زيارة جديدة لثورة 25 يناير

21/01/2015 - 1:14:21

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - خليل كلفت - كاتب ومترجم مصري

كانت ثورة 2011، مثل باقى ثورات ما يسمَّى بالربيع العربى، ثورة شعبية كبرى وكانت احتجاجا غاضبا واسع النطاق ضد الظلم الاجتماعى والاقتصادى والسياسى اتخذ شكل انفجار جماهيرى ممتد. وكانت، مثلها أيضا، ثورة عفوية بحكم غياب الوعى الثورى لدى الجماهير الشعبية الواسعة وكذلك عند قياداتها العفوية بدورها.


وسبب الثورة واضح وبسيط. إنه وصول الأوضاع المعيشية للشعب إلى حالة من التردى من الصعب تحمُّلها فتدفعه دفعا إلى الثورة، خاصة إذا شجعت عليها شرارات ثورية من الداخل أو الخارج.


وكانت الثورة المصرية مثل باقى الثورات الشعبية العربية الراهنة، ومثل كل الثورات الشعبية طوال التاريخ، مفاجئة للجميع، وكانت حدثا فريدا لم تشهد الشعوب العربية مثيلا له. وكانت بالتالى مثيرة للحيرة منذ البداية. ومن هنا تعددت التسميات المتناقضة لطبيعتها: ثورة اجتماعية أم ثورة سياسية؟ وحول ما إذا كانت ثورة أم انتفاضة، أم حركة، أم هبَّة، أم عصيانًا، أم تمرُّدًا، أم هوجة؛. إلخ؟ وكل هذا رغم وضوح الأوضاع التى أدت إلى الانفجار الشعبى، وهى أوضاع تبلورت حولها وتجسدت فيها مطالب الثورة وأهدافها وشعاراتها: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، جنبا إلى جنب مع الشعار العام لكل الثورات العربية الراهنة: الشعب يريد إسقاط النظام.


ثم تعمَّق التعارض بين الشعارات المعلنة والغايات المضمرة، وبدا أنه لم يتحقق شيء من شعارات وغايات الثورة سوى إسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك. بل نجح المجلس العسكرى فى توجيه قوى الثورة إلى الطريق البرلمانى المتمثل فيما سُمِّىَ بإعادة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية. وأخذ هذا التعارض بين العمليات المتواصلة لتصفية الثورة مع التبنِّى المنافق لشعاراتها وبين الغايات المفترضة شعبيًّا يغذِّى موجات متلاحقة، صغيرة وكبيرة، للثورة.


وبفضل دينامية عوامل ظرفية، حققت الثورة منجزات مهمة تمثلت بالأخص فى أمرين مترابطين: تفادى ويلات حرب أهلية مدمرة، وتفادى كابوس الدولة الدينية الإخوانية، إلى جانب منجزات فى مجالات التسييس الجماهيرى، والحريات المنتزعة، وتحرُّر المرأة. أما الثورة المضادة، أىْ النظام الحاكم وحلفاءه، فقد واصلت نجاحاتها فى فرض إستراتيچيا ما سُمِّىَ ببناء مؤسسات الدولة الديمقراطية. وكان جرّ الجماهير إلى المسار البرلمانى بعيدا عن الفعل الثورى أحد أبرز نجاحات الثورة المضادة، وكان لنفس السبب أحد أبرز انحرافات الثورة عن طريقها المفترض.


وقد تصارعت قوتان منظمتان ومسلَّحتان هما الدولة والإخوان المسلمون، أما القوة الثالثة أىْ قوى الثورة الشعبية فكانت ضعيفة ومتشرذمة.


وتمثلت سياسة الجيش فى ضرورة استعادة استقرار النظام، عن طريق التصفية التدريجية السلمية للثورة، وتفادى الحرب الأهلية لأنها تؤدى، خاصةً إذا امتدت، إلى تمزيق الدولة والنظام والجيش والشعب، وساعد على ذلك واقع أن ولاء الجيش المصرى للرئيس الأسبق لم يكن ذلك الولاء المطلق الذى شهدناه فى سوريا وليبيا واليمن.


