أربع سنوات ثورية وأزمة الفكر والسياسة

21/01/2015 - 1:16:37

ثورة تونس 2011 ثورة تونس 2011

كتب - سلامة كيلة - كاتب فلسطيني

نهاية سنة 2010 شهدت حدثاً كان يبدو صغيراً لكنه بات المدخل لحراك كبير طال البلدان العربية، وبات يهدد بلدانا أخرى في عالم يتسم بوجود أزمة كبيرة، بعد أن شهدنا انفجار الأزمة المالية العالمية في سبتمبر سنة 2008، التي بدأت في أمريكا وطالت العالم الرأسمالي، والتي أوضحت أن الرأسمالية باتت تعيش أزمة مستمرة نتيجة تضخّم الكتل المالية التي تنشط خارج الاقتصاد الحقيقي وتمارس المضاربة بأشكال متعددة، والتي لم يعد ممكناً السيطرة عليها.


لقد بدأت الثورات من تونس ممتدة إلى مصر، ثم البحرين واليمن وليبيا، وصولاً إلى سوريا. كما حدثت فورات في الجزائر والمغرب والأردن وعُمان والعراق، ومن بعد وصلت السودان. حالة أذهلت العالم، وأخافت الرأسمالية، لأنها مع وجود الأزمة في الرأسمالية كانت تؤشّر إلى انفلات العالم، الحالة التي تحدث كل خمسين سنة، وتُحدث تغييرات كبيرة. ولقد بات ميدان التحرير مثالاً للثورة، وأصبحت حالة الثورة تحاول الامتداد، بعد اليونان التي بدأ الحراك فيها قبل الثورات العربية، إلى إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وإلى وول ستريت في أمريكا.


لكن لم تحقق الثورات المطالب التي تحرّكت الطبقات المفقرة، والفئات الوسطى من أجلها. وإذا كان شعار الحرية هو الذي ارتبط بشعار إسقاط النظام عموماً، فإن المطالب الاقتصادية كانت واضحة منذ سيدي بوزيد في تونس وصولاً إلى سوريا. لقد أدت التحوّلات الاقتصادية التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي ارتبطت بشروط صندوق النقد الدولي بخصوص الخصخصة وتحرير الاقتصاد، إلى تحوّل كبير في طبيعة النمط الاقتصادي، حيث تراجع وضع القطاع المنتج في الزراعة والصناعة لمصلحة سيطرة قطاع ريعي يتمثّل في النشاط في قطاعات الخدمات والسياحة والعقارات والبنوك والبورصة والاستيراد. وهو الأمر الذي فرض زيادة كبيرة في البطالة وتوسّع الفقر لكي يشمل نسبة كبيرة من الشعب، مع انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، وفي ظل نظم استبدادية مافياوية عائلية. لهذا كان التناقض يتصاعد بين أغلبية شعبية مفقرة والطغم الحاكمة، لينفجر نتيجة عجز هذه الأغلبية عن الاستمرار في الوضع المزري الذي تعيشه، وشعور فئات مجتمعية بالسحق الذي يشكله نظام استبدادي يهدر الحرية.


