أدب الثورة .. وثورة الأدب

21/01/2015 - 1:11:57

طه حسين طه حسين

من تراث الدكتور طه حسين

لم تكد ثورتنا تشب وتملأ أحداثها وظواهرها قلوب الناس وعقولهم فى مصر وفيما حولها من البلاد العربية، حتى أخذ فريق من الكتاب يتساءلون فى إلحاح: «أين أدب الثورة»؟


ثم لم تكد الثورة تبلغ من عمرها أشهراً قصاراً، حتى أخذ هؤلاء الكتاب يظهرون اليأس وخيبة الأمل؛ لأن أدب الثورة لم يستجب لهم حين دعوه، ولم يهبط عليهم من السماء كما يهبط الغيث، ولم تتفجر عنه ينابيع الأرض كما تتفجر عن الماء والبترول.


ثم لم يلبثوا أن قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين قرائهم، أن الأدب المصرى قد أخفق لأنه لم يردد أصداء الثورة، ولم يصور حقائقها، ولم يلائم ما تتصل به نفوس الناس وقلوبهم من هذه العواطف والخواطر التى أثارتها الأحداث، ولاسيما بعد أن أخرج فاروق من مصر، وبعد أن أزيلت أسرته كلها وصار الأمر كله إلى المصريين يدبرونه بأنفسهم، لا يتنزل عليهم وحى من العرش ولا من سلطان المحتلين.


وما أكثر ما كانوا يقولون، وما أكثر ما يقولون الآن أيضا، إن الأدب المصرى يعيش فى واد على حين يعيش المصريون فى واد آخر.


وكذلك تقرر فى نفوس كثيرة من الناس أن أدبنا المعاصر مقصر أشد التقصير، مخفق أعظم الإخفاق، لأنه لم يحس بما تجيش به الصدور، ولم يصبح مرآة للحياة التى يحياها الناس. ونشأ عن هذا الحكم الخاطف أن فريقاً من الناس استيأس من الأدب المعاصر، وكاد يستيئس من الأدب كله، وأعرض عن قراءة الأدب، وانصرف إلى قراءة الصحف يجد فيها ما يعينه على قطع الوقت وتجديد النشاط، ويجد فيها كذلك أصداء ما يملأ حياة الناس من الأحداث.


وأقبل فريق من الكتاب على إنشاء أدب يلائم ما يطلبه هؤلاء السادة من تصوير الثورة وحقائقها، وابتهاج الناس بما ظهر من نتائجها. وترقب الناس لما لم يظهر بعد من هذه النتائج. فأخرجوا لنا أدباً يحسبونه أدب ثورة وليس هو من أدب الثورة فى شىء، وإنما هو كغيره من الأدب الذى أنشئ قبل أن تشب الثورة بالأوقات الطوال والقصار. ومصدر هذا الحكم بإخفاق الأدب وخيبة الأمل فيه، إنما هو هذا الخطف الذى نبهت إليه غير مرة فى هذه الأحاديث، والذى يأتى من القصور عن تعمق الأشياء وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها ووضع الأشياء فى مواضعها.


فليس من فقه الحياة فى شىء أن ينجم الأدب فجأة من الأرض أو ينصب فجأة من السماء، لأن الثورة شبت فى الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة 1952، وإنما نشوء الأدب وتطوره من هذه الظواهر البطيئة التى لا تستجيب للناس حتى وإن تعجلوها، ولاتستأخر عن إبانها حتى وإن تمنى الناس عليها الأناة والإبطاء.


وأكاد أعتقد أن القدماء من مؤرخى أدبنا العربى كانوا أفقه بالحياة وأحسن لها فهماً وتقديراً من هؤلاء المعاصرين، الذين يخطفون أحكامهم خطفاً، ويظنون أن ظواهر الحياة خاضعة لسلطانهم، يدعونها فتستجيب، ويهملونها فتنتظر، ويرجئونها فترجئ نفسها.


فنحن نقرأ فى بعض الكتب العربية - التى حاول أصحابها منذ أكثر من ألف عام أن يؤرخوا الأدب العربى القديم - أشياء لا يكاد المعاصرون يسيغونها أو يطمئنون إليها، لأنها تجانب ما ألفوا من السرعة، وتخالف ما استحبوا من هذا الاستعجال البغيض.


نقرأ مثلاً عند بعضهم أن ظهور الإسلام قد اضطر الشعر العربى إلى الضعف والتهافت؛ لأن العرب بهرهم القرآن، وشغلتهم أحداث النظم الجديدة وما استتبعت من الفتوح، عن الفراغ لقول الشعر وتجويده والتأنق فيه كما كان الجاهليون يصنعون. والقدماء يستنبطون هذا من إعراض لبيد عن قول الشعربعد أن أسلم، ومن اشتغاله بقراءة القرآن وحفظه. ويستنبطونه كذلك مما عرض لشعر حسان من الضعف فى أكثر شعره الإسلامى، بعد ما كان شعره الجاهلى يمتاز بالرصانة والقوة والفحولة، كما يستنبطونه من أن بعض شعراء النبى- صلى الله عليه وسلم- كانوا يكثرون فى هجاء قريش فلا يبلغون منها شيئا، لأنهم كانوا يعيبونها بالكفر والشرك وينذرونها بعذاب الله فى الحياة الآخرة. ولم تكن قريش تحفل بشىء من هذا حين كانت تعارض الإسلام وتنصب له الحرب.


ومع أن رأى القدماء هذا لم يكن دقيقاً كل الدقة، ولا صادقاً كل الصدق، لأنه لم يقم على الاستقراء الصحيح، فإنه كان يصور حقيقة واقعة.. وهى أن الشعراء الذين أرادوا أن يجددوا أنفسهم بعد أن أسلموا، وأن يلائموا بين فنهم وبين دينهم الجديد، لم يوفقوا فى أكثر الأحيان إلى ما كانