خواطر حول حادث باريس !

26/01/2015 - 10:42:22

رجائى عطية رجائى عطية

كتب - رجائى عطية

يوم تلقيت الخبر المشئوم، يزف فاجعة باريس، فى مسلسل الفاجعات التى يوالينا بها الإرهاب، متشحًا للأسف بوشاح - كاذب - يدعى الانتساب للإسلام، والإسلام برىء من هذا الغثاء، استقبلت مع نبأ الفاجعة طوفانًا من ردود الفعل، ضايقت ـ رغم الاتفاق مع


«السبب» - من أضناهم سكوت الغرب ، على الدماء التى تسيل فى بلادنا كل يوم، فى مذابح إرهابية بشعة، أكثر شناعة مما جرى فى باريس، ومع ذلك لا ينتفض الغرب، بل هناك من يلوم على الحكومة المصرية !


ومع هذا فإن الضيق من » تباين « رد فعل الغرب ، لم ولا ولن يبرر السكوت -سكوتنا -عن إدانة هذه الجريمة البشعة، فهى مذمومة محرمة بكل المقاييس، يدينها الإسلام، وتدينها المسيحية، وتدينها القواميس الأخلاقية فى كل الشرائع والأديان .


إدانة الجريمة ، ليست سندًا لتجاهل الجريمة المتسببة!


ومع ذلك ، فإن إدانة الجريمة ، لا ينبغى أن تكون سببًا فى ترك أو إغفال «الباعث» عليها، الناشئ عن الجرم الأصلى ، المتمثل فى ازدراء الإسلام، وإهانة رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، والسخرية منه ، الاستهزاء به !


والبحث عن صواب الموقف ، وسط هذه الاعتبارات «المتباينة» التى قد تغدو فى الظاهر متناقضة أو فى الأقل متقابلة ، يحتاج إلى كثير من الصفاء، وإلى كثير أيضًا من الموضوعية التى تمايز وتفصل وتعطى لكل اعتبار من الاعتبارات المتباينة حقه !


ساعتها ، وللوهلة الأولى، كتبت على صفحتى بالفيس بوك ..


إننى أدين ولا أقر .


أدين وأشجب ولا أقر القتل وإسالة الدماء أيًا كانت الأسباب والتعلات !


وأدين أيضًا ولا أقر قيام مجلة شارلى إبدو بازدراء الأديان وسب وإهانة الأنبياء والرسل ، والسخرية والاستهزاء بالأديان .. بأى أديان !


أدين وأشجب ولا أقر، ولا أجد سببًا لإهانة رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ولا أى رسول أو نبىّ آخر من الرسل والأنبياء !


وأدين ولا أقر وأشجب، ما جاء على غلاف العدد الأخير للمجلة قبيل الحادث - من سخرية ومن رسم كاريكاتيرى يستهزئ بالإسلام والمسلمين !


وأدين أيضًا ولا أقر وأشجب ، سخرية المجلة من المسيحية ومن تحريم المسيحية زواج المثليين !


وأدين ولا أقر وأشجب، ما ورد على غلاف للمجلة من سخرية بالبابا بنديكيت السادس وتصويره فى كاريكاتير يحضن شابًا ويقول «أخيرًا حر» !


عيبٌ جدًا السخرية من الأديان والرسل والأنبياء ورجال الدين !


إدانتى للقتل لا تمنعنى من إدانة المجلة على إساءتها للأديان واعتيادها السخرية من الإسلام واعتيادها إهانة رسول الإسلام !


هذا عيب ، واعتياد العيب عيب مزدوج ومركب، واعتياد العيب فى الدين أى دين هو أعيب العيوب !


تزايد وتباين ردود الأفعال


لقد حدث ما توقعته من ردود أفعال متفاقمة متزايدة، جرت أو جرى معظمها فى الغرب فى اتجاه واحد هو شجب القتل الذى نشجبه جميعًا، دون أن تتوقف، وربما توقف بعضها على استحياء وبعبارة مبتسرة من باب «برو العتب»، عند عدم لياقة ازدراء الإسلام والإساءة إلى رسوله عليه السلام !


