ثقافة التفكير وتكفير المثقفين

26/01/2015 - 10:46:16

محمد مختار جمعه وزير الاوقاف محمد مختار جمعه وزير الاوقاف

كتب - أ.د/ محمد مختار جمعة - وزير الأوقاف

العقلية العربية تتنازعها تيارات متعددة، أبرزها تياران متناقضان أحدهما ينزع إلى الماضى بكل مقوماته سواء ما صح منه أم لم يصح، ويعتبر كل ما فيه مقدسا حتى لو كان اجتهادًا بشريًا ناسب زمانه ومكانه وبيئته، وهذه النظرة لا تقف عند حدود الفكر الدينى، إنما تتجاوزه إلى الفكر العام فى الصراع بين القديم والحديث والعصبية لأحدهما على حساب الآخر.


ويروى أن رجلاً أنشد الأصمعى قوله:


هل إلــى نظــرةٍ إليـــكِ سبيــــــــلُ


فيُروى الصَّدَى ويشفى الغليـــــلُ


إن ما قــلَّ منــــك يكثُـــــرُ عنــــدى


وكثيـــرٌ ممــــا تُحِــــــبُّ القليــــــلُ


فقال الأصمعى: إن هذا لهو الديباج الخسرواني، أى الشعر الجيد الذى يمتدح ويشاد به، ثم استرسل الأصمعى : لمن تنشدني، فقال الشاعر : إنهما من شعره أنشدهما لليلته، وهنا غير الأصمعى رأيه على الفور قائلا : إن أثر التكلف عليهما لبيّن، وما ذاك إلا لعصبيته للقديم دون سواه بغض النظر عن الجودة وعدمها .


وفى المقابل هناك من يرى أن الله - عز وجل - لم يخص بالعلم ولا بالشعر ولا بالنثر ولا بالبلاغة ولا بالفكر قوما دون قوم أو زمانا دون زمان، والعبرة بالإجادة بغض النظر عن القدم أو الحداثة، و إن كان الأمر فى الفكر الدينى يحتاج إلى رؤية أعمق وأناة أشد، لأن ما ثبت بدليل قطعى الثبوت قطعى الدلالة وأجمع أهل العلم والفقه على قطعية ثبوته ودلالته هو موضع تقدير الأمة ولا مجال للخوض فيه، مع التأكيد على أن صحيح العقل لا يمكن أن يتناقض مع صحيح النقل.


على أن الخطاب الدينى تكتنفه ثلاث معضلات كبرى، الأولى : هى معضلة الجمود، والثانية: معضلة الانفلات والتسيب ومحاولة السطو على الثوابت، والثالثة : هى الخوف من التجديد أو التردد فيه، لأن من جدد فقد استهدف وصار غرضًا للسهام والنبال، مع تأكيدى الدائم على ضرورة التجديد فى إطار الحفاظ على الثوابت الشرعية من جهة ومراعاة طبيعة الزمان والمكان والأحوال من جهة أخرى، وعدم فرض أمور ناسبت زمانها ومكانها وعصرها وبيئتها فيما يقبل الاجتهاد والرأى والرأى الآخر على سائر الأزمنة والأمكنة والأحوال، وهو ما يعد عكس الفطرة الإنسانية والفهم الصحيح للإسلام.


ومن هنا نؤكد على أهمية ثقافة التفكير فى سائر جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والإدارية، والخروج من دائرة القوالب الجاهزة والأنماط الجامدة إلى رؤية تتسم بالفكر وإعمال العقل، وعلينا جميعًا أن نعمل على تحريك هذا الجمود من خلال العمل على نشر ثقافة التفكير من خلال الصالونات والمنتديات والحلقات النقاشية التى نعد صالون الأوقاف الثقافى واحدًا منها أو من بواكيرها وأهمها فى المرحلة الراهنة .


وعلى النقيض من عمل مجموعة من العلماء المفكرين على بث روح التجديد المدروس فى إطار الحفاظ على الثوابت فإن هناك على أقصى الطرف الآخر من يعد هذا التجديد كفرًا أو ارتدادًا أو مروقًا من الدين أو أن مجرد التفكير فى التجديد هو خروج على الثوابت وهدم لها حتى وإن لم يكن للأمر المجتهد فيه أدنى صلة بالثوابت أو بما هو معلوم من الدين بالضرورة وما هو قطعى الثبوت قطعى الدلالة، فقد تبنى منهج الجمود والتكفير والتخوين والإخراج من الدين أناس لا علم لهم ولا فقه، ولا هم من المجتهدين ولا حتى من أهل الاختصاص أو دارسى العلوم الشرعية من مظانها المعتبرة إذ يسرفون فى التكفير، غير مدركين لا فكرًا ولا شرعًا أن ما يحمل على الإيمان من وجه معتبر وعلى الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ينبغى أن نحمله على الإيمان لا على الكفر ما دام له وجه معتبر عند أهل العلم المعتبرين يدخل فى الإيمان ويخرج من الكفر، وأنه لايخرج الإنسان من الإسلام إلا جحد ما أدخله فيه وهو النطق بالشهادتين، وفى مناظرة بين الإمامين الجليلين الشافعى وأحمد حدثت مناظرة فى شأن تارك الصلاة يكفر أو لايكفر، فقال الإمام أحمد : يكفر، وقال الشافعى : لا يكفر، وبعد طول نقاش قال الشافعى لأحمد : الكافر إذا أراد أن يسلم فماذا يصنع ؟ قال أحمد : يأتى بالشهادتين، فقال الشافعى : الرجل ملازم لهذا القول لم يفارقه منذ ولدته أمه، ويقول نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ): " من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا ارتد عليه " (صحيح مسلم )، فلنحذر من الإسراع فى التكفير أو الوقوع فيه دون علم أو بينة و حجة قاطعة يحكم بها القاضى لا عامة الناس و لا احادهم .