، فلو كان فظا أو غليظا لانفضُّوا من حوله.


ومن ذلك أيضا: ما رواه ابن مسعود (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): »لا يبَلّغنِى أحَدٌ عن أحَدٍ من أصحابى شيئا، فإنى أحبُّ أن أخْرُجَ إليهم وأنا سلِيمُ الصَّدْرِ« قال عبدالله: فأُتِى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمال فقسمه، فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان: والله ما أراد محمد بِقسمته التى قسمها وجه الله ولا الدار الآخرة، فتثبَّتُّ حين سمعتهما، فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأخبرته فاحمرّ وجهه وقال: «دعْنى عنك، فقد أوذى موسى بأكثر من هذا فصَبِرَ». فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو أكمل الخلق، وأطهر الناس وهو المعصوم، ومع هذا لا يحب أن يبلغه أحد عن أحد شيئا حتى لا يتأثر بكلام الناس بعضهم عن بعض، فما بالنا بنا نحن سائر البشر ونحن غير معصومين، لاشك أن نقل الكلام يوغر الصدور ويشيع الضغائن، ويمزق أواصر الود بين الناس.


وهذا التوجيه النبوى إلى جانب هذا يرشد بعض الناس الذين يتلمسون نقائص الناس، ويتصيدون أخبارهم وزلاّتهم، وبعض المسئولين يتجسسون على إخوانهم ويحاولون إلْصاق بعض التهم بهم، يرشدهم هذا التوجيه النبوى إلى البعد عن مثل هذا السلوك بل إن بلغهم البعض شيئا عن الآخرين لا يكون الواحد منهم رجلا أُذُنا يسمع كل ما يقال، ويصدق كل ما يسمع، ويتحامل على الآخرين ظلما وعدوانا.. بل حتى لو حدث ما قيل فعليه أن يقتدى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى قال لمن نَقَل إليه: »دَعْنى عنك، فقد أوذى موسى بأكثر من هذا فصبر».


> ومن مكارم أخلاقه (صلى الله عليه وسلم): تواضعه، فقد كان عليه الصلاة والسلام جمّ التواضع، عن جرير بن عبدالله (رضى الله عنه) قال: أُتَى النبى (صلى الله عليه وسلم) برجل تُرْعِدُ فرائصه، قال: فقال له: »هَوّنْ عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديدَ فى هذه البطحاء« ثم تلا جرير بن عبدالله البَجَلي:


«وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» ( سورة ق: آية 45)


وعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: »اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين يوم القيامة» فقالت عائشة (رضى الله عنها): لِمَ يا رسولَ الله؟!


قال:«إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة، لا تردِّى المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة، أحبى المساكين وقرّبيهم فإن الله يقربك يوم القيامة».


> هذا وإن شمائل رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه)، ومكارم أخلاقه لا تحصى ومحامده لا تستقصي، ولا أحد يستطيع أن يجمع شمائله ومحامده، ولا أن يثنى عليه بما هو أهله، بعد أن أثنى عليه رب العزة سبحانه وتعالى فى قوله جل شأنه:


«وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم : آية 4)


ورحم الله القائل:


يا مصطفى من قبل نشأة آدم


والكون لم يفـتح له إغــــــلاق


أيروم مخــلوق ثناءك بعدما


أثنى على أخلاقك الخـلاَّق؟


وخير ما وصفت به أخلاقه وصفا جامعا: ما جاء عن سعد بن هشام بن عامر أنه أتى السيدة عائشة (رضى الله عنها) يسألها، فقال: يا أم المؤمنين أنبئينى عن خُلُق رسول (صلى الله عليه وسلم)؟ قالت: ألستَ تقرأُ القرآن؟ قلتُ: بلى، قالت: «فإن خلق نبى الله (صلى الله عليه وسلم) كان القرآن».