وكان تفادى حرب أهلية يشعلها الإخوان المسلمون يقتضى التعاون أو التحالف بين الجيش والإخوان اضطراريا لربطهم بعجلة الجيش بدلا من لجوئهم إلى إشعال حرب أهلية، ولم يكن بحال من الأحوال زواجا كاثوليكيًّا.


وقد نجح الجيش فى تفادى الحرب الأهلية مرارا: الإطاحة بمبارك لوقْف بدايات الحرب الأهلية التى كان قد بدأها بالفعل ضد الشعب، والتحالف المرحلى مع الإخوان المسلمين والسلفيين للحيلولة دون قيامهم بإغراق الثورة فى حرب أهلية مدمرة ضد الدولة والجيش والثورة. وصار على الشعب والجيش أن يدفعا للإخوان والسلفيين ثمنا باهظا للغاية، ولكنْ مرحليًّا بدوره: السيطرة على لجنة تعديلات الدستور، واكتساح الاستفتاءات والانتخابات البرلمانية المتكررة، وإنجاح المرشح الإخوانى محمد مرسى فى الانتخابات الرئاسية فى منتصف 2012، وأخيرا إطاحة الحكم الدينى الإخوانى استباقا لحرب أهلية كانت تقود إليها الأخونة. وكان الجيش يعتمد فى كل هذا على واقع سيطرته الفعلية على سلطة الدولة، ومساندة الرأسمالية الحاكمة وتأييد الشعب.


أما القوة الكبرى المنظمة الثانية فقد تمثلت فى الإخوان المسلمين والسلفيين الذين صاروا يمثلون، بفضل تغلغلهم الاقتصادى والسياسى والحزبى والبرلمانى والنقابى والمجتمعى قطاعا مهمًّا من الرأسمالية التابعة.


وبحكم مقتضيات صعودهم الاقتصادى والسياسى وحتى العسكرى كان الإخوان يتجهون إلى السيطرة على سلطة الدولة من خلال ثورة إسلامية من الطراز الإيرانى. وجاءت ثورة يناير بتأثير مزدوج فيما يتعلق بهم: من ناحية قطعت الطريق على ثورة إسلامية إخوانية، ومن ناحية أخرى قدَّمت للإخوان، نتيجةً لضعف النظام إبان الثورة، فرصةً مواتية إما لمشاركة الدولة والجيش فى الحكم، أو لمحاربتهما بتحالف خداعىٍّ مع قوى الثورة الشعبية. غير أن الجيش بادر إلى إغرائهم بالمشاركة من خلال تحالف مرحلى معهم، وقد استغلّ الإخوان المسلمون والسلفيون فرصة الانقضاض على السلطة والانفراد بها "عبر المشاركة". وضمنت السيطرة الفعلية للمجلس العسكرى على السلطة والإدارة، نجاحه فى إطاحة الحكم الإخوانى فى 3 يوليو 2013، فى مجرى موجة 30 يونيو 2013 الثورية.


وعجَّلتْ ممارسة "الأخونة" إطاحة الحكم الإخوانى. ذلك أن "الأخونة" تعنى إحلال الإخوان المسلمين محلّ رجال الأعمال ورجال الدولة الإداريين والعسكريين، وتهدد بالتالى مجرد بقاء القطاع الرأسمالى القومى، ولهذا كانت بمثابة إعلان حرب على الدولة بقيادة الجيش.


واحتدم الصراع بين القطاع القومىّ، والقطاع الإسلامىّ الذى لم يتورع فور إطاحته عن بدء حرب أهلية ضد الدولة والشعب. وكان انتصار القطاع القومىّ على القطاع الإسلامىّ فى الصراع السلمى والحربى بينهما على السلطة تكرارا لما ظل يحدث فى كل حرب أهلية تنتهى بانتصار أحد القطاعين من نفس الطبقة الرأسمالية الكبيرة، ولم يكن انقلابا عسكريا، على العكس مما تروِّجه أبواق الدعاية الأمريكية والغربية.


وفى مقابل هاتين القوتين الكبيرتين المنظمتين، العسكرية والإسلامية، المنتميتين إلى نفس الرأسمالية التابعة، كانت القوة الثالثة أىْ قوى الثورة فى حالة مزدوجة: كانت قوتها تكمن فى ضغوطها الهائلة بالمظاهرات والاعتصامات والمسيرات والمليونيات والإضرابات فيما كان ضعفها يكمن فى العفوية والتشرذم والانحراف وفقدان الاتجاه.


