مصر: ثورة عجزت عن تكوين جسد مقاوم

21/01/2015 - 1:15:21

ثورة 25 يناير ثورة 25 يناير

كتب - د. مصطفى نور الدين - كاتب مصري

في 2 يناير 2011 كتبت على صفحتي في الفيسبوك تعقيبا على تفجيرات كنيسة القديسين:"إن مهاجمة فيروس لجسد يتمكن منه ويمرضه إذا كان الجسد أصابه الضعف وسقطت مناعته. ويكون ذلك العامل الأساسي لمرضه. العامل الثاني عندما لا يستشير الطبيب يشخص له الداء. والعامل الثالث عندما يرفض الدواء اللازم. مشكلة مصر أساسا داخلية.. لتحول بدنها لتربة صالحة لكل الأمراض والأوبئة. الحل؟ الأقلام نعم.. نعم. ولكن أيضا أن يهز المصريين "جتتهم" بالآلاف والملايين ويخرجوا لرفض الموت المبرمج لهم من الداخل أساسا ومن الخارج كعامل يسعى لذلك دون خفاء منذ عشرات السنين.أي محلل سياسي من الدرجة الثالثة لديه كل المعلومات والتقارير التي تقول بأن التحلل الاجتماعي لمصر وللبلاد العربية وارد بل وسوف يتحقق". بعد أيام تفجرت حالة ثورية متفردة وغير متوقعة.


وستظل الكتابة حول "الثورة المصرية" لوقت طويل حذرة لأنها لم تكتمل وتوقفها لحظيا لا يعني انتهاء الغضب الشعبي الاستثنائي تاريخيا. فكتابة التاريخ لحظات وقوع الأحداث هو رصد لما يقع ولم ينته.


أيضا لا يمكن القيام بعملية قياس على ثورات أخرى. فالثورات لا تتشابه، لا في انطلاقها ولا في المدة التي تدومها ولا في نتائجها. وسيكون كل إسقاط نظري على واقع تضليل. فمن الواقع تنبع أية تصورات وتظل نسبية في صحتها. وإذا رجعنا للأدبيات الكلاسيكية فإنها ترى الثورة هي انتقال من نمط إنتاج إلى نمط آخر أي حدوث تغيرات جذرية في علاقات الإنتاج وفي طبيعتها والطبقات المتصارعة ونجاح طبقة في إزاحة أخرى والإحلال محلها. غير أن هذا المفهوم بحاجة لمعاودة النظر حول صلاحيته في ظل نظام العولمة المعممة. إذا يلزم طرح سؤال حول "ما بعد الرأسمالية" وهل هو المزيد من تعمق الرأسمالية أم إيجاد بدائل؟


فالنظم الرأسمالية تظل بأزماتها ولا تنهار. أما التجربة "الاشتراكية" التي شكلت البديل النظري فانهارت مع أول أزماتها دون أن تدافع الطبقة العاملة عنها بل شاركت في هدمها. وتوقف الفكر أمام البديل دون التعمق في فهم أسباب نهاية "النموذج الحلم". بجانب أن النظم التي مازلت ترفع الاشتراكية كشعار قامت بتطعيم نظمها بالممارسات الرأسمالية. الطبقة العاملة في العالم الرأسمالي كفت عن طرح فكرة الثورة واكتفت بتداول الأحزاب مختلفة التوجهات على السلطة للقيام بإصلاحات وتحقيق بعض المكاسب سرعان ما تفقدها مع استيلاء قوة سياسية أخرى على السلطة ديمقراطيا.


فلا الاقتصاد علم ولا السياسة وإنما هما آليات مرحلية محدودة ويتم تبديلها عندما ينتج عن تطبيقها أزمات فتجدد في أساليب المواجهة لتعيد صياغة واقع تمارس فيه آلياتها على نحو أقل تأزما إلى أن توجد أزمات جديدة فتعاود مرة تلو المرة ابتداع آليات للتكيف. قد تنجح تلك الآليات في نظام وتفشل في غيره.


فليبرالية أمس ليست ليبرالية اليوم لأن الأخيرة تجدد في قيمها باقتباس قيم من النظم المناقضة لها لكي تتجاوز أزمتها بإعادة إنتاج نفسها في ثوب جديد وتخفف بذلك من حدة الصراعات بداخلها.


فلا تثق في "مفكر" يخبرك أن التاريخ أعوج لأنه لا يتطابق مع نظرية كتبها آخر في زمن مختلف وبشأن شعب عاش في موقع جغرافي مغاير وله ثقافة متباينة. كل شعب يصنع تاريخه. "فالتحجر الفكري" هو أن يطبق البعض فكرا على واقع يٌهمِل خصوصيته.


