أرستقراطية فرنسية .. فى صحراء سيناء

21/01/2015 - 1:21:32

دير سانت كاترين دير سانت كاترين

كتب - عرفة عبده علي - كاتب مصري

 شهد القرن التاسع عشر موجات


متزايدة من حجاج "الأرض المقدسة". قضاء عيد الفصح خاصة فى القدس وزيارة الأماكن التى باركها المسيح والسيدة مريم العذراء والبحث عن مشاهد توراتية. وشكلت هذه الرحلة فى الأدب الفرنسي جزءاً مما عُرف بـ"الحج إلى الصحراء" فقد كان الأدباء الفرنسيون يعدون الرحيل فى الصحراء فضاءً أدبياً وجمالياً، وقد أنتجوا فصولاً رائعة فى وصف الصحراء العربية وفى وصف البدو والبادية. وكانت الرحلة إلى الأرض المقدسة تبدأ غالباً بزيارة مصر.


والكونتيس "فاليرى بواسيه" (1813 ـ 1894)، كانت تنتمى إلى عائلة أرستقراطية فرنسية، واقترنت بالكونت "أجينور دى جاسباران" السياسى الشهير والذى كان يمثل النبل البروتستانتى فى جنوب فرنسا. وكانت سيدات الطبقة الأرستقراطية الفرنسية - فى ذلك العصر - يتبارين فى الأناقة والعطور والثقافة الرفيعة!


نشرت دى جاسباران عام 1843 كتابها الأول عن الزواج من وجهة النظر المسيحية، وتأملات أولية حول الزواج المثالى. فى الخامس من أكتوبر 1847 وصلت إلى اليونان، وفى بداية ديسمبر وصلت إلى مصر ثم سلكت الطريق التقليدى من القاهرة صعوداً فى النيل حتى "دندور" فى يناير 1848، وفى منتصف مارس اجتازت سيناء حتى القدس، وبقيت حتى قضت الأسبوع المقدس، ثم زارت بيروت.


نُشرت رحلة الكونتيس دى جاسباران فى نهاية عام 1848، وأُعيدت طباعتها عام 1850، وبعد خمسة عشر عاماً أوحت لها الرحلة إلى "القسطنطينية" كتاباً جديداً احتشد بالجاذبية التلقائية وطرحت للمرة الأولى مشكلة حياة المرأة فى الشرق. كانت كتاباتها تجسيداً للطابع الأخلاقى الاجتماعى والدينى، وللفكر البروتستانتى الليبرالى فى ظل الإمبراطورية الثانية.


كانت الكونتيس تفرض على طاقم الدهبية المرافق لها فى رحلتها فى نهر النيل التقيد بالراحة الأسبوعية، وتميز أسلوب تعاملها مع الجميع بالرقة والتواضع.


وصف النقاد كتاباتها بشكل عام بالحيوية والحساسية والورع المخلص الخالى من التزمت، وبالكثير من الانجذاب نحو جميع أشكال الحياة، وكتب "برشيه" عن رحلتها أنها كتبت بأسلوب ملىء بالسعادة والهوى والطبع الحازم والذكاء المتوقد، ووصف موهبتها بأنها ليست خلاقة فحسب، بل إنها حدسية على نحو عجيب، وأنها موهبة لا تبتدع إنما تعيد إنتاج الواقع بأمانة لاذعة!


وتجدر الإشارة إلى أن الرحالة الأوروبيين الذين جابوا صحارى جزيرة العرب والعراق وبلاد الشام وسيناء كان "البدو" موضوع اهتمامهم، أكثرهم أنصف البدو وأبرز فضائلهم، والبعض الآخر أبرز مثالبهم فى إطار نظرة غربية استشراقية لا تخلو من الإجحاف ونبرة شفقة على حياة "البدوى البائس"!


وسوف أُركز على مشاهداتها وانطباعاتها عن البدو وتقاليدهم ونمط حياتهم فى شبه جزيرة سيناء. كتبت: "يشتمل زى البدو على قميص بأكمام قصيرة، ويشدون هذا القميص عند الخصر بحزام عريض من الجلد المطرز، ويحشرون به خنجراً معقوفاً، وقد ثبت شيخ القبيلة على حزامه مسدسات، وكان أحد البدو المرافقين يحمل بندقية محفوظة بعناية داخل غمد من الجلد، ويلقى بعضهم فوق بعض هذا القميص رداء من الصوف بخطوط سوداء وبيضاء، ويضعون فوق رؤوسهم المغطاة بالطربوش أو العمامة قطعة من القماش ذات لون غامق، يطوونها على نحو أنيق ليحتموا بها من شدة الشمس. وللبدو جميعهم لون برونزى قريب إلى الأسود، ووجوههم لها هيئة نبيلة، ومعظمهم يلبس فى السبابة خاتماً من النحاس".


