السعودية سلام عبد العزيز في روايتها دحرجة الغبار: الثورة على ازدواجية المعايير

21/01/2015 - 1:18:48

رواية دحرجة الغبار رواية دحرجة الغبار

كتبت - انتصار عبد المنعم - كاتبة مصرية

سلام عبد العزيز، روائية سعودية، دخلت عالم الرواية قادمة من مجال الصحافة، لتتجلى في أولى رواياتها (العتمة)، مساحة الوعي الشاسعة التي اكتسبتها من سنوات انخراطها بالعمل الصحفي. تكتب أدبا، ليس من ذاك الصنف الذي يروق للنقاد تصنيفه وفقا للجندر. فهي إن كانت تغوص في أعماق شخوصها من النساء، إلا إنها تكتب على خلفية وعيها التام بالقضايا المُلحة لمجتمعها، وارتباط هذه القضايا بقضايا أخرى محلية وعالمية باتت تلقي بظلالها القاتمة على دول المنطقة العربية بأسرها.


(1)


رواية (دحرجة الغبار) الصادرة عن دار الساقي، تدور في فضاء روائي متخيل لدولة لم تسمها الكاتبة، وأطلقت عليها "سيِّان"، بل إن دول المنطقة كلها أصبح لها نفس الاسم (سيان) فلا فارق بينها. "سلام عبد العزيز" نفسها، تكتب تحت اسم مستعار، ولم تتوقف كثيرا عند إشكالية الاسم، فلديها رسالة تريد لها أن تصل، ولا تريد شهرة وإحداث ضجة حول ما تكتب تحت عناوين مبهرة مثل كشف المستور وفضح المسكوت عنه! فهي تهاجم الظلم والقهر وقمع الأحلام في مهدها، سواء للمرأة أو الشعوب، لكنها لا تتنصل من تراثها، بل تريد تنقية ما شاب العادات والتقاليد، وطقوس الدين نفسه من شوائب دخيلة بثت الفرقة والتناحر بين الجميع. تريد أن يتخلص الجميع من هذه الازدواجية القائمة بين القول والفعل، وبين المظهر والجوهر. وكما لم يشغلها كثيرا أمر اسمها الحقيقي، لم يعد أيضا لأسماء الدول أهمية مع تكرار الأحداث المتشابهة التي تدور فيها، وسير المجموع على نفس الوتيرة من السلوك المتناقض مع تلك الشعارات التي يدحرجونها من على ألسنتهم، بلا انتباه، مثلما يدحرجون الغبار بأحذيتهم ليطير في الهواء، فيرتد إليهم بعضه يحجب عن أعينهم رؤية عيوبهم الذاتية التي كانت أجدر بالثورة عليها، قبل أن يثوروا على عيوب الآخر. أما الفضاء الزماني للرواية فهو ذاك الذي أطلقوا عليه زمن ثورات الربيع العربي، قبل أن تتحول إلى خريف دائم.


(2)


عبر 28 فصلا، أعطت الروائية لكل فصل منها عنوانا، ينير بعضا مما تريد قوله عبر لغة تماهت في الرمزية ترصد بها عالم "قبس" الذي تعيش فيه وسط البائعات وهي تحمل همها الخاص، بعد فرارها من منزلها، وفي الوقت نفسه يسير معها عالم آخر في مشاهد متفرقة ومتقطعة من ثورات الربيع العربي في دول المنطقة. وتتجاور صيحات ثورة الذات داخل "قبس" مع صيحات الثورات المتتابعة في دول سيان، فتخلصها من زوجها لم يكن سوى ثورة على مستنقع العفن والرذيلة الذي غرق فيه ويريد أن يجرها إلى قاعه مع ابنتها. ولا تجد سوى الحديث إلى نفسها مهدهدة أحلامها بتغير الوضع الحالي كي تعبر المستنقع الذي يريد أن يبتلعها في جوفه: "أنا عالقة في العفن، تبعثرت في الوحل مزقا. بي وجع مر يفري أحشائي، وينتشر لاذعا تحت لساني. لذا، سأفتعل حادثة كبيرة لأعبر إلى الشط. سأدق بها العالم حتى يفيق، وأهتف للشمس بملء فمي: لا حياة دون كرامة، كما لا عيش دون شمس. في عروقي يجري دم سيان، لكني، عوضا عن بكائياته... أدمنت الأمل".


فلم تكن تستطيع العيش في كنف زوج يمتهن كرامتها وشرفها، وفي وقت تعلن فيه ثورة الأمل بداخلها، تستفتح الكاتبة فصول الرواية بهتافات الثورات بأشعار أبي القاسم الشابي، ومقولات تحيل إلى رؤساء الدول التي تعاقبت عليها رياح الثورات (فهمتكم، فهمتكم جميعا، الوضع يفرض تغييرا عميقا وشاملا، باطل، باطل، الشعب يريد إسقاط النظام، من أنتم؟ من أنتم؟).


