المساس بالرسول لعب بالنار وخط أحمر

26/01/2015 - 10:41:20

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - د. عبدالله النجار

تناسي العاملون بصحيفة «شارلي إبدو» أن المساس بالرسول - صلي الله عليه وسلم -  خط أحمر ولعب بالنار، وأنه يمثل عملا بربريا يخالف المواثيق الدولية والقوانين الفرنسية، والتشريعات العالمية ذلك أن القوانين الفرنسية ذاتها ملتزمة - أيما التزام - بالنظام العام والآداب، وأن فكرة النظام العام والآداب هذه تلزم العاملين في مجال التعبير عن الرأي باحترام تلك الفكرة وعدم جواز الخروج عليها لأي سبب كان، وهي تقوم علي احترام المشاعر الدينية وعدم المساس بها علي نحو يؤذي مشاعر الذين يؤمنون بتلك المشاعر ويعتبرونها جزءاً من كرامتهم، بل ومن حياتهم، فإن المساس بالمشاعر الدينية لأي إنسان يحدث له أذي يفوق الأذي الذي يلحقه في حياته،


لأنها تمثل كرامته، والحياة بلا كرامة هي والعدم سواء، ولا ينال من خطورة ما يحدثه المساس بالمشاعر الدينية لأي إنسان أو مجموعة من الناس، ما يقال عادة لتبرير ما يحدث من تجاوز، أو تمرير أعمال تسييء إلي الأنبياء والرسل، إن ذلك من باب حرية التعبير، وأن العاملين بتلك الصحيفة أنفسهم قد انتقدوا بابا الفاتيكان وصوَّروه في رسم كاريكاتوري ساخر إلي حد يمكن أن ينال من مكانته الدينية، أو كما قالوا تبريراً لما فعلوه من أن الأنبياء غير محمد - صلي الله عليه وسلم - يتعرضون لمثل هذا النقد الساخر، وأن تطاولهم الفكري أو الفني أو التعبيري لا يقتصر علي نبي المسلمين وحده، بل يتطاول إلي كافة الأنبياء وجميع المقدسات، حيث لا يجوز أن يقف أمام حرية التعبير عائق أو مانع من دين أو قداسة.


ومثل هذه التبريرات فيها من السخف ما يكفي لردِّها، وبيان ما فيها من غرور وسوء فهم للحقائق علي وجه العموم، ولحرية التعبير بوجه أخص، وبداية، فإنهم يعلمون يقينا أنه لا توجد حرية مطلقة في كل شيء وفي التعبير تحديدا، وإلا لما عاقبت القوانين الجزائية علي التجاوز في التعبير أو إساءة النشر بعقوبات جنائية محددة لعشرات الجرائم التعبيرية، وذلك من منطلق أنه لا توجد حرية تعبير مطلقة، لأن الحرية المطلقة - كما يقولون - مفسدة مطلقة، وإلا فهل يقبل هؤلاء الذين يخادعون الناس بالحرية المطلقة في التعبير، أن يذكر أحد آباءهم أو أمهاتهم بسوء، بالقطع هم لا يقبلون، لأن القبول ينافي المروءة والكرامة ولا يرضي عاقل لنفسه أن يكون كسقط المتاع يرمي أبوه أو أمه بالسوء، ثم يصمت أو يبتسم مكتفيا عن تلك الإهانة بما يراه من حرية التعبير،وإذا كان من الممكن تبرير مثل تلك المقولات التي لا تتجاوز حدود الزعم وتجافي الحقيقة بفكرة النظام العام عندهم، فإنهم يعلمون أن تلك الفكرة نسبية تختلف من بلد إلي آخر ومن زمان إلي زمان، وإذا كانت هذه الفكرة تسعفهم في بلادهم فإنها لا تسعف في تبرير التطاول علي الأنبياء والمرسلين في بلادنا الإسلامية التي تربط بين المساس بالمشاعر الدينية وبين المساس بالحياة والكرامة ربطا لا يقبل الفصل، ومن ثم يكون تبريرهم ساقطاً، ويكون تطاولهم علي الأنبياء جميعاً مرفوضاً، إن تطاولهم علي الأنبياء جميعاً لا يجعلنا نسلم لهم بما يصنعون، لأن إيماننا بجميع أنبياء الله ورسله، يدفعنا إلي رفض تطاولهم علي تلك الشخصيات الدينية المقدسة، ولا نقبل أن يكون احترام الذات المحمدية ثمنا لانتهاك حرمات الأنبياء الآخرين.


إن العاملين في صحيفة «شارلي إبدو» لم يحترموا ثقافة بلدهم، وضربوا بالمبادئ القانونية المقررة عندهم وفي أوربا وأمريكا عرض الحائط، وذلك حين استباحوا لأنفسهم التطاول علي شخصية نبي أصبح الآن في رحاب ربه، ولم يعد قادرا بشخصه عن أن يدفع عن نفسه تلك التطاولات البذيئة، ومن المقرر في قوانينهم أنه لا يجوز المساس بسمعة الإنسان بعد موته، وقد نصت تلك القوانين علي ذلك تحت عنوان «وجوب احترام ذكري الأموات»، فليس من الرجولة، ولا من الشهامة أن يهجم إنسان حي علي آخر في بدنه بعد أن وقع من علي جواده، أو أن يتطاول علي سمعته وشرفه بعد أن أصبح بجوار ربه، حيث إنه لم يعد قادراً علي المواجهة ويكون من العار أن يستمر خصمه في الهجوم عليه بعد ذلك، لأنه لن يحقق نصرا عليه، بل سيسجل عاراً علي نفسه يدل علي الجبن والخسَّة، ومن ثم لا يجوز ذلك التطاول، وقد وقع العاملون بصحيفة «شارل إبدو» في ذلك المحظور الأخلاقي والمهني، فحكموا علي أنفسهم بالخسة ووضعوا أفعالهم في دائرة النذالة والجبن وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، ومن الأمور التي تثير الإشفاق علي مثل تلك التصرفات التي ترتدي ثوب البطولة وتلتفح بالشعارات المقبولة مثل حرية التعبير وما إلي ذلك من المقولات التي كثيراً ما تقال في مواطن الحق الذي يراد به باطل، إن محمداً - صلي الله عليه وسلم - هذا النبي العظيم الذي سخروا منه، هو الذي أرسي دعائم احترام ذكري الأموات وذلك فيما صح عنه في الحديث - الشريف- «اذكروا محاسن موتاكم»، وحين قال «كسر عظم الميت ككسره حيا»، فرسم لذكري الأموات حصانة لم تلتفت إليها تشريعاتهم إلاَّ منذ عقود، ومع ذلك لم يحترموها، وكان صاحب الفضل في تقريرها هو أول من أَصابه الأذي من أولئك الذين لم يصلوا إلي مستوي تلك المبادئ السامية التي سنَّها، فقابلوا الإحسان بالإساءة، والمعروف بالأذي والنكران.


لقد انحدر العاملون بصحيفة «شارلي إبدو» إلي مستوي الانحطاط الذي اتسم به أسلوب القتلة الذين اعتدوا علي جريدتهم وقتلوا عددا من زملائهم، فردوا علي الإساءة، بإساءة حمقاء لم يقتصر الأذي فيها علي القتلة المتطرفين، أو حتي التنظيمات التي أعدتهم وموَّلتهم وجهزتهم لتلك الأعمال الإجرامية، بل تعدت إلي كل مسلم يعيش علي ظهر الكرة الأرضية، فألحقوا به أذي وإهانة دون ذنب جناه بحقهم، فوزعوا أذاهُم الأحمق علي أناس أبرياء لم يسيئوا إليهم، بل كانوا يشاركونهم الحزن علي ما أصابهم، ويمدون لهم أيدي التعاون من أجل الانتصاف لهم من أولئك القتلة الذين لم يهددوا بجريمتهم فرنسا وحدها، أو تلك الصحيفة دون غيرها، بل هددوا البشرية كلها، لأن معني الأمن الدولي أو العالمي كل لا يتجزأ، وهو لا يقبل التبعيض ولا التجزئة، ومن ثم كان وقوع ما يخل به في أي بلد تهديداً للأمن العالمي كله، ومن هذا المنطلق استنكر المسلمون جميعا - علي المستويات الرسمية والعلمية والفردية - هذا الاعتداء وأدانوا تلك الجريمة النكراء، وكان المنتظر أن يكون المقابل لذلك الموقف ملائماً له، وإذا لم يكن بالشكر الجزيل، فلا أقل من أن يكون بالصمت الجميل، لكنهم فعلوا ما لم يكن يتصوره عاقل، وهو مقابلة الإحسان بالإساءة المنكرة، والجميل بالعقوق القبيح، فأساءوا إلي النبي - صلي الله عليه وسلم، وهو لا يستحق الإساءة، بل يستحق الاحترام والتبجيل والتكريم، لأنه صاحب فضل علي البشرية كلها، وأساءوا بالإساءة إليه إلي كل أتباعه الذين واسوهم ووقفوا بجوارهم في المحنة التي ألمت بهم من قبل أولئك الإرهابيين المتطرفين الذين اعتدوا عليهم في مقر صحيفتهم، لقد صاروا إرهابيين أكثر من الإرهابيين، لأن الإرهاب يؤذي أفراداً أبرياء بلا تحديد والعاملون بصحيفة «شارلي إبدو» فعلوا ذلك، وأساءوا إلي كافة المسلمين بلا تحديد، وأثبتوا بحماقة تصرفهم وسوء مسلكهم أنهم لا يقلون عن الإرهابيين سوءاً ولا يختلفون عنهم في التعامل مع الضحايا شمولاً وشيوعا، ووضعوا الذين تعاطفوا معهم في موقف حرج حين غلُّوا أيديهم عن الاستمرار في مهاجمة الإرهابيين، وأضفوا علي تلك الجريمة النكراء التي لحقت بهم، قدراً كبيراً من التبرير لما فعله المتورطون فيها، ووضعوا لبنة التفكير في تكرار مثلها مستقبلاً، وجيشوا العالم الإسلامي كله ضدهم، وغلوا يده عن التفرغ للوقوف ضد الإرهابيين.


يا أيها الصحفيون الفرنسيون الكرام: إن حرية التعبير لا تعني التطاول علي الرموز والمقدسات فلا تغالطوا، ولا تخلطوا الصواب بالخطأ، ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، كفاكم غروراً، واستهانة بالشعوب الإسلامية، إننا بشر مثلكم، ولنا مشاعر يجب أن تحترم من الجميع ولا تنسوا أننا نحبكم ونحترم ثقافتكم ونقدر دور بلدكم في احترام حقوق الإنسان والمشاعر الإنسانية ولكن حبنا لكم لا يمنعنا من أن نصدع في وجوهكم بأعلي صوت «إن المساس بنبينا محمد - صلي الله عليه وسلم - أو غيره من الأنبياء والمرسلين خط أحمر فأفيقوا يرحمكم الله.