ناظم حكمت.. شاعر الحرية بين السجن والمنفى

21/01/2015 - 1:13:00

الشاعر ناظم حكمت الشاعر ناظم حكمت

كتب - حسين عبد الزهرة مجيد - كاتب عراقي

في تلك السنوات البعيدة، وكان البدر يضيء الكون كله، وموضع أقدامنا منه سوداء مظلمة، كانت آلاف الأفاعي تشرب من رحيق العراقيين. حينها عرفنا أننا خسرنا معركتنا مع الحياة، وأن الموت قادمٌ، يليه موت آخر. وها نحن اليوم نقتات على الخراب الذي يأكلنا ونأكله كل يوم.


في تلك الأيام، دخلت على الجنود العراقيين هناك أسماءٌ لم يعرفوها من قبل. كان الفتية يقرأون أشياء غريبة لم تألفها الأذن: جارسيا ماركيز، اللعبي، يشار كمال، عزيز نيسين، وغيرهم. في تلك الأثناء حمل لنا الصديق العزيز كتاباً قديماً صدر قبل ثلاثين سنة، وكان لدكتورٍ لبناني اسمه علي سعد، هو من شعر ناظم حكمت. ولم نكن نعرف أن الرجل لا يمت للدكاترة المعروفين بصلة، فهو طبيب بيطري، عصاميٌّ علم نفسه بنفسه. وسرعان ما تناقلت أيدي الجنود الكتاب وسار من يدٍ إلى يد حتى استخفى وسط قرقعة الحديد، واحترقت صفحاته في أتون الحرب. استخفى صاحبه معه، ولم نعد نسمع بعليٍّ، ولا سعد. وكما استخفى صاحب الكتاب استخفى الشاعر (15 يناير 1902 ـ 3 يونيو 1963)، إذ مرت قبل سنين الذكرى المئوية لولادته، لكنها لم تحرك فينا شيئاً، وكأنه لم يعلمنا، ولم نقبس من شعره، ولم يزر أرضنا ويقابل الزعيم جمال عبد الناصر ويحتفى به بحرارة النصير. أو كأنه لم يكتب قصيدته المعروفة "عيني، يا حبيبي" التي يتغنى فيها بمنصور شهيد العدوان الثلاثي:


منصور أسمرٌ ونحيفٌ


مثل صخرة التاريخ


منصور جميلٌ


منصور يغني الأغنية نفسها:


عيني يا حبيبي


أحرقوا بورسعيد، وقتلوا منصور


هذا الصباح رأيت صورته في الصحيفة


جسدٌ صغير بين الأموات


عيني، يا حبيبي


مثل صخرة التاريخ.


قضى ناظم حكمت النصف الأول من حياته في السجن، والنصف الثاني في المنفى في روسيا محروماً من زوجته وبيته، وحتى من رؤية طفله الوحيد محمد. كما عاش محروماً من سماع لغته الأم، وهي من أجمل لغات العالم. لكن صوته ظل قوياً، مفعماً بالأمل، يقارع القمع والسجن والنفي. وعلى الرغم من أن شعره ترجم إلى عشرات اللغات فقد كان ممنوعاً في تركيا.


ولد ناظم حكمت في سالونيك عام 1902، ونشأ في حلب. شارك في الحركة الثورية المطالبة بالاستقلال بعد انهيار السلطنة العثمانية، جنباً إلى جنب مع قائدها كمال أتاتورك، حتى قامت الجمهورية التركية الحديثة. لكنه سرعان ما وجد نفسه والبعض من رفاقه الطيبين غير مرغوب فيهم، ذلك أنهم كانوا يطالبون بدفع عجلة الثورة دورةً أخرى إلى الأمام، وسرعان ما أصبح هؤلاء هدفاً للسلطة الجديدة، فقرر ناظم السفر إلى موسكو للدراسة، لعله واجدٌ وعود الماركسية بالحرية والعدالة. وبعد عودته انضمّ إلى الأكاديمية البحرية، لكنه يساق في عام 1938 إلى المحكمة العسكرية بدعوى ملفقة هي التحريض على الإضراب، ودليلهم في ذلك أنهم وجدوا في غرفة أحد التلاميذ نسخة من ديوانه الأول "835 بيتاً من الشعر"، وكان في ذلك الوقت يباع في كل مكتبات تركيا، فيحكم على ناظم بالسجن ثمانية وعشرين عاماً. ولولا الحملة الشعبية التي قادها بول روبسون، وبابلو نيرودا، وبيكاسو، وسارتر لإطلاق سراحه، لظل الشاعر رهين الحبس حتى النفس الأخير. حينها لم تجد السلطات بدّاً من إطلاق سراحه.