ولم تكن قبس النموذج الوحيد الذي يعاني القهر، بل جاءت الكاتبة بنماذج أخرى تظهر من خلالها كيف أن الرجل ليس المعني وحده بأمر قهر المرأة، بل إن المرأة تقهر المرأة أيضا، بل إن شعوب سيان تقهر بعضها بعضا لو أتيحت لها فرصة واحدة يوما. فـ"شرابة" ترفض لونها الأسود وترفض علاج أمها، وتخبئ نقودها أسفل غرفتها إلى أن تأكلها حشرات الأرض. بل إن مشهد البائعات في السوق يجسد الهم والقهر معا، ووراء كل بائعة قصة موغلة في الظلم. فهذه (غلابة) مدرسة التاريخ التي فصلوها من عملها لخروجها عن المقرر المدرسي الذي زيف التاريخ ، والقبض على زوجها ليختفي طيلة 20 عاما لا تعرف له عنوانا. (غلابة) لأنها سمحت لنفسها ألا تكون "سيان" مثل الجميع، وبدأت تجادل التاريخ، أصبحت محل اضطهاد المسئولين عن السوق، يبعثرون بضاعتها دوما، رقيب السوق يمازح (أم فهاد) ويتربص بأم العيال (أم خالد) ويصادر بضاعتها رغم توسلها وبكائها عند قدميه قائلة: (استر عيالي يا طويل العمر) ولكنه يرفسها بقدمه، ثم يأتي رقيب السوق يقبض على غلابة لأنها همست بكلمة "ظالم" بينها وبين نفسها، فهم يحاسبونها على ما يدور في خاطرها أيضا!.. وتتداعى حكايات المقهورات على خلفية هتافات شعوب سيان بينما يقتل بعضهم بعضا "وهم يهللون الله أكبر الله أكبر".


(3)


تبدأ الرواية بفلاش باك لجزء من قصة قبس مع زوجها، وإشعالها النار في غرفتة ثم فرارها بطفليها. لكنها لا تعطينا السبب المباشر الذي جعلها تتخلص من زوجها، ربما خجلا، وشعورا بالخزي مما كان يفعله، وهذا نفسه الذي جعلها تضحي بحياتها قصاصا في النهاية ممتنعة عن ذكر السبب الحقيقي خوفا على مستقبل طفليها من فضيحة تظل لصيقة بهم بين أم قاتلة وأب مرتكب للفاحشة. يأتي مشهد الفرار وهي تتهاوى إلى الأرض، وتتداعى معها هتافات الربيع وآيات القصاص، وتعود إلى إسقاطاتها على الربيع العربي، ومشهد الستائر التي تلعب بها الريح كما عبثت رياح أخرى بمدائن سيان وربيعها الدامي وانقلاب الحال (السجين يحكم، والحاكم يسجن، المظلوم يظلم) . ورغم عدم تصريحها بالأسماء فإن الكلمات القليلة التي توردها تدل على قائلها (حرام عليكم) ومشهد القتل والتعذيب والانتهاك له قبل موته يشي بالأسماء والشعوب السيانية التي تنتشي بمشاهد التقتيل، وتبادل مقاطع الفيديو للمقتولين، فهاتف "شرابة" يستقبل مقطعا لشاب تم التمثيل بجثته، بينما هي مشغولة بجمال ثغر ووسامة المقتول!


(4)


تعتمد سلام عبد العزيز في روايتها، على لغة عالية تفيض رمزا وعمقا، كي لا تتورط في لغة مكشوفة تناسب عالم المتناقضات الذي ترصده. فإلى جانب عالم القاع الذي يمثله هلال وشرابة وجارها بوحمد، هناك عالم آخر يسمو فوق هؤلاء يسكن فيه يوسف البار والشيخ خضر. ففي الوقت التي ترصد سير حركة الثورات العربية ضد حكامها، ترصد معها فساد الشعوب نفسها حينما تمكنت من رقاب بعضها بعضا، وكأنه بعدما تم التخلص من (طاغ) واحد استبدل به طغاة يظلمون أقرب الناس إليهم. فهلال، يرفض الزواج من "بدرية" بعد أن حملت منه فتنتحر مخافة الفضيحة. وتظهر المقارنة صارخة بين "هلال" وبين "أناجا" الخياط الهندي الذي جاء على كفالته ثم استغله في فعل الفاحشة رغما عنه، ولم يتركه إلا بعد أن تكفل أناجا بتوفير النساء، عن طريق التأثير الذهني عليهن ومن ثم ينزع عنهن الإرادة والتفكير فيما يفعلن مع هلال.


"أناجا" كان أكثر رحمة وإنسانية بـ (قبس) من هلال الذي ينتمي إلى بني جلدتها السيانية. فعندما اقتحم هلال عليها غرفتها، آمرا أناجا بمساعدته كي يغتصبها، نهاه أناجا قائلا: هذه حُرمة مسكينة، أنا أشوف أنه حرام حرام. فيسخر منه هلال: حلوة حرام، هندوسي يقول حرام، من هو مثلك بلا دين. فيرد عليه أناجا ساخرا قبل أن يقتله: وأنتم بألف دين!


ويأتي النموذج "يوسف البار" رجل الدين الحقيقي، مقابل المزيفين الذين تمتلئ بهم الطرقات، فلم تصدق قبس أن هناك رجل دين حقيقيا.. وعندما عرض عليها الزواج، ظنت به الظنون وسألته: "وهل يخفق قلب الشيخ؟ فيجيبها: أو ليس بشرا؟ ماذا يعيبني إن أحببت امرأة من عباد الله تحت عينيه، لماذا يعاب علي إن أحببت، ولا أُعيَّب بالكراهية لو أنني كرهت؟". أيضا الشيخ خضر، الشيخ الصوفي، الذي رمم روحها المتشظية بحواراته معها التي كانت ترياقا أراحها في رحلتها نحو العالم الآخر وهي تكتم سرها.


وهكذا لم يكن هم سلام عبد العزيز هما شخصيا، بل على النقيض تماما، فلم تكن تلك المرأة التي تكتب لتثأر من قهر رجل ما، بل جعلت عذابات النساء ضمن عذابات كل المقهورين التواقين إلى حياة جديدة، ظنوا أن الأحلام الجميلة كافية لرسم مستقبل براق؛ تماما كما حدث في ثورات الربيع العربي.