سمير أمين والفيروس الليبرالي

22/01/2015 - 9:55:06

محمد الحمامصى محمد الحمامصى

كتب - محمد الحمامصي

ما أشبه الليلة بالبارحة على الساحة المصرية بين ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 25 يناير 2011 وثورة 30 يونيو 2013، فالانقسام هو السائد بين الأمس واليوم وإن اختلفت القوى السياسية والفكرية وجرت الكثير من المتغيرات والتطورات العالمية، هذا ما يمكن أن نخلص إليه من كتاب المفكر اليساري والخبير الاقتصادي سمير أمين "قضايا الشيوعية المصرية.. وثائق الحزب الشيوعي المصري(الراية)" والذي يقدّم فيه قراءة في ثلاث وثائق للحزب الشيوعي المصري تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 و1957 مطلع العهد الناصري، وتخص السجال الذي انخرط فيه الطرفين: جمال عبد الناصر ونظامه من جانب والشيوعيون المصريون من الجانب الآخر، وتشمل ملخص وجهات نظر الحزب الشيوعي المصري "الراية" وملخص نقد مواقف "حدتو" فيما يتعلق بما اتخذته ثورة 1952 من سياسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وإصلاحية، والوثائق الثلاثة معنونة بـ "تحليلان"، و"بعد تأميم قناة السويس"، و"ثلاثة أعوام من نضال الفلاحين". حيث يرى أن "التحري عما حدث أيام الناصرية يفيد في إدراك حدود الحوار الراهن الذي تعيشه مصر، ويكاد يشبه حوار الطرشان الذي جرى بين عبد الناصر والشيوعية المصرية القديمة"، كاشفا إن الوثائق تلفت إلى أوجه القصور التي شابت هذا الحوار، وما زالت تتسم بها الحركة الشعبية الديمقراطية الوطنية الراهنة في مصر بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو.


ويسم سمير أمين في كتابه المرحلة الراهنة مصريا وعربيا وعالميا بـ "الفيروس الليبرالي" الذي يرى أنه "تفشى كالوباء بفعل ما تكرره وسائل الإعلام ليلا ونهارا وتتمثل المقولات المكونة لهذا الخطاب في أن مفاهيم وطموحات الوطنية "الناصرية في ظروف مصر" تنتمي إلى ماض طويت صفحته نهائيا مع انتهاء عصر الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وبين الغرب وأن مواجهة جوهر تحدي اليوم تقتضي قبول العولمة والانخراط في إطارها، كما تقتضي إعطاء الأولوية في الممارسة السياسية للاعتماد على مبدأ الديمقراطية الانتخابية متعددة الأحزاب، ويمثل المبدآن الهدفين المطلوبين والممكنين الوحيدين واللذان يفيدان المجتمع.


ويضيف "إن مجرد النظرة البسيطة والباردة للأمور لتدحض كل فقرة من الفقرات سابقة الذكر، فهذه المقولات لا تسعى إلا إلى تكريس هيمنة القوى المسيطرة عالميا (الاستعمار الليبرالي) وحلفائها المحليين لا غير".


ويرى أمين إن هذا الفيروس الليبرالي يعيش على قاعدة تسييس الجمهور، ويبذل مجهودا منهجيا لتحقيق هذا الهدف، وقد أنتج سحب التسييس ـ في تخوم النظام العالمي ـ فراغا احتلته قوى خرجت من وراء الكواليس لتحتل مقدمة المسرح، وتجلت هذه القوى تارة في تيارات تزعم أنها انبعثت من مبادئ دينية أصيلة وتارة أخرى كتيارات تزعم أنها قامت على أساس دعوة للعودة إلى الأصل الإثني، وهو ما جرى في يوغسلافيا وما يجري مع الأمازيغ في المغرب.


إن سجالات الماضي المكشوفة في الكتاب تمحورت حول إدراك مغزى التحدي الذي تواجهه الشعوب في المرحلة الراهنة وخاصة الشعب المصري، من خلال كشف تعارض طرفيها الناصرية والشيوعية بصفتهما "أخوين/ عدوين"، يقول أمين "من ناحية قامت الناصرية على فكرة قدوة "مشروع برجوازي وطني"ـ تديره الدولة وتسانده البرجوازية الوطنية ـ على تحقيق الهدف. أما الشيوعيون (أو بعضهم على الأقل ولفترات من هذا التاريخ) فقالوا إن البرجوازية الوطنية لا تستطيع أن تدفع إلى الأمام مثل هذه الحركة، فهي طبقة ضعيفة تبحث دائما عن التوافق مع الاستعمار والإقطاعية، ومن ثم فإن تحقيق الهدف يفترض إقامة جبهة شعبية واسعة تقودها طليعة يمثلها حزب شيوعي، بيد أن الطرح الحاسم ظل في الواقع ضبابيا ومتحولا من فترة لأخرى، حتى تنازل عنه الشيوعيون في خاتمة المطاف، كما أن الإسلام في تلك الفترة وعندما كان هذا السجال يحتل مقدمة المسرح، لم يتخذ طابعا سياسيا، وظل وراء الستار. فلم تؤثر القناعات الدينية في المجال السياسي رغم أنها لم تقل حدة عما هي عليه حاليا".


ويضيف "الحركة الشعبية التي أسقطت مبارك (مظاهرة 15 مليونا) ثم مرسي (مظاهرة 30 مليونا) ظلت منقسمة على بعضها من أول يوم إلى يومنا هذا. ظلت عاجزة عن إدراك مغزى التحدي الحقيقي. ظلت عاجزة عن تحديد أهداف استراتيجية مشتركة تتجاوز تعددية المصالح في الثورة. فظل ينقصها الوعي المطلوب والوسائل السياسية المطلوبة بإيقاف تدخل القوات المسلحة وضمان عدم تحكمها في الأمور".


وفي إطار تحليلاته لمحاولات توحيد التيارات والحركات الشيوعية يؤكد سمير أمين على أن قضية الجمع بين وحدة العمل في النضال وتعددية الأطراف في الحركة تقع في قلب التحدي الذي تواجهه الحركة الثورية المصرية بعد 25 يناير، فـ "يجب أن تكون مواقف وممارسات  هؤلاء الذين داخل الحركة مدركة ذلك، وأن يسعوا إلى تحقيق وحدة العمل وبالتالي تحديد أهداف استراتيجية مرحلية مشتركة مع احترام تعدد الأطراف".