كانت الكونتيس خلال تنقلاتها بين مضارب البدو، تتساءل: "رغم ظروف حياة البدو ومعاناتهم من الفاقة. لماذا سلوكياتهم أكثر وداعة وأكثر اجتماعية؟ وفى واحة "وادى فيران" توقفت القافلة الصغيرة فى استراحة طويلة، وتمددوا تحت أشجار النخيل وغمروا أيديهم فى المياه. كانت بعض العائلات البدوية هناك تملك أكواخاً مؤلفة من سور دائرى مغطى بالأغصان اليابسة ومساكنهم هذه تقريباً مهجورة الآن ولا يأتون إليها إلا وقت حصاد التمر، ثم رأينا على مسافة أبعد امرأتين محجبتين ترعيان قطيعاً من الماعز بين الصخور. عدد من البدو ألقوا التحية على رجالنا واصطحبوهم لشرب الحليب فى خيامهم السوداء، أدهشتنا الالتفاتات الودية السائدة بين البدو، فهم يأخذون بيد بعضهم عدة مرات وهم يكررون عبارة سلامات، وهم يتحدثون بعذوبة بالغة وبشىء من الصرامة، ويخرجون من عبهم الفواكه والشعير ويقدمونها لنا دون انتظار للبقشيش، وأنا لم أشعر بأمان مثلما شعرت به بينهم، كنت أشعر أنى محاطة بأفضل البشر!


عند الظهيرة غادرنا وادى فيران وأشجاره الباسقة وسحر خرير مياهه الجارية وتعمقنا فى وادى سولاف. كنت أكتب جالسة على الرمال فى الغريز المصفر، على يسارى وادى "سربال" العجيب وحولى تاج من الجبال الرمادية التى انسابت منها تلال جرانيتية. غادرنا الشيخ "مبارك" الذى زرنا خيامه السود فى عمق الوادى، وهو على جمل يتبعه "باهى" واثنان من البدو حيث ذهب ليقضى الليل بين قبيلته".


اجتازت قافلة الكونتيس وادى "مغارة" الذى اكتشف به المصريون القدماء مناجم الفيروز والنحاس فى عصر الأسرة الأولى مروراً بمقبرة الناسك "صالح" إلى وادى "الراحة" تحيط به قمم جبلية تعلوها أشجار الأكاسيا ثم واحة النخيل ومناطق امتزجت رمالها بالحصى والأحجار المصقولة، بعضها حافظ على ألوانه اللامعة، وأخرى تشبه المرمر الرقراق. وشاهدوا غزالاً يجتاز الوادى فى لمح بالبصر ومضى وسط الجبال من جهة الشرق. حتى وصلوا إلى نبع خرج منه رافد صغير وأشجار نخيل قصيرة وسط أشجار التمرهندى تتناثر على أطراف وادى "جروندال". وكتبت: "كان هناك بعض من البدو يطحنون التمرهندى لإطعام إبلهم، قدموا لنا حليب النوق، وقد طفا الزبد على حواف الإناء، كان لذيذ الطعم واستمتعنا به جميعاً. وفى طريقنا إلى وادى "أوسيت"، مررنا بقيعان السيول الجافة وبعض الهضاب، واقتفينا آثار الغزلان ثم انطلقنا نعدو صوب خيامنا المقامة قرب ثلاث من أشجار النخيل، واتخذت الإبل الحاملة للحقائب أماكنها قرب النار، النباتات الشوكية تلمع والقمر يتلألأ عاليا. ياله من ليل ساحر بعد اثنتى عشرة ساعة من السير على الأقدام أو على ظهور الجمال". وبعد أن أُنيخت الجمال قال باهى: "اعطوا الجمال التمر كى تحلى أسنانها"!


وعلى قمة جبل سيناء: أثر خالد وسجل تاريخى لمن يريد أن يستطلع سر الذين شيدوا للخلود ويستحضر صور الرهبان "سر المحبة" محل الخوف من مواجهة ما يجل عن الوصف "الله محبة". دير سانت كاترين: الذى تروى الأساطير أنه شيد فى ذات المكان الذى آنس عنده موسى ناراً فأراد أن يأتى منها بقبس، بالقرب من شجرة "العليقة"، وللدير سور عظيم مشيد بالجرانيت، جزء منه السور الأصلى الذى شيده "جوستنيان" ويحيط السور بعدة أبنية داخلية بعضها فوق بعض، أحياناً أربعة طوابق، تخترقها ممرات ودهاليز، ومن اختلاف أشكال المبانى يستدل الزائر على أنها شيدت فى عصور مختلفة.


نزلت الكونتيس وزوجها الكونت ضيفين على رهبان الدير، وتحدثت عن انطباعاتها فكتبت: "كنت أراقب المصباح الصغير الذى كان ضوءه يرتجف أمام الأيقونة، حتى تنبهت إلى النواقيس التى دقت باعثة ارتجافات قصية فى الصمت المطلق، ثم فقدت وعيى بكل الأشياء حتى اللحظة التى رأيت فيها تسرب شعاع الشمس من خلال نافذتى الخشبية، كان فتح الباب يمثل لحظة مفاجئة قريبة إلى الانسحار لشدة غرابة المكان، كانت الأشياء العجيبة التى لمحناها بالأمس عند وصولنا موجودة فى ذلك الصباح البارد منتصبة وحقيقية وواضحة إلى حد غريب تحت الضياء الأبيض الساطع، متراكمة وضعت بعضها فوق بعض بلا أفق لشدة ما كان الجو نقياً، وصامتة كما لو أنها ماتت إثر شيخوخة ألفية، فكانت هناك كنيسة بيزنطيــــة ومسجد وقلايات وحجرات صغيرة وحواجز وسلالم متشابكة وأروقة وأقواس صغيرة تهبط إلى المنحدرات، محاطة جميعها بالأسوار الضخمة، ارتفاعها نحو ثلاثين قدماً، معلقة على جوانب جبل سيناء العملاق، كانت الشرفة التى تنفتح عليها حجراتنا وتشكل جزءا من مجموع الأبنية التى لا عمر لها، بعضها أصبح أطلالاً".


