الحنين إلي سيدي

26/01/2015 - 10:15:50

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - أحمد أيوب

منذ زمن يأخذني شوق غريب فيه من الخيال أكثر ما به من واقعية، هو بالتأكيد شوق لن يتحقق، لكنه وكأنه ضمير يصرخ بداخلي ليعاتبني علي تقصير ارتكبته مثل مئات الملايين غيري في حق رسول الله، يأخذني شوق أن أعيش ولو بالخيال في عصر النبوة، أن أنضم إلي زمرة الصحابة الأوائل، أن أملي عيني برؤية الحبيب، وأنهل العلم من مدرسته النورانية، أن أزاحم الصحابة المبشرين بالجنة ، أعيش في رحابهم وأتعلم من بساطتهم وفدائيتهم.


حلم يفصلني عنه 1436 عاماً، لكنه يغلبني، أحياناً أشعر أنه إيذان بموت قادم لا محالة عما قريب، تأخذني فرحة غامرة تغلفها الدموع تنسال علي وجهي من فرط سعادتي، فطوبي لمن أتته المنية وهو يهيم عشقاً في لقاء رسول الله، بشراك يانفس بلقاء من تحبين، لكن سرعان ما تسيطر علي الرهبة، خوف يقلب فرحي حزناً ودموعي دماً، فماذا فعلت كي يكون لي وجه أقابل به الحبيب، أني لي بعين تجرؤ علي مواجهة النبي وصحابته، ماذا فعلت من أجله وماذا بذلت لنصرة ديني، هل بلغت عنه ولو آية، هل أمرت بمعروف، هل نهيت عن منكر أو أصلحته ولو بأضعف الإيمان، هل كنت قدوة بأخلاقي، هل اقتديت به -صلي الله عليه وسلم- في منهجي وحياتي، بكم حديث مما تركه لنا النبي الأكرم عملت، بكم وصية التزمت، بكم حكمة نبوية تحدثت، نعم أسأت إليك يارسول الله عندما ظننت أن الحب وحده يكفيني، فأني لحبيب يخون حبيبه أو يخذله، وقد خذلتك.. يا حبيبي.


خذلتك حين أهملت سنتك وابتعدت عن منهجك، غرتني الدنيا فنسيت الآخرة، أخذني زخرفها فهرولت خلف نعيمها وتمردت علي أجمل ما فيها من جد وتعب وعرق، استعبدني المال والعيال فما تذكرت فقراء ولا جياع أمتي.


نعم أنا مسلم من أمة الحبيب في الأوراق الرسمية، خانة الديانة في رقمي القومي شاهدة علي ذلك، لكنها بئس الشاهد، أن نستشهد علي إسلامنا ببطاقة الهوية، الأصل أن تشهد علينا أعمالنا وليس بطاقتنا، أنا من أشد المتحمسين لحذف خانة الديانة من البطاقة، ليس لأني منضم لمن يتحدثون عن المواطنة، فالإسلام هو نفسه من اخترع ورسخ كل مبادئ المواطنة، ولكني أري خانة الديانة هي أس البلاء الذي فيه المسلمون الآن، اكتفوا بها ونسوا العمل، كل من كان في البطاقة مسلماً اعتبرها كارت النجاة من النار ودخول الجنة، وتلك هي الكارثة، خانة الديانة أصبحت السبب في تكاسلنا عن اتباع أوامر ديننا ، ربما لو لم تكن موجودة لبذل كل منا ما في وسعه كي يثبت إسلامه ويؤكد إيمانه، ولا أستثني نفسي من هذا الجرم في حق أنفسنا وحق نبينا الهادي المصطفي الذي تمني أن يباهي بنا الأمم يوم القيامة، لكن حالنا الآن ليس خير أمة، لسنا أمة وسطا، وإنما أمة متطرفة تعيش أسوأ أحوالها، تتداعي علينا الأمم كما تتداعي الأكلة علي قصعتها، أكلتنا الأمم وشربت علينا، فهل استفقنا، هل عدنا إلي رشدنا، هل أدركنا أن ضعفنا سببه الابتعاد عن أصل ديننا وسماحته واعتداله، هل فهمنا أننا لو عدنا لمنهج الحبيب ورسالته لاستعدنا كرامتنا وعاد شموخنا وهيبتنا.


لم نفهم ولم ندرك ولم نع شيئا، نحن سكاري، حياري، زاغت الأبصار وتلعثمت الألسنة ونحن ندافع عن رسول الله، لم نعد نملك إلا كلمة واحدة، إلا رسول الله، نكررها ولا نعمل بها، نرددها ولا نفهم ما يجب أن نفعله من أجلها، نتغني بها ونكتبها علي واجهات منازلنا وزجاج سياراتنا، لكن كالحمار يحمل أسفارا، بئس الشعار نرفعه ولا نحميه، منا من يموتون من أجل مرشدهم، ومنا من يضحي بنفسه فداء كرسي فقدته جماعته، ومنا من يلقي بنفسه في التهلكة لنيل رضاء حبيبته، لكن أين رسول الله من حياتنا، أين حقه علينا، أين نحن من قوله -عليه الصلاة والسلام -: "والله لا يؤمن أحدكم حتي أكون أحب اليه من نفسه التي بين جنبيه" نحن لسنا هنا.. نحن مع رسول الله، مبدعون في الحب باللسان لا بالجنان، محترفون في الفداء بالشعار وليس بالنفس أو حتي المال، كلنا مذنبون، كلنا مقصرون، كلنا مطلوب منا أن نخجل من أنفسنا بسبب أفعالنا المخزية، فشلنا في أن ننصر رسول الله ونظهر دينه، ونحن أكثر من ربع سكان العالم وبأيدينا كل ما أوتي العالم من تكنولوجيا وأموال، بينما نصره صحابتة بالسيف والرمح والكلمة الطيبة، وصلت فتوحاتهم أبواب أوربا وحدود الصين، واخترقت إفريقيا؛ لأنهم كانوا مخلصين في حبهم، مطيعين في حياتهم، طلقوا الدنيا؛ طمعاً في الآخرة، باعوا نعيمها الفاني؛ لقاء نعيم الآخرة الباقي، أمَّا نحن فما زلنا ننتظر الهداية ولا نسعي إليها.. ندعي الإيمان ولا نعمل من أجله.. نعيب الزمان ولا ندري بسوءات أنفسنا.. حبيبي يارسول الله!.