وتضع هاتان القوتان معا خططا لهزيمة الثورة، ومخططات لتصفية كلٍّ منهما الأخرى بعد ذلك. ولا عجب فى أن تطمح هاتان القوتان دون غيرهما إلى الاحتفاظ بسلطة الدولة بالنسبة لإحداهما، أو انتزاعها بالنسبة للأخرى. وكان توازن القوى هو الذى حسم الصراع. فالدولة بقيادة الجيش كانت أقوى بما لا يُقاس من خصومها، فيما كان الإسلام السياسى يأتى فى المرتبة الثانية، أما القوى اليسارية والديمقراطية فى الثورة فكانت تعبيرا رمزيا عن تعددية صورية أعقبت نظام الحزب الواحد فى عهد عبد الناصر، ولم تكن مؤهلة للتفكير الجدى فى السلطة رغم دورها الحيوى فى قيادة الثورة والاستمرار بها.


ويؤكد كل تأمُّل جديد فى ثورة يناير افتقار قواها إلى أبسط المفاهيم المترابطة للثورة. ولا يكفى بالطبع غياب المفاهيم لتفسير هزيمة ثورة، لأنها لم تكن حربا بين مفاهيم بل كانت حربا طبقية لا يحسمها سوى التفوُّق فى القوة. ومع هذا فقد كان من شأن تبنِّى مفاهيم ناجعة تحلّ محلّ كل ذلك الضباب حماية القوى الديمقراطية من مزالق عديدة.


وظل مفهوم الثورة الشعبية غائبا عن نظرية وممارسة الثورة. وكان تركيز دائرة ضيقة من المهتمين بالقضايا النظرية للسياسة ينصبّ على التمييز بين مفهومىْ الثورة الاجتماعية والثورة السياسية. ورغم هذا التمييز الذى يفصل بينهما، كان يمكن النظر إليهما على أنهما جانبان متميزان من عملية واحدة. وعلى هذا النحو ابتلع مفهوم الثورة الاجتماعية فى تحليل كارل ماركس لثورة 1789 الفرنسية الكبرى كل جوانب نفس الثورة الواحدة.


ويتعلق مفهوم الثورة الشعبية باحتجاجات واسعة النطاق وممتدة ضد ظلم واستغلال واضطهاد واستبداد الطبقة الحاكمة ودولتها للطبقات الشعبية، ولهذا فإن احتجاجات الثورة الشعبية لا يمكن أن تنطوى على أىّ انتقال من نمط اجتماعى ـ سياسى إلى آخر ولا على أىِّ خطوة فى هذا السبيل. ولا تُحْدِث الثورة الشعبية تحوّلا رأسماليا لأن الشروط البديهية للرأسمالية والمتمثلة فى نظام شامل من المصانع الحديثة والمزارع الرأسمالية والسوق العالمية والإدارة القائمة على الحداثة والعلمانية لا يمكن أن تهبط من سماء الاحتجاجات الغاضبة أو ترتفع من غبار معاركها، بل يمثل هذا التحول الاجتماعى ـ السياسى عملية تراكمية طويلة ومترابطة ومتشابكة تندمج فيها كل هذه العناصر. وبالمقابل فإن عملية التحوُّل الاجتماعى ـ السياسى لا تنطوى بحكم طبيعتها على ثورات شعبية.


ولا يقتصر قانون الطابع التراكمى للتحوُّل الاجتماعى ـ السياسى على الانتقال إلى النظام الرأسمالى وحده بل هو قانون عام للتحوُّل الاجتماعى ـ السياسى التراكمى من كلِّ نظام اجتماعى سابق إلى كل نظام اجتماعى لاحق.


ويقتضى الخروج من حالتنا العقلية الحالية، للتطلُّع إلى الأمام أن ننطلق من تصورات مبنية على فهم "قوانين" التحولات الاجتماعية والثورات الشعبية، ومن الفهم العلمى للثورة الشعبية بعيدا عن سمات العقلية البدائية.