أعني بثورة اليوم حدوث تغيير جذري في ملكية وسائل الإنتاج لتصبح تحت سيطرة المجتمع وبالتالي تغييرعلاقات الإنتاج لتكون ثمرة قوة عمل المواطنين لصالحهم وأن يتم الاستيلاء على السلطة السياسية لتحقيق هذه الغاية.


تواجه الثورات معارضة خارجية وداخلية أكيدة. فكتبت في 17 يناير 2011:"لأن المسألة ليست تونس فحسب ولكن دول الجوار والدول التي تم تدجينها في المنطقة وحتى إفريقيا. ولذا فللغرب كلمته في المسألة لأنه لن يسمح بإعصار يهدد كل مصالحه القديمة والجديدة. سوف يسمح بموجة عاتية تهدأ وترطب الجو وتبعث بعض النسيم وبشرط استمرار مصالحة دون ضرر".


وفي 25 يناير كتبت:"أحزاب المعارضة بكل ألوانها السياسية أثبتت عجزها الدائم عن قراءة الواقع المصري والعجز بالتالي عن المشاركة في قيادة الحركة. فالعفوية الشعبية كشفت عن حالة يتم سياسي وتستلزم توجها سريعا يتجسد في مطالب واقعية وعدم السقوط في متاهات تجهض الحركة".


وفي 2 فبراير كتبت:"كل المحاولات التي سوف تبذل سوف تسعى لإجهاض هذه الثورة وأنه سيشترك في محاولات الإجهاض ليس فقط السلطة ولكن الأحزاب السياسية المدجنة من قبل تلك السلطة والتي ركبت موجة ثورة الشباب.. نجاح هؤلاء في إجهاض ثورة مصر سيكون خسارة تاريخية هائلة. فليت الوعي يظل على يقظته.. هذا هو الأمل برغم شدة التحديات".


تابعت الثورة المصرية لحظة بلحظة وكانت العبارة التالية مجسدة للإحساس الذي كونته.ففي 15 فبراير كتبت:"حاولت مقاومة القلق بما تحقق من مكاسب سياسية في طريقها للتجسد.. ولكن القلق لاحقني بعدم وضع علم مصر مكان صورة مبارك ووضع الله جل جلاله.. يساورني القلق لعدم بلورة مطالب اقتصادية للغالبية الفقيرة من العاملين.. يساورني القلق من الثورة المضادة التي بدأت ولن تتوقف من أجل الحفاظ على النظام الاقتصادي بنفس مؤسساته القديمة مع ما يعنيه ذلك من استمرارية للمجتمع الاستغلالي.. يساورني القلق لأن القوى السياسية ممزقه ولا تتمكن من التوحد. ربما كل ذلك مخاوف غير مؤسسة وأوهام حالم؟".


إن الهاجس الملازم منذ إزاحة مبارك تجسد في أن المعارضين للثورة لن يسلموا بالهزيمة وأن هيمنتهم السياسية مستمرة بشكل أو آخر لأن بيدهم كل الوسائل المادية وغير المادية للسيطرة. وأن مؤسسات الدولة حتى وإن لاح انهيارها فستدوم لأن بيدها كل مفاتيح الدولة داخليا وخارجيا ولا يمكن أن تسلمها للثورة.


لكل ثورة مشاكلها بحسب المجتمع الذي تفجرت فيه ووعي الشعب وعلاقات القوى والدور الذي يلعبه من يتصور أنه يقودها حتى ولو بشكل غير مباشر.


من مشاكل الثورة المصرية أنها مازالت "ثورة بالوكالة" ولم ترتق لتمتلك السلطة.فلقد تفجرت بعفوية في مجتمع حرم من ممارسة النشاط السياسي، ومن مشاكلها مخاطر الانحراف بتبني فلسفة تعادلية: ننسى إجرام الأعداء ونتركهم بسلام ولا نحاسبهم ولا يعاقبون على الجرائم التي يرتكبونها مقابل الاستقرار. أي "مصالحة المصطبة".


كان للثورة شعارات تمس كل أوجه الحياة في المجتمع. وظلت الشعارات تنشد وتحقق منها سقوط "رأس النظام" وحاشيته ولم يتحقق للثورة إنجازات ولو جزئية.