هذا الميل التصاعدي للاحتقان الاجتماعي كان يترافق مع ميل معاكس للفكر وللسياسة، حيث انفجرت الثورات في لحظات موت الفكر وموت اليسار خصوصاً. ولأن الشعوب تحتاج إلى قوى تعبّر عنها فقد شهدنا الفراغ الذي حكم الثورات، وبالتالي العفوية الشديدة التي سارت بها. فقد حاول الفكر اليساري التحرري أن يغيّر الواقع في العقود السالفة، لكنه بدا هشاً، بالضبط لأنه لم يكن قد فهم الواقع، نتيجة "تقليدية" المنطق الذي ظل يحكمه. ولهذا كانت التجارب التي ارتبطت به تستهلكه نتيجة فشلها. وبرغم ما تحقق من تقدّم في بعض المجالات فقد أوصلت إلى استلام فئات مافياوية السلطة ونهبها المجتمع، الأمر الذي أفضى إلى تفكك الفكر وتلاشيه، وحدوث التحوّل الكبير نحو اللبرلة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. وكان يحلّ محله فكر أصولي وهابي عملت السعودية على نشره بقوة أموالها لكي تجعل الانهيار الذي حدث منذ سنة 1970 حالة عامة لا تسمح بنهوض جديد. فهذا "الفكر" لا يفعل سوى استعادة القرون الوسطى التي تلت انهيار الدولة العربية الإسلامية. ولا يقدّم سوى مسح كل التقدّم الذي تحقق خلال قرنين من التواصل مع الحداثة الأوروبية. وكانت الأحزاب قد هزُلت وتحنطت، وانعزلت عن واقع المجتمع، لهذا ظهرت الأحزاب الأصولية كبديل عن النظم القائمة بعد أن باتت تعتبر معادية لأمريكا وللصهيونية وللنظم، وتحمل مشروعاً ديمقراطياً، رغم أنها ليست كذلك، ولا تمتلك حلاً لمجمل المشكلات الاقتصادية لأنها ليبرالية الميل نتيجة تمثيلها لفئات تجارية تقليدية، وتشابكها مع النشاط المالي.


لكن ليست هذه هي الإشكالية الوحيدة التي حكمت الثورات، حيث أن تناقضاً كان يحكم العلاقة بين الطبقات الشعبية المفقرة والتعبيرات السياسية التي تمثلت في الأحزاب، ولكن أيضاً في الفئات الشبابية التي لعبت دوراً في "قيادة" الثورات. وإذا كانت مطالب المفقرين تتمثّل أولاً في حل مشكلات البطالة وتدني الأجور وانهيار التعليم والصحة، على أمل تحقيق عيش كريم وحياة أفضل من وضع كان يؤدي إلى الموت جوعاً، فقد علا صوت تلك الفئات التي تعتبر أن الهدف الجوهري من الثورات هو تحقيق الحرية وتأسيس "دولة مدنية". ولا شك في أهمية هذا الهدف، لكن ليس من الممكن تأسيس دولة مدنية على بنية اقتصادية ريعية، وفي ظل وجود تمايز طبقي واسع، ونشوء احتقان اجتماعي متفجّر. لهذا ظهر الفصام بين الطرفين، وسمح بأن تسير الأمور نحو "نظام ديمقراطي" شكلي، لكن أيضاً دون أن تستقرّ الأمور، وهو الأمر الذي أفضى إلى ثورة ثانية في مصر، وأبقى الحراك الاجتماعي قائماً في كل البلدان الأخرى.


فأولوية الشعب هي غير أولوية "النخب" رغم أنه يمكن الربط بين المسألتين، لكن ذلك يفترض تغيير نظرة "النخب" للواقع، وعدم تجاهلها مطالب الشعب. والمشكلة هنا تتمثّل في الميل الليبرالي الذي يسكن هذه "النخب"، ويجعلها لا تمانع في استمرار النمط الاقتصادي القائم على الانفتاح وتعميم اللبرلة، بل يجعلها تعتقد أن ذلك هو أساس تشكيل نظام ديمقراطي ودولة مدنية تقليداً لما جرى في البلدان الرأسمالية في واقع لا يحتمل التقليد. وهذا الأمر يدفع تلك "النخب" إما الاستمرار في سياسة تهمشها، أو تلتحق بالنظام القديم نتيجة تمسكها بالنمط الاقتصادي القائم، في وضع يعمل "النظام القديم" فيه على إعادة فرض سيطرته وسلطته الشمولية، التي هي منفذه الوحيد لكي يبقى مسيطراً وحاكماً.