مواويل السفينة


يخبر ناظم صديقه بابلو نيرودا عن أيام سجنه فيقول إن المحكمة عقدت على ظهر السفينة الحربية، وكانوا يأمرونه بالسير على السفينة حتى تتيبس قدماه. كانوا يقودونه إلى المراحيض حيث البراز يعلو أكثر من نصف متر، فيشعر بالإغماء وتخور قواه. كانوا يريدون رؤية العذاب على وجهه، ويسقط من أعلى الجسر. لكنه يسترد الشجاعة والإباء، فيغني أولاً بهمس، ثم يعلو صوته ويعلو.


غنّى ناظم على السفينة الأغاني وقصائد الغزل التي يحفظها، مواويل الفلاحين الأتراك، وأناشيد المعارك التي غناها شعبه في ساحات القتال من أجل الحرية والكرامة. غنّى كل شيء، وانتصر على النجاسة والعذاب، ورأى الهزيمة في وجوههم بدلاً من أن يروها في عينيه. يقول ناظم في قصيدة "يوم الأحد" التي كتبها في السجن، وهي من عيون الشعر:


اليومَ هو الأحد.


اليومَ أخرجوني أول مرةً للشمس


وأول مرةً في حياتي


نظرتُ إلى السماء،


كم هي بعيدة،


زرقاء رحبة.


وقفتُ ساكناً


ثم افترشتُ الأرضَ السوداء،


وأسندت ظهري إلى الحائط.


لن أفكر بالموت،


لا بالحرية، ولا بنفسي،


الأرضُ، الشمسُ، وأنا...


يا لسعادتي.


في عام 1950 خرج ناظم من السجن إلى سجنٍ أشد مرارة. عاد إلى البطالة، فلا يجد قوت يومه. يسير في شوارع أسطنبول بصحبة الزوجة منوّر، تحمل على ذراعها طفلها البكر محمد. كان ناظم يصفر ويداه في جيبيه ليردّ الوحشة عن نفسه، كالبّحار حينما تطأ قدماه مدينة غريبة لا يعرف فيها أحداً. يلتفت خلفه فيرى الشرطة السرية في أثره. يصف مدينته التي ضاع صوتها فيقول:


مازال الشارعُ مقفراً


أركض فيه ماشئت


الشارع نفسه.


سر من زاوية إلى أخرى


ومن رصيفٍ إلى رصيف


تصفر بنغمٍ، أو تحكّ رقبتك


سر، لاخطر عليك


تجرّ الريحُ على الإسفلت


اسم السيد فورد


وإعلانٌ ساقطٌ من الجدار


يعصف وسط الطريق.


يغلق ناظم الباب بوجه النمور، فتأتي الذئاب من النافذة. لابد له من القتال في الحرب الكورية. كان الموت في كوريا أقصى ما يراد به وبشباب تركيا الأبرياء. ما كان يخشاه فقد كان، فمتى يكونُ الذي يرجوه ويأمله؟ هنا يصعد ليلاً زورقاً بخارياً صغيراً يعبر به أمواج البوسفور العاتية وصولاً إلى رومانيا، ومنها إلى روسيا. يرحل ناظم مخلفاً وراءه الجلادين أصحاب العقول الصغيرة المرضى بتعذيب الشعب، لكنه يترك وراءه أيضاً سلاحاً من أخطر الأسلحة التي إبتكرها الإنسان على مرّ العصور، إنه الكلمات. هنا تدخل قصائد ناظم إلى كل البيوت البائسة التي يتطلع أهلها إلى الحرية والعدل، أملاً بعصر جديد، وإنسانٍ جديد.


