المـأزق الفرنسى .. التوازن الصعب بين مكافحة الإرهاب واحترام الحريات

26/01/2015 - 10:50:10

الفنان الساخر ديودونيه الفنان الساخر ديودونيه

تقرير - عزة صبحى

يواجه المجتمع الفرنسى على المستويين الرسمى والشعبى حالة من الجدل حول سبل المواءمة بين سن قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب مع الحفاظ على الحريات العامة والخاصة التى هى من صميم الدستور والقيم الفرنسية الأساسية. هذا فى نفس الوقت الذى تتصاعد فيه تساؤلات المسلمين فى فرنسا حول ازدواجية المعايير التى يتم التعامل بها فى قضايا حرية الرأى والتعبير بين فئات الشعب المختلفة.


لم تصدر حتى الآن قوانين جديدة فى إطار تعزيز مكافحة الإرهاب فى فرنسا، لكن الحديث يدور الآن بشكل كبير حول الالتفاف على القوانين الموجودة لتحقيق الأهداف. وزير الداخلية أكد أنه طبقا للقانون لايمكن منع دخول المواطنين الفرنسيين العائدين من سوريا أو العراق أو اليمن - ممن يطلق عليهم الجهاديون - من الدخول إلى فرنسا، لكل فى نفس الوقت سيتم توقيفهم كإجراء وقائى إلى حين إجراء التحقيقات معهم. هذا الإجراء يعتبر فى حد ذاته أكبر اعتداء على الحرية الشخصية، حيث جعل المواطن متهماً حتى تثبت براءته على عكس المبدأ القانونى العام بأن المواطن برىء حتى تثبت إدانته .


المسلمون فى فرنسا والكثير من المدافعين عن الحريات والمساواة أعلنوا رفضهم لهذا الإجراء وأعربوا عن تساؤلهم إذا كان سيطبق فقط على المسلمين .


تساؤل هؤلاء فى محله إلى درجة كبيرة لوجود الكثير من المعايير المزدوجة المطبقة فى فرنسا مع تبريرات غير مقنعة على الإطلاق للإجراءات الأمنية فى كثير من الأحيان والتى تظهر التحيز لطرف على حساب الآخر أو تمييز أطراف بعينها مما يضرب مبدأ المساواة فى مقتل .


يؤكد القانون الفرنسى على حرية الدين والمعتقد وعلى حرية التعبير، كما يؤكد على أن حقوق الإنسان طبقا لمفهومها الدولى ترمى إلى حماية الأفراد وليس الأنظمة الفكرية مثل الديانات ورموزها التى لاتعتبر مواضيع قانونية.


طبقا لهذا القانون لايوجد مفهوم احترام الديانات لئلا تعطى صبغة قانونية وهو مامن شأنه أن يكسب التنديد بتشويه الأديان الشرعية.


على المستوى الأوربى تم اعتماد نص يعبر عن قيم العلمانية فى نوفمبر 2009 إثر استنتاجات مجلس الاتحاد الأوربى بشأن حرية الدين والمعتقد. يؤكد هذا النص على ضرورة توفير ضمانات كافية وفعلية لحرية الفكر والوعى والدين والمعتقد مع الإشارة على وجه الخصوص إلى الحق فى انتقاد الديانات!


جاء هذا النص كنتيجة لتداعيات نشر إساءة للرسول عليه الصلاة والسلام لأول مرة فى عام 2007 وما نتج عنها من مظاهرات فى الدول الإسلامية ومظاهرات مسلمى الدول الأوربية . وكان هذا النص وراء عدم اتخاذ أى إجراء ضد أى إهانات أو إساءات وجهت للرسول الكريم أو للدين الإسلامى طوال السنوات الماضية وحتى الآن.


وتساءل المسلمون فى فرنسا فى أوربا إذا كانت صحيفة شارلى ابدو أغلقت تسع مرات من قبل بسبب اتهامات بالتهكم والسخرية من شخصية عامة منها الرئيس الفرنسى الراحل ديجول فلماذا تم تجاهل الصحيفة فى التهكم على سيدنا محمد ؟


التساؤل الثانى كان حول إصدار قانون خاص سمى - بقانون جاسيو - عام 1990 بمعاقبة أى اعتداء عنصرى أو اعتداء معاد للسامية أو يدعو لكراهية الأجانب . وهذا القانون الذى يطال أى شخص يعبر عن رأيه فى أى شىء يخص اليهود حتى ولو بمجرد إنكار الهولوكست .


وفقا لهذه القوانين يتم التعامل مع كل شخص ترى السلطات أنه يحض على الكراهية أو العنصرية أو معاداة السامية حتى وإن كان البعض يرى أنها مجرد تعبير عن الرأى فى قضايا أو أحداث على الساحة . منذ أحداث شارلى ابدو فى السابع من يناير تم إخضاع حوالى مائة شخص للتحقيق لإدلائهم أو نشرهم تعليقات مؤيدة لمرتكبى الحادث فى كل من تولوز وباريس ونيس وأماكن أخرى . حكم على شخص بستة أشهر سجناً بعد إدانتـــه بالهتـــاف دعما لمنفذى الهجمات .


هؤلاء الأشخاص تم الحكم عليهم بعد الإسراع بدرجة كبيرة فى خطوات نظام العدالة الجنائية والانتقال من مرحلة الاتهامات الى المحاكمة والسجن فى فترة قصيرة خلال ثلاثة أيام .


ومن أشهر القضايا فى هذا المجال ماحدث مع الفنان الفرنسى الساخر الكاميرونى الأصل ديودنيه الذى اتهم بالإشادة بالإرهاب لمجرد كتابته تعليقاً على الفيس بوك يقول "أشعر أننى "شارلى كوليبالى" . وكان نفس الممثل قد أدين من قبل وحكم عليه بغرامة مالية لوصف ذكرى الهولوكست بأنها "ذكرى إباحية"، ومن الأمثلة التى تعبر عن الازدواجية فى التعامل مع المواقف فى فرنسا إقالة واحد من رسامى صحيفة شارلى ابدو فى عام 2008 بسبب تعليقه على خبر بأن نجل الرئيس السابق ساركوزى كان على وشك اعتناق اليهودية من أجل الزواج من فتاة يهودية . حيث اعتبر ذلك معاداة للسامية.