إذن، ستبدو أحلام الفاعلين السياسيين في تناقض مع أحلام المفقرين، وهذا ما يوجد حالة الفصام في الثورات، ويسمح بأن تتعثر، وأن يستغل النظام القديم ذلك من أجل إعادة فرض سيطرته. لكنه يؤدي إلى تهميش شامل لتلك النخب نتيجة أن الطبقات المفقرة ليس لديها خيار سوى الاستمرار في الحراك إلى أن تحقق مطالبها التي تعني تغيير النمط الاقتصادي بالتحديد.


ما ظهر خلال السنوات الأربع هو أن الشعوب عرفت مطالبها، لكن لم يكن البديل واضحاً بعد أن جرى تدمير موجة التحرر السابقة. لقد أفضى موت الفكر إلى تلاشي البديل، وبالتالي لا نشوب ثورات "عمياء" من حيث الإجابة على سؤال كيف تتحقق مطالب الشعب؟ فكيف يمكن أن تنتهي البطالة وأن يصبح ممكناً توازي الأجور مع الأسعار لكي يتحقق قدر من الرفاه؟ هذا يفتح على تناول النمط الاقتصادي القائم، الذي بكونه قد بات ريعياً لم يعد يستوعب العمالة الوافدة إلى سوق العمل، بل بات يستوعب نوعاً معيناً من العمالة، وبالتالي لا يستطيع زيادة أجور النسبة الأكبر من المشتغلين، رغم أنه يستوعب نسبة محدودة (ربما 20%) قادرة على العيش الجيد. والبديل هو التوظيف في الصناعة والزراعة والبنية التحتية والتعليم والصحة، وهذا ما لا يناسب الرأسمالية المسيطرة التي تعودت على النهب. الأمر الذي يفرض استرجاع دور الدولة الاقتصادي، الموضوع الذي فرض أن تمارس الطغم المالية العالمية والمحلية كل الضغوط من أجل تجاوزه كي تستطيع النهب دون رادع وبحرية مطلقة. وهذا الأمر يفرض تجاوز الخفة التي تحكم النخب، ويعيد إلى البحث العميق في المنحى الذي يحقق التطور والحداثة.


ولقد أوضحت الثورات التفارق بين الأجيال، حيث ظهر أن الشباب (الذي يعاني من البطالة أكثر، وكذلك من تدني الأجور) هو المحرّك، وأنه في قطيعة من المنظور السياسي والى حدّ ما الفكري، مع القوى السياسية والفكر السياسي الرائج. وهذا ما فتح باب التجريبية وأفضى إلى التعثّر نتيجة غياب الوعي الفكري السياسي لدى هؤلاء في الغالب، بعد أن كانت الأزمة التي يعيشونها تدفعهم سواء إلى التدين أو العبثية، وفي كلا الحالين من أجل القفز عن أزمتهم ذاتها، التي كانت تعني البطالة أو التوظيف بأجر لا يسمح بعيش معقول. وبالتالي تدفعهم إلى "الهرب من السياسة". لكن التجربة توصل إلى استنتاجات، فهذا هو أمر الثورات التي كانت تعتبر عادة كمدرسة لتعلم الفكر، وفهم الواقع. وربما هذا هو المسار الذي سيفتح على إعادة بناء الفكر، وتأسيس السياسة. فقد فرضت التجربة الانخراط في المعرفة، والشعور بالحاجة إلى الوعي الذي يسمح بفهم آليات الصراع، وما هو البديل الذي يحقق المطالب بدل الطرح السلبي أو المناشدة والأمل في أن يحقق "شخص ما" أو سلطة ما تلك المطالب.


هنا الثورة تقارب أن تنتج الفكر المطابق لجذريتها وعظمتها. وهذا هو المدخل لكي تحقق الثورات المطالب التي انفجرت نتيجة الحاجة إليها. وليجري الانتقال من العفوية التي وسمت الثورات إلى معرفة كيف تخاض؟ وما هو البديل الذي تريد تحقيقه من خلال السيطرة على الدولة؟ فهدف الثورة هو الدولة، هكذا بالضبط.