د . أحمد كريمة أستاذ الشريعة بجامعة الآزهر: الرسول صاحب أول بيان عالمى لحقوق الإنسان

26/01/2015 - 10:52:11

د . احمد كريمة استاذ الشريعة بجامعة الازهر د . احمد كريمة استاذ الشريعة بجامعة الازهر

حوار- رانيا سالم

البيان النبوى العالمى لحقوق الانسان المدنية» هذا وصف الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الاسلامية لوثيقة المدينة وحجة الوداع باعتبارها أول وثيقة تضمنت حقوق الانسان وجه فيها الرسول الكريم خطابه ليس للمسلمين فقط وإنما للناس جمعاء بقوله "يا أيها الناس".


الفلسفة النبوية التى بينها أستاذ الشريعة جالية للجميع عبر الكتاب وصحيح السنة، دون الاهتمام بالتراث الموروث الذى وصفه بأنه أحد اشكاليات الخطاب الدينى، الذى انحرف فيه الكثيرون إلى التراث الذى هو نتاج فهم بشرى لاتزد عن كونها اجتهادات مرتبطة بحدود زمنية ومكانية كتبت منذ مئات السنين.


مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال هو ما يعول عليها كريمة لتصحيح صورة المسلمين والاسلام فى المجتمع الغربى، المكارم التى بعث من أجلها نبينا محمد كما ذكر "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".


> هل المجتمع الاسلامى فى حاجة لمكارم الأخلاق التى بعث من أجلها رسولنا الكريم؟


- كافة الشرائع السماوية تؤصل لمكارم الأخلاق، وتحث على الأخلاق الفاضلة، ونبينا محمد- صلى الله عليه وسلم كان مقصد رسالته هو إتمام مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال ،كما بين لنا فى حديثه الشريف،"إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ".


والإسلام لم يأت لحجب أو هدم الغير من الرسائل السماوية ، فهو لا يعادى اليهودية ولا المسيحية، ولكن جاء ليتمم ما جاء فى هذه الشرائع السماوية، التى أصَّلت جميعاً لمكارم الأخلاق عبر نصوصها.


مكارم الأخلاق التى تنادى بها المجتمعات المدنية، ومنها تأصيل للحقوق والواجبات من الإخاء الإنسانى، قال تعالى فى سورة النساء:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً"، والإخاء الدينى كما بين فى سورة المائدة " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً".


وبيان أسس الحياة الكريمة بين المنتمين إلى الشرائع السماوية الأخرى من التراحم والتكافل والتعاطف و التألف، وترجمت أسس التعامل كما ورد بسورة المائدة: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ".


> آليات تطبيق مكارم الأخلاق النبوية؟


- سعى رسولنا الكريم إلى تأصيل مكارم الأخلاق عبر ما نستطيع ان نطلق عليه صحيفة أو وثيقة أو دستور المدينة بعد الهجرة، والتى تضمنت 54 مادة تبين حقوق الإنسان من حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية و ما يكفل للإنسان حياة تصان فيها آدميته، هذا ما طبقه الرسول على أرض الواقع، ولكن للآسف عازفون أو عاجزون عن ترجمتها وبيانها للناس.


وخطبة حجة الوداع، ففلسفتها ماهى إلا البيان العالمى الأخير للنبى محمد -صلى الله عليه وسلم- للإنسانية جمعاء، فهو لم يقل يا أيها المسلمون أو يا أيها المؤمنون، وإنما قال يا أيها الناس، ليوجه خطابه للناس أجمعين، وخلال هذه الخطبة بين حرمة الدماء وحرمة الأموال بتحريم الرباو انتهاك الأعراض والظلم الاجتماعى، وحقوق المرأة ليست درجة ثانية أو خادمة أو روح شريرة "أوصيكم بالنساء خيراً و ما ملكت أيمانكم"، وبين عدم التمييز بسبب اللغة أو اللهجة أو العقيدة فالناس سواسية أمام الله " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى"، وبين حقوق المسلم على المسلم و المسلم مع غير المسلم بانه لا يقتله ولا يظلمه ولا يعتدى عليه ولا يتسبب فى إذائه ولا إضراره.