بدا أن الموجات الأولى انقادت إلى شجب القتل ، وهى فى هذا محقة، ولكنها تجاهلت ولم تدن الجريمة الأصلية المتسببة فى الحادث المأساوى، وهى ازدراء الإسلام وإهانة رسوله، ولكن بعد الدفعة الأولى، وملاحظة طمس القضية الأساسية، بدأت تعلو فى كافة الشعوب الإسلامية والعربية - موجات الغضب ليس فقط من » «ازدواجية» المعايير و«تباين» رد فعل الغرب بين القليل جدًا الذى يحدث هناك، والكثير جدًا جدًا الذى يحدث كل يوم هنا، وزاد الغضب أيضًا من سكوت الغرب على ظاهرة أو لعبة ازدراء الإسلام ورسوله، وعدم اتخاذ موقف حاسم من هذه الإساءات ومرتكبيها، ولو فعلوا لما تفاقمت الأمور ووصلت إلى هذا الحد !


لا يمكن تجاهل أعداد المسلمين فى الغرب


ومع طوفان ردود الأفعال المتباينة، طفقت تستبين النذر الخطرة لتداعيات الحدث، منها ظهور ميل واضح فى الغرب، لم يعد مكتومًا، لموجة عداء للإسلام والمسلمين، وانسياق بدت نذره لرغاب اليمين المتطرف فى فرنسا وفى أوروبا - التخلص وإقصاء المسلمين، وبدأت تنفجر أزمات سوف تشتعل مع الأيام، فهناك فى فرنسا ما يزيد على خمسة ملايين مسلم، وفى ألمانيا ما يزيد على أربعة ملايين مسلم، ولا تخلو دولة من الدول الأوروبية، وكذا الولايات المتحدة، من ملايين من العرب والمسلمين هاجروا إليها واستقروا فيها .


لا تشهد على هذه الحقيقة إحصائيات الأزهر الشريف فقط، وإنما تشهد عليها إحصائيات الغرب والموسوعات ودوائر معارف الغرب، ودراسات معاهده ومراكز دراساته.. فكلها تجمع على أن الإسلام فى انتشار متزايد رغم الهجوم عليه، وأن انتشاره بلغ حد إقلاق الدوائر الغربية الكارهة للإسلام والمسلمين، ونضحت بها تعليقاتهم على دلالة الإحصائيات والدراسات على نحو لا مجال لإخفائه أو إنكاره !


فى الكتاب السنوى 2004 لدائرة المعارف البريطانية ، أن تعداد المسلمين بالولايات المتحدة قد طفق يتزايد حتى بلغ فى منتصف عام 2005 (000 491 6) مسلم ، بزيادة ستمائة ألف عن تعداد سنة 2000، وقد نيف الآن على سبعة ملايين برغم الحملة التى أعقبت حادثة مركز التجارة العالمى بنيويورك .


وفى تقدير الكتب ودوائر المعارف الغربية ، ومنها كتاب Romania Factbook ـ أن تعداد المسلمين فى فرنسا بلغ نحو ستة ملايين ، وفى ألمانيا أربعة ملايين ، وفى روسيا قرابة خمسة عشر مليونا، وزاد فى بريطانيا عن المليون.


وجاء فى دراسة بحثية للمعهد البحثى المسيحى Christian Research Institute،


أن الإسلام أكثر الأديان انتشارًا ونموًا وقوة فى أمريكا، وأنه زاد نموًا فى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.


من المحال السكوت علي ازدراء الإسلام ورسوله


وازدراء الإسلام ورسوله ، وما يلقاه من ردود أفعال معتدلة أو متطرفة أو طائشة، يثير مشاعر المسلمين فى شتى بقاع الأرض، ويخلق للمسلمين المندمجين بالحياة فى أوروبا والولايات المتحدة، أزمة مركبة، ويجعل حياتهم جحيماً وسط محيط فيه تيارات تسعى لبث التوجس منهم واصطناع الأسباب لنفيهم وطردهم ، فضلاً عما فى ممارسات الإرهابيين المتشحين - كذبًا - بالإسلام، من عوادم تشوه وجه الإسلام ذاته ، وتستجلب الكراهية للمسلمين !


عداء قديم !


والواقع أن تعرض الإسلام لحملات الإساءة فى أوروبا قديم، بل ضارب فى القدم، تشهد عليه الحروب الصليبية التى كانت المسيحية الحقة بريئة منها، ويشهد عليه الكتاب الضافى «محمد»، الذى وضعته الراهبة الإنجليزية السابقة كارين أرمسترونج، وترجمة للعربية الدكتوران محمد عنانى وفاطمة نصر، فقد تنبهت إلى أن جذور هذه الكراهية والأحقاد المغلوطة - كان دافعها المفاهيم المغلوطة والأساطير المختلقة. وتقر الراهبة السابقة كارين أرمسترونج بأن لدى الغرب تاريخًا طويلاً من العداء للإسلام، وأنه راسخ الجذور مثل عدائهم للسامية ، وأن هذا العداء أخذ يتغلف منذ أكثر من نصف قرن بالسياسة، باعتبار الإسلام يمثل تحديًا لا يقل عما كان يمثله الاتحاد السوفييتى .


وتروى كارين أرمسترونج أنه على مدار السنين ، وقت الجهل والجهالة بحقيقة الإسلام ، توالت صيحات التهجم المحمومة ضد الإسلام ، مدفوعة بتفسيرات مغلوطة يسيطر عليها الاعتقاد بأن «محمدًا» ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما هو إلاَّ كاذب دجَّال، نَصَّبَ نفسه نبيًا ليخدع العالم، وروَّجَ البعض أن بزوغ نجم الإسلام ما هو إلاَّ إشارة لقدوم المسيخ الدجال، ودرجوا على رسم صورة وهمية لنبى الإسلام حُرف فيها إسمه إلى «ماهوند Mahond»، وصار على المستوى الشعبى - العدو الأكبر للهوية الغربية !


الجهل والجهالة أصل الداء !


بوسع القارئ الراغب فى مطالعة المزيد عن هذا العداء الغشوم، أن يرجع إلى كتاب كارين أرمسترونج، أو إلى عرضى له تحت عنوان: «الإسلام فى كتابات منصفة» - (كتابنا بين شجون الوطن وعطر الأحباب ـ ص184 وما بعدها)، إلاَّ أن ما يعنينى هنا هو بيان أن «الجهل» و«الجهالة» كانا سبب هذا العداء الأحمق، حتى وقع فيهما فولتير فيلسوف الحرية فأساء للإسلام ونبيه إساءة بالغة فى كتاب سَطَّره إلى بابا الفاتيكان، ووقع عليه توفيق الحكيم فنقده نقدًا مرًّا فى كتابه «تحت شمس الفكر» ولم يفطن توفيق الحكيم وقتها إلى أن فولتير عدل عن هذا الرأى بعد سبع سنوات، فقد أتيح له الاطلاع بعد ذلك على ترجمة معانى القرآن التى كانت ترجمتها نقطة فارقة فى رؤية العقلاء فى الغرب للإسلام، وقد استشهدت كارين أرمسترونج فى كتابها على هذا التطور - بكتاب «تاريخ المسلمين» لسايمون أوكلى (1708)، وبكتاب» أخلاق الأمم وروحها «لفولتير (1751).. ويدلنا ذلك على أن «الجهل» هو عدو لكل القيم والمبادئ النبيلة، فهو أساس التعصب، وأساس التطرف، وأساس الإرهاب !


الجهالة لا تقابل بجهالة


حساب الأرباح والخسائر


لماذا أقول ذلك ؟!


لأن ظنى أنه بحساب الأرباح الخسائر، أن الإرهابيين مرتكبى حادث باريس، قد أساءوا للإسلام أبلغ إساءة بتحميل مرجعية عملهم الضرير عليه ، ولو كانوا مسلمين ويفهمون الإسلام حقيقة، لأدركوا أن المسلمين هم الذين خسروا فى حساب الأرباح والخسائر بالجريمة النكراء التى ارتكبوها !


وهذا يورى بأن مواجهة الإساءة الجهولة ، لا تكون برد فعل جهول.


حين كتب سلمان رشدى «آياته الشيطانية» ـ قلنا وقتها إن تجاهلها وتجاهله هو الصواب ، بيد أنه صدرت عن الخمينى فتوى بإهدار دمه ، فأعطته وأعطت الرواية التافهة أهمية وصيتًا ! حتى تورطت ملكة بريطانيا ومنحته وسام «فارس» ؛ فى الوقت الذى جردت فيه «موجابى» من ذات الوسام السابق لذات الملكة إليزابيث الثانية منحه إياه عام 1994، وكان هذا تصرفًا مستفزًا ولا يليق بالحضارة البريطانية العظمى !


اسـتفزاز مقصود لإثارة ردود أفعال !


لقد شاهدت بنفسى من سنوات، بجلسات مجمع البحوث الإسلامية، كثيرًا من الرسوم الكاريكاتيرية المسفة المنشورة بالدانمارك التى تسىء إلى رسول الإسلام - عليه الصلاة والسلام. وظنى من واقع ما لاحظته فيها من إسفاف مسف، وتطاول شنيع، واستهزاء مغرق فى السفالة - أنها تقصد قصدًا إلى إثارة وإهاجة المسلمين، وإلى استفزازهم ودفعهم إلى ردود أفعال طائشة مغموسة بالغضب.. وقد للأسف كان، رغم الصيحات التى أُطلقت وقتها للتحذير من الانسياق وراء هذا الاستفزاز !


سنظل متخلفين فى مواجهة الحملة الضالة على الإسلام والمسلمين، مادام تعاملنا معها برد الفعل لا الفعل. من المهم أن نستوعب دوافع وأبعـاد الإساءة، وأن نتعامل معها بمنطق الفعل فى إطار رؤية شاملة وتوجه مدروس وبرنامج تفصيلى وأدوات وآليات فاعلة .


لا مراء فى أن حملات الإساءة تستغل ما يرتكبه الإرهابيون من جرائم منكرة شنعاء كحجة على الإسلام والمسلمين، ولا مراء فى أن هؤلاء الجانحين بتحميلهم الإسلام مرجعية ما يرتكبونه، يسيئون للإسلام إساءة بالغة، ويشوهون وجهه ويصورونه على خلاف حقيقته - فى العالمين !


إننا أمام عدوين ، يرتدان كلاهما إلى «الجهالة «هنا وهناك، وإلى «الاستفزاز» القادم إلينا من هناك !


وظنى أننا حينما نضع أيدينا على الأسباب، نضع فعلنا - لا رد فعلنا - على الطريق الصحيح .


المجهود الرئيسي


المسلم السوي هو هدية الإسلام إلي الدنيا


المجهود الرئيسى لمواجهة هذه الإساءات، يجرى ويجب أن يجرى على محورين رئيسيين :


أولهما : أن نحسن التعريف بالإسلام، وبشريعة ومنهج الإسلام، ليس فقط بالكلمات والتبيانات والأحاديث والمواعظ، وإنما بسلوك المسلم سلوكًا معبرًا بذاته عن قيم ومبادئ الإسلام. إن المسلم السوى نفسه، هو هدية الإسلام إلى الدنيا، وهو بسلوكه عنوان ونموذج هذا الدين .


ثانيهما: معالجة وتجفيف منابع التطرف والإرهاب . وأعلم أن الحديث فى ذلك يطول، وأنه متداخل مع أطراف أخرى، منها من زرع هذه الجماعات لغرض أو لآخر، ومنها من يسهل لها حركتها الآن، ويمولها بالمال والسلاح. وهذه قضية تستوجب أن يتناولها حديث آخر .


على أن المهم، مع ما سوف تستغرقه معالجة وضرب وتجفيف منابع وشوكة الإرهاب - أن نفك أمام العالم هذا الارتباط المزعوم لهذه الجماعات بالإسلام، وأن نوضح للعالمين أن هذا ليس إسلامًا ولا من الإسلام، وأن من يدعى لنفسه الإسلام ويقارف هذه الجرائم المنكرة ويعصف بالأرواح ـ إنما هو «خارج» عن الإسلام ، لا علاقة له بالإسلام .


الغرب ليس كتلة واحدة


بقى أن أقول إنه من الخطأ التعامل مع الغرب كله على أنه «كتلة واحدة»، فهذا تسطيح للأمور .. فأفراد الناس تتباين ، وسياسات الدول تتباين، وليس كل من فى الغرب على شاكلة واحدة فى الرأى والنظر والسلوك .


رأينا الراهبة السابقة كارين أرمسترونج وكيف انتصرت للإسلام ورسوله فى كتابها الضافى «محمد» . وإذا كان يحمد لمن ترجماه إتاحته لقراء العربية ، فظنى أنه من الواجب ترويج وتسويق طبعته الأصلية بالإنجليزية ، ويملك العرب المسلمون من الأموال ما يتيح لهم ترويج هذا الكتاب وتسويقه ولو بالمجان .


ورأينا المستشرقة الألمانية «آنا مارى شميل».. التى أصدرت بالألمانية كتابا صدر فى شتوتجارت بألمانيا عام 1989، وترجمه وعلق عليه الدكتور صلاح عبد العزيز محجوب بعنوان «الإسلام دين الإنسانية»، وأعاد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية طباعته أكثر من مرة ، على أنه يلزم ترويج طبعته الأصلية بالألمانية ، وأخرى إذا أمكن بالإنجليزية والفرنسية، وذلك ميسور، لأن تنوير القارئ الغربى أولى من تنوير العربى المسلم الذى يعلم من حقيقة دينه ما قد يغنيه عن شهادة الآخرين له .


ورأينا «ليو تولستوى» الروائى الروسى العظيم، الذى أطلقوا عليه «النبى الروائى»، وكيف قادته إنسانياته العالية إلى تفهم الإسلام، وطفق يدعو إلى الإخاء والسلام، فتواصل معه وراسله الأستاذ الأمام محمد عبده، وسمع به المهاتما غاندى فاقتدى به فى دعوته، حتى إن قاتله كان من طائفة الهندوس التى ينتمى إليها غاندى، آخذا عليه أنه ينحاز للمسلمين !


ومن يقرأ «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل ، يرى صورة لافتة لما كتبه المستشرقون والمنصفون الأجانب عن الإسلام ، ويرى فى المقابل كيف رد الدكتور هيكل على المغرضين أو غير المنصفين أو الجاهلين ، أعانه على ذلك إلمامه بالإنجليزية والفرنسية ، ووعيه ومعرفته بجذور الضغينة التى يحملها البعض فى الغرب للإسلام .


فى كتاب العقاد «الإسلام دعوة عالمية» ـ استشهاد بآراء كتاب للغرب فى نبى الإسلام ، منها ما كتبه الشقيقان هنرى ودانالى ـ توماس ، فى كتابهما «القادة الدينون» Leadrs Religious ـ وكيف وصف فى عبارات شجية ظهور محمد عليه السلام بعد أن كانت الدنيا قد أصيبت بالجفاف، وكيف جاء عليه الصلاة والسلام ينبوعًا صافيا من الإيمان ارتوى منه نصف العالم، وانبثق هذا الينبوع الصافى من أجدب بقعة من بقاع الأرض قاطبة. وصفه الأخوان توماس بأنه عليه السلام : «كان محبا لأخوته من بنى الإنسان، بسيطا فى معيشته، يأكل خبر الشعير ويخدم نفسه وإن اجتمعت له أسباب الثراء، ويتورع أن يضرب أحدًا أو يسوءه بكلمة تقريع.. وقابل كراهة أعدائه بالحب لأنه يعلم الناس أن أحب الخلق إلى الله أحبهم إلى خلق الله».


ويقول هنرى ودانالى توماس فى ختام السيرة : «الإسلام لا يخاصم الديانات الأخرى، بل هو دين يجمع ويؤلف، لا يطرد ولا يستثنى، ومن أدب المسلم أن يحترم عقائد غيره، وأن يؤمن بأن العالم أمة واحدة تدين لإله واحد، هو رب العالمين».


ولا يتسع المقام لاستعراض استشهاد العقاد فى «عبقرية محمد»، بما كتبه العالم الأوروبى الدكتور ماركس دودز Marcis Dodds عن محمد عليه الصلاة والسلام ـ فى كتابه : «محمد وبوذا والمسيح» -ولا باقى الكتابات المنصفة عن الإسلام ورسول الإسلام، ومن يحب الاستزادة، يمكنه الرجوع إلى كتابنا «بين شجون الوطن وعطر الأحباب ـ الإسلام فى كتابات منصفة» ـ ص 184 وما بعدها» .