وسمح لها الرهبان بزيارة غرفة المقدسات. عدد هائل من الشمعدانات والأيقونات الذهبية. وبين واحة النخيل وأشجار السرو واللوز والزيتون والبرتقال المزهرة استمعت إلى معجزات القديسة كاترين و"حكايات حقيقية وبسيطة عن الدير".


كان نهار القافلة الصغيرة يبدأ فى الساعة الرابعة صباحاً، حينئذ ينهض الجميع: الكونتيس وزوجها وجانيت وأنطونيو بادئين بترتيب ما بداخل الخيمة حتى لا يبقى سوى أن يضعوا الفرس والأغطية فى الكيس، ثم يتناولوا إفطارهم مع أقداح القهوة: "وبينما يكون المرافقون منشغلين بتناول الإفطار بدورهم، نأخد توراتنا ونذهب لنجلس على مبعدة خطوات أمام الشمس التى تسطع على الصحراء مثل كرة مشتعلة فنقرأ ونصلى، إنها لحظة مراسيمية وعذبة، تتركنا فى غبطة عميقة"!


كانت الكونتيس وقد عايشت البدو تنظر إليهم بعطف كبير "هؤلاء الذين يتوارثون تقاليدهم القديمة وبساطتهم، نفوسهم الأبية قادرة على الإدراك والسيطرة على الأمور. يعيشون على حبات قليلة من التمر وقدح من القهوة المرة ورغيف خبز. لم تتغير حياتهم منذ آلاف السنين، يحكمهم شيخ القبيلة بقانون غير مكتوب، وهم أكثر شعوب الأرض فقراً وأكثرها كرماً وسخاء"!


إن ما يميز أسلوب الكونتيس دى جاسباران أنها تجعلنا نعيش معها فى فضاء أدبى رحب، فهى لا تقدم مجرد بورتريهات صحراوية، بل صور نابضة بالحياة فى إطار من الشاعرية. وهل يمكننا القول إن شاعرية الكونتيس الفرنسية تستلهم رومانسية الصحراء فى مخيلتها الغربية؟


وتمضى قافلة الكونتيس نحو "عيون موسى" فتجتاز هضابا وتلالا رملية تحت شمس الظهيرة، وتلوح فى الآفق بضع شجيرات، استراحوا عندها. ولحظات من التأمل: "إنها عيون موسى، ولا أدرى لماذا لم يرد ذكر واحدة منها فى سفر الخروج، نبع الماء ينبجس من بركة بلون أبيض ترابى. شربنا منه باستمتاع كبير، ثم تمددنا تحت أشجار التمرهندى فى حديقة بدائية يقوم بزراعتها أعرابيان، ذهبا ليقطعا لنا البصل والفجل، فأخذنا نقضم منه حتى أتينا عليه كله...".


وكتبت دى جاسباران: "لا شىء يعادل عذوبة نزهتنا الصباحية" كانت هذة النزهة تستغرق نحو الساعتين مع شروق الشمس، كان الجو بارداً ودرجة الحرارة ست درجات، تنتشر الزهور فى وادى أوسيت وشجيرات صفراء ونباتات رقيقة تتفتح فى الرمال، عصفور يغرد على أعلى غصن. يبدو المشهد كفردوس وسط الصحراء، والصحراء بحد ذاتها جميلة، تمتد بلا حدود والروح تتسع فيها، مثلما الحال على قمم الجبال عندما تتصل الروح بربها مباشرة!".


وتمضى القافلة تطوى عدة أودية حتى تصل إلى قرب خليج العقبة "فتجلى لنا البحر فجأة بلونه الأزرق الحاد. كان المساء هادئا، وشرعت الإبل الطليقة من أحمالها بقضم نباتات الوادى اللذيذة".


ومثلما رصدت الكونتيس مظاهر الطبيعة الصحراوية فى سيناء، رصدت أيضاً سمات وتقاليد البدو وقد عاشت حياتهم فى حلهم وترحالهم، تناولت طعامهم وشربت قهوتهم، وتحملت وهج الشمس والعواصف الرملية، وبين وهاد وأودية سيناء وقمم جبالها: سمت بها الروح وارتقت عالياً. وكانت لها وقفاتها التأملية فى الحياة والكون والعقيدة. هناك فى صحراء الأبدية، حيث صوت الإنسان فى الصمت وآثار أقدامه فى الرمال!