كان طلبة الجامعات في تركيا هم أبطال ناظم الحقيقيين، فكانت قصيدة "في ميدان بايزيد" (بوابة جامعة اسطنبول) التي كتبها في مايو 1960، يعزي فيها شعبه بالتلميذ الذي سقط برصاص السلطة الفاشية. كانت الرصاصة التي اخترقت جبهته وأسقطت من يده برعم الحلم، أشبه بقَرنفلة قرمزيةً تقطر دماً في شوارع إسطنبول "حتى يأتي اليوم الذي يسير فيه شعبي المسلح متحداً، يغني للحرية، ويقهر الطغاة في ميدان بايزيد." ولم تمر سوى أيام قليلة حتى انتفض الشعب يوم 27 مايو ليطيح بحكومة مندريس التي نهبت خزائن البلد، وأجبرت الجيش على توجيه السلاح إلى صدور الطلبة والأساتذة والقضاة.


عاش ناظم زمناً صعبا. كانت الأيام حبلى بالتغيير والحروب. اشتعل أولاً فتيل الثورة البلشفية في روسيا لتنهي إلى الأبد حكم القياصرة، ثم جاءت حرب الاستقلال التركية التي استمرت أربع سنين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. ثارت شعوب آسيا وإفريقيا على الإمبريالية بكل سياساتها العنصرية التي تحتقر الشعوب، فكان ناظم في شعره ينظر إلى آلام البسطاء في براءتهم من أنظمةٍ كافرة لا يعرفون من أين نزلت عليهم، فكان ميزانه الشعري غير متحزب ولا يوالي أحداً لا ينطق باسم الشعب، وهنا مصدر قوته. إما أن يكشف ناظم محنة الأمم في وقوفها عارية أمام غياهب التاريخ الذي يريد محوها من الذاكرة (ولم تكن من شيم التاريخ إنصاف الشرفاء) وإما أن يصمت.


يمكن للشعر أن يزيد معرفتنا بمواطن العذاب، ولا شك في أن الإحساس بالألم يمنحنا العزاء والأمل فتصفو النفوس ويظهر العدو من الصديق. هكذا نصغي بإيمانٍ عميق إلى فؤاد حداد، والجواهري، وأمل دنقل، وبريخت، ومظفر النوّاب، وأودن، ومحمود درويش، ذلك لأنهم يفضحون آلامنا ويقولون أنتم خلفاء الله على خزائنه في الأرض. يقول محمد البخاري في مقدمة ترجمته البديعة لديوان ناظم حكمت "أغنيات المنفى" إنه طلب من الشاعر في زيارته للقاهرة عام 1962، أن يدلف قليلاً إلى مسجد السلطان قلاوون، لكنه يخرج متعجلاً ليقول: "معذرةً يا أخي. إن تركيا مليئة بالمساجد. ما أريده هو أن أستمع إلى نبضات الناس، إلى كلماتهم، أن أتبين وميض بسماتهم. وهنا لمح ناظم طفلين يتهامسان إلى جانب زوجته الشقراء الروسية، فتورد وجهه، وانحنى يحدثهما متوسلاً أن أترجم له كل ما يقولان".


قصة حياتي


يقول ناظم في قصيدته الغنائية "قصة حياتي"، التي كتبها في السنوات الأخيرة في منفاه الروسي:


البعض يعرف كل شيء عن النباتات والبعض الآخر يعرف كل شئ عن الأسماك


لكني لا أعرف غير الفراق


البعض يحفظ أسماء النجوم عن ظهر قلب


لكني لا أردد غير أسماء الغائبين


نمتُ في السجون كما نمت في الفنادق الفخمة


عرفتُ الجوع والإضراب عن الطعام حتى أني


لم أذق طعم الخبز


في الثلاثين أرادوا شنقي


وفي الثامنة والأربعين منحوني جائزة السلام


هكذا.