وحينما نريد تجديد خطابنا الدينى وفلسفته النبوية فى التعامل مع الآخر لابد أن نجمع ما ورد فى صحيفة المدينة وفى حجة الوداع التى تصب فى حقوق الإنسان وبالتالى فى تأصيل مكارم الأخلاق فى المجتمع الإسلامى.


> وهل بعدنا عن الفلسفة النبوية؟


- بالتأكيد، فما يوجد الآن من الشرائع السماوية هو تراث موروث كنتاج بشرى من النصوص الشرعية، ومن هنا ابتعد أصحاب الشرائع كلهم عن جوهر الرسالات السماوية، فحينما نأتى للإسلام فإن المرجعية هى القرآن و صحيح السنة النبوية، لكننا الآن أصبحنا نتحدث عما كتب وما فسر من مئات السنين، وهو أمر غير صحيح لأن ما كتب هو نتاج أسباب ومعطيات و حدوده الزمنية والمكانية التى كتب فيها لا يعقل تطبيقها على ما يوجد الآن وما يوجد فى العالم المعاصر .


> هل يعنى هذا إهمال التراث المورث؟


- على المسلم أن يرجع إلى الكتاب والسنة، دون إنكار أو المزايدة على التراث، ولكن التعامل معه على انه اجتهادت تعبر عن أصحابها خلال حقبة زمنية معينة، ليست بالضرورة معبرة عن صحيح الدين، فالفهم البشرى للنصوص الدينية مختلف فى كافة الرسائل السماوية.


> هل نحن فى حاجة إلى تجديد خطابه؟


- الخطاب الدينى متناثر ما بين المؤسسات، فالمفروض فى العمل الدينى السليم أن يكون له مرجعية دينية واحدة، فالقائمون على خدمة النص وعلى إجلاء النص قائم على مرجعية واحدة، لكن الآن توجد مذاهب رئيسية وعشرات التيارات المتضاربة، ولهذا علينا من العمل على إعادة التقريب من المذاهب و إعادة صياغة الفكر الدينى، والابتعاد عن الأصنام الفكرية التراثية، ليكن هناك مرجعية واحدة.


وهو ما يجب أن يطبق فى مصر، فيجب أن تكون مرجعية واحدة تصهر فيها كافة المرجعيات من حركات اسلامية سلفية ومتصوفة وجهاديين، عبر وزارة للشئون الدينية سواء المسيحية والإسلامية.


> لكن هذه لايمنع أن صورة الاسلام فى العالم الغربى تمت الإساءة لها، وهناك معاناة للمسلمين بعد حادثة فرنسا؟


- نحن جزء من هذه المشكلة، بل إننا جزء من نشوئها فانتشار الفكر الجهادى وتناميه بين الجاليات الاسلامية فى هذه الدول هو خير دليل عن ابتعادنا عن صحيح الاسلام وتمسكنا بالتراث المورث الخاطىء الذى يكفر ويبيح القتل، وعجزنا عن مواجهته واستفحاله بين عدد من الجاليات المسلمة فى الغرب.


وانتشار هذه الفكر الجهادى لم يعد بالضرر على هذه الدول فقط وإنما انعكس على المسلمين هناك، فعدد كبير من الجاليات الإسلامية تتعرض لمضايقات بعد حادث فرنسا الإرهابى مثلما عانوا بعد حادثة 11 سبتمر وصبغت فى تشويه لصورة الإسلام والمسلمين.


محاربة هذه الاساءات ليس بالرد عليها وإنما، كما علمنا القرآن الكريم فحينما حورب النبى ووصف بالساحر والمجنون قال الله تعالى " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا"، ووجه خطابه -عز وجل- لنبيه الكريم فى سورة الحجر " إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ"، فهو المنهج الإلهى للتعامل مع هذه المضايقات للإسلام والمسلمين.


> وكيف نعيد تصحيح صورة المسلمين للعالم الغربى؟


-عبر الأخلاق، التى أرسل الرسول من أجلها، فإذا نظرنا كيف انتشر الإسلام فى شبه الجزيرة الهندية وفى أفريقيا ليس من خلال الدعاة، وإنما عبر التجار المسلمين، وتعاملاتهم وتميزهم بالصدق والأمانة، فالتاجر الطالب والطبيب والمهندس المسلم هو الجهاز الإعلام الإسلامى القادر على تحسين صورته وصورة دينه.