لا أعرفكم

22/01/2015 - 10:19:54

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

ما يحدث في العالم من حولي جعل الكلمات غصة في الحلق، خنجر في القلب، وحزن تتسربل فيه مشاعري، تنكمش على نفسها، تجلس في وضع جنيني تحتضن الفراغ، ما يحدث يريد قلوبا ماتت حتى تتحمله، وضمائر انتحرت منذ زمن حتى تمرره ما يحدث هو لوحة عبثية للأسف يساهم كل منا بخط فيها.


***


أعرف أن العالم مليء بالجوعى والمساكين، مليء بمن يموتون بردا وجوعا وعطشا، ولن تنتهي أعداد المغلوبين على أمرهم طالما صرعة السيطرة والتملك موجودة في جينات الجنس البشري، أعرف كل ذلك، لكنني لا أعرف كيف يمكن أن ينام ضميري مستريحا مرتديا جوربه وملتحفا بغطائه الصوفي، ويغط في نومه العميق بعدما احتسى قدحا من القرفة الدافئة، كيف له أن ينام بعدما رأيت بعيني رجلا على شاشة التليفزيون يبكي، فقد مات ابنه بردا وجوعا على الحدود اللبنانية السورية، المصيبة ليست فيمن مات فقد استراح، الكارثة فيمن رأيتهم يلتحفون بالثلج ويقتاتون على ما تجلبه العواصف التي تصفع أجسادهم النحيلة، وهم بلا مأوى ولا غطاء ولا طعام، بعيدون عن ديارهم، ملتحمون بالعذاب والألم بلا أي ذنب اقترفوه سوى أنهم فقراء ضاعت أرضهم في صراع لم يتدخلوا فيه، فنزحوا للحدود، لأنهم من البداية فقراء لا يملكون ما يجعلهم يهاجرون كما فعل غيرهم بدولاراتهم وذهبهم، فتفتح لهم الدول التي ذهبوا إليها ذراعيها وتستقبلهم استقبال الفاتحين، يجدون الطعام والغطاء والاحترام، لماذا؟ لأن المال يشكل لنا ملامحنا، لأن العالم لا يحترم إلا الأغنياء، نعم العالم لا يحب الفقراء، تذكرت كلمات الإمام الشافعي وبكى قلبي، يقول:(يمشي الفقير وكل شيء ضده، والناس تغلق دونه أبوابها، وتراه مبغوضا وليس بمذنب، ويرى العداوة لا يرى أسبابها، حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة خضعت لديه وحركت أذنابها، وإذا رأت يوما فقيرا عابرا نبحت عليه وكشرت أنيابها).


***


شمسي ظامئة لقطرة ماء وقمري يجلس وحيدا بين قضبان السحب.


***


وتعتبون على الزمن، تقولون أن كل شيء قد تغير، أنتم من تغيرتم، تقولون أن الفرحة لم تعد كما كانت في أفراحكم وأعيادكم لأن الناس تغيرت، وأنتم؟ ألستم ضمن هؤلاء الناس؟ ألا ترون أنكم تغيرتم؟ الفرحة تغيرت لأنكم رضيتم بدستور زمن أهوج حارب اللون الأخضر بداخلكم فطاوعتموه واقتلعتم الأشجار من داخلكم، لذلك ضاعت تلك المنطقة الخضراء التي تسكنكم، هذه المنطقة التي تتنفس فيها مشاعركم وتمارس فيها رقة قلوبكم رياضتها اليومية، فقدتم اخضرار داخلكم فدبت الشيخوخة وزحفت التجاعيد على قلوبكم، وتجاعيد القلوب ليس لها أي عمليات تجميل، فاشربوا مما صنعته أيديكم، ستحرمون من رؤية الجمال، ولن تشعروا أبدا براحة النفس، لماذا؟ لأنكم فقدتم الطفل بداخلكم، خنقتموه بأيديكم لتصنعوا مخلوقا جشعا لا يقدر آلام الآخرين ولا يشعر بها، عيشوا على دماء غيركم وأحزانهم، ابنوا أمجادكم على رفاتهم، اقضوا يومكم في عد الغنائم، وناموا في حضن الضياع، فلا روح لديكم ولا قلب عندكم، أما أنا فسأهرب بقلبي، مسرحكم عبثي وعيونكم فقاعتان تسكنان تجويفا من حجر.


 يا كل من لم تهزه آلام الإنسان، يا من ذهب فراشه مطمئنا يهرع للدفء وينام على مشاهد يعرضها التليفزيون توضح ما يعانيه أخوة لنا في الإنسانية يموتون بردا وجوعا، يا هؤلاء أنا لا أعرفكم ولا أنتمي إليكم.