وطريقة الشاعر هنا في كشف العذاب أن يحدّث نفسه بضمير المتكلم، وهو لا يتحدث عن نفسه بقدر ما يتحدث بلسان المئات الذين أزهق أرواحهم القمع والطغيان. لكن الأشد من عذاب السجن أن كتبه مازالت محرّمة في بلده:


ترجمت دواويني إلى ثلاثين أو أربعين لغة


لكنها بلغتي التركية ممنوعة في تركيا


. . . . . .


في عام 51 أبحرتُ مع صديقي الشاب إلى أنياب الموت


وفي عام 52 قضّيتُ أربعة أشهر نائماً على ظهري مع قلبي المحطم


ننتظر الموت


كنت أغار من حبيباتي النساء


لكني لم أحسد شارلي شابلن


. . . . . .


وحتى لو كنتُ اليومَ في برلين أنعب كالغراب من الحزن


يمكنني القول إني عشتُ إنساناً.


عاش ناظم ثلاث عشرة سنة عليلاً في السجن، وسنواتٍ أخرى مثلها في المنفى بموسكو، فكان الناقد العنيد للحكم الاستبدادي الشمولي الذي خان برأيه الفكر الصحيح. ونجا من محاولتين لاغتياله، بأمرٍ وعلمٍ من ستالين. وكان يرى أن الفاشية التي يريدها البلغار قد تكون أرحم من فاشية الروسي المحتل. سأله يوماً أحد الأصدقاء عما إذا كان يرى في موسكو كعبته الجديدة، فقال: "كلا، لست من هذا الصنف من الرجال. إن كعبتي هي في حبّ وطني وشعبي. أنا أحب شعبي. كان الشيخ بدر الدين يعرف كيف يحب الشعب التركي. أودّ أن أكون مثله، وأعلو إلى مقامه. كانت ثورته تستند إلى الأخوة والعدل والمساواة حتى قبل مئات السنين من ماركس".


كان ناظم دائم البحث عن صوت الشعب التركي، له درب الشمس، وللآخرين درب الجسر الخشبي. يقول في قصيدةٍ بلا عنوان، يهجو فيها "الأخ الأكبر":


دخل شاربه الصخري البرونزي الجِصي الورقي في صابوننا في المطاعم


كنا في غرفنا تحت عيونه الصخرية البرونزية الجصية الورقية


تلاشى في أحد الأيام


اختفت أحذيته من ساحاتنا


وظله من أشجارنا


وشاربه من صابوننا


وعيونه من غرفنا


وانزاحت عن ظهورنا آلاف الأطنان من الصخر البرونز الجص الورق


رحل ناظم، عاشق الحرية العنيد تاركاً خلفه في الوطن الأم زوجته وولده محمد، اللذين لم يسمح لهما باللحاق به، وعاشا سنين بعد غيابه في الإقامة الجبرية بإسطنبول. يقول في آخر قصيدة موحية كتبها قبل أيام من وفاته:


قالت: تعالَ


قالت: إبقَ


قالت: ابتسم


قالت: مُتْ


أتيتُ


بقيتُ


ابتسمتُ


مِتُّ


ومازال الأتراك يطالبون بإعادة رفات شاعرهم إلى أرضه التي أحبها حتى الموت، وما من مجيب. ويحق لنا نحن الذين عشقنا ناظم في شعره أن نردد مع الجواهري حين يرثي الزعيم عبد الناصر:


أكبرتُ يومكَ أن يكون رثاءُ / الخالدون عهدتهم أحياءُ


أويرزقونَ؟ أجل، وهذا رزقهم/ صنو الخلودِ وجاهةً وعطاءُ