دعانى إلى هذا الاستطراد، أنه ليس من الحكمة أن نتعامل مع الغرب كله على أنه كتلة واحدة مصمته، يؤيد ذلك مشاهد للمعاصرين، وفى عالم السياسة ذاتها، وليس بعيدًا الموقف المعلن الشجاع الذى اتخذته «أنجيلا ميركل» المستشارة الألمانية، والتى أدلت بتصريحات قوية، وكررت ما قاله «كريستيان فولف» رئيس ألمانيا السابق، من أن «الإسلام جزء من ألمانيا»، وأنها «مستشارة لكل المواطنين فى ألمانيا»، وهو موقف دعا الأزهر الشريف إلى إصدار بيان أزجى فيه الشكر إليها.


الفرز والتجنيب واجب


الفرز والتجنيب بلغة القانونيين واجب، وهذا هو لب الحكمة فى السياسة وفى الاجتماعيات، ومن المهم أن نفطن إلى أن الصورة التى نواجهها أوسع كثيرًا من رسم مسىء، أو غلاف مجلة، أو شريط فيديو، وأن ندرك أن رؤيتها بكل جوانبها، هى الكفيلة بوضع رؤية شاملة، مدروسة لا عشوائية، تواجه الإساءات والتجنيات بموقف فاهم، وبخطاب مدروس ومتواصل، يخاطب العقول بفهم وبالحجة والبرهان، ويفوت فرص الإساءة الجاهلة أو المتعمدة المستفزة، ويبطل من ثم موجات شحن الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، ويفتح منافذ فهم متبادل لا غناء عنه للبشرية .


حرية التعبير لا تعني ازدراء الأديان !


ظنى بعد ذلك، أن ذات المتذرعين بحرية الرأى والتعبير، يعرفون أن ذلك لا يعنى حرية السب والقذف وازدراء الأديان والرسل، بل وطالعتنا الصحف والمواقع بتصريحات لكتاب وصحفيين وسياسيين فى الغرب، لم تكتف بإيضاح هذا المعنى الذى لا يفوت، وإنما زادت إلى توجيه اللوم والتحذير من هذه الممارسات التى تخوض فى الأديان وتزدريها، وتسىء إلى الرسل والأنبياء .


نعم، نحن لا نقر، بل ندين ونشجب، ما ارتكبه الإرهابيون فى باريس، مثلما ندين ونستنكر ونشجب أى عمل إرهابى وأى مساس بالأرواح، وندعو العالم كله، ونحن فى مقدمته، إلى مقاومة وضرب الإرهاب الأسود وتجفيف منابعه .


ونحن أيضا لا نقر ، بل وندين ونشجب، ازدراء الأديان كافة، أو الإساءة إلى رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، أو أى إساءة إلى غيره من الرسل والأنبياء .


مطلوب إلى الغرب أن يعطى التفاتًا واجبًا إلى أصل القضية، فلو استقام الاحترام الواجب للأديان وللرسل والأنبياء، واستقامت مساءلة من يخرج عن هذا الدستور الواجب - لانعدمت ردود الأفعال، ويجنب الجميع ويلات الجنوحات التى يدفعها الاستفزاز الناجم عن ازدراء الدين والعقيدة والسخرية من الرسل والأنبياء !


ومطلوب منا أن نرى الصورة شاملة، وأن نتحرك برؤية عريضة، بالفعل وليس برد الفعل انقيادًا إلى الاستفزاز ، وأن نحسن بيان حقنا، بالحجة والمنطق والدليل والبرهان، لا بإسالة الدماء وإزهاق الأرواح، وأن نكسب قطاعًا عريضًا بالغرب ـ منصفا بالفعل للإسلام والمسلمين، وأن نعالج ونجفف ينابيع الإرهاب والتطرف، وأن نجلى للدنيا أن هؤلاء المتطرفين «خوارج». لا يعبرون عن الإسلام، ولا عن قيم ومبادئ الإسلام، وروحه وتسامحه، وأن يقترن خطابنا بتقديم صورة المسلم السوى الذى هو هدية الإسلام إلى الدنيا.. فالصورة أبلغ من أى كلام !


أما شن الحرب الدفاعية على الإرهاب، وهو واجب الشرق والغرب معًا وعلى السواء، فلذلك حديث آخر أرجو أن أعود إليه إن شاء الله.