فالمطالب التي طرحتها الجماهير قسم منها يخص كل المواطنين. شعار العدالة الاجتماعية يشتمل كل الشعارات بداخله ويجسد الصراع الطبقي في المجتمع. وهذا الصراع لكي يحقق مكاسب فعلية بحاجة لمن يقوده بوعي من الطبقات التي تناضل من أجل أن تنال هذه العدالة المفقودة. غير أن الواقع كشف غياب تلك القوى المنظمة والواعية بمصالحها ومطالبها لتقود النضال لتحققه.


فإذا تعلق الأمر بالأحزاب التي تجسد المطالب في برامجها فهي في حالة من التشرذم وانعدام المسؤولية تاريخيا لعدم توحدها في تيار واحد يتبنى مطالب الثورة كبرنامج مرحلي يجتمع الكل حوله وترك اختلافاتهم في التفاصيل لنقاشات وحوارات ديمقراطية لاحقة ووضعها في "خزانة مصفحة" وقتيا. ولكن الواقع برهن على أن قواعد المقاومة غير فعالة نظرا لأمراض وخلافات قديمة وجديدة وصراعات على مستوى الشخصيات والنزعات النرجسية التي سعت ل تحقيق مكاسب شخصية.


ولذا رفعت شعار ضرورة تكوين أحزاب جديدة منذ سقوط مبارك يكون برنامجها مطالب الثورة وليس تطبيق أيديولوجية ما. فمطالب الثورة هي "إيديولوجية المرحلة". والأكثر إشكالية هو ضعف التنظيمات النقابية وتشرذمها وغياب نقابات فاعلة للدفاع عن شرائح اجتماعية واسعة.


إن أكبر الأخطاء التي وقعت كان العجز عن تشكيل "جسد مقاوم" في مواجهة مرشح النظام. غياب هذا "الجسد المقاوم" أطلق يد الدولة وحدها في سياستها.


كتبت عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة (مايو 2014): "من الثورة إلى معارضة عرائض!":


"اندهاش بلا حدود.. بل انزعاج من تلك الموجة التي يطرحها البعض على المواطنين بعدم ممارسة الديمقراطية بالاكتفاء ببلورة مطالب للرئيس المقبل. ما الذي يعنيه ذلك؟


هل على الفكر الذي تبلور طوال السنوات الماضية وقبل اندلاع الثورة ومنذ تفجرها عليه أن يتوارى وينسى "ثورته المأزومة" ليصنع منها بتخليه "ثورة مغدورة" بيده لا بيد عمرو؟


فمجرد طرح فكرة التخلي عن تكوين "جسد سياسي" متميز يعكس مطالب الثورة والانخراط في تيار عام مؤيد بشروط للرئيس المقبل معناه "الاعتذار عن الثورة" أي "آسفين يا شعب" ضحكنا عليك!


ومعناه السياسي أخطر إذ طوال سنوات سالت حول الديمقراطية براميل حبر واليوم يتم المطالبة بأن الخطر من الإرهاب وعودة الإخوان تتطلب نسيان الديمقراطية وتكوين "معارضة عرائض"!


حكم الفرد المنقذ هو "باي باي" للديمقراطية التي ستصبح وكأنها القنبلة المؤقتة التي تهدد بجر المجتمع إلى عودة الإخوان والحرب الأهلية وكل الكوارث سوف توضع عليها.إن ممارسة ديمقراطية شفافة ستكون هي العلاج بعيد المدى لكل المخاطر وخاصة عندما توجد كتلة معارضة متسقة تعبر عن مطالب المواطنين".


الدولة بتكوينها الحديث تفترض وجود أحزاب.. القضية المهمة بشأن الأحزاب هي ضرورة تكتل من يتفقون على خطوط عريضة ولكن تكتل دائم لا ينفض بعد فض الجلسة. فالديموقراطية أن يكون الاختلاف بين المواطنين حول أفضل سبل تقدم المجتمع وليس أفضل سبل استفادة طبقة دون طبقات أخرى! والحرية ليست لسلطة أو لطبقة أو لفرد أن يعتبرها خالصة له ويحجر على الغير حقه في حريته.. فحرية طرف ستكون مهددة من قبل من يعارضهم. الحرية للجميع أو لا حرية!


إن قطع خطوة صائبة لا يعني ألا نتعثر في خطوة لاحقة، ولقد أدت انتصارات الأيام الأولى للثورة إلى حالة من الرضا والظن أنها أنجزت مهامها على أكمل وجه، فكان الانفضاض ثم ما تلاه حتى الآن. خطوات متعثرة متتابعة نتج عنها حالة التشاؤم السائدة. لقد ظن الكثير في تحقق الثورة فكان ظنهم هو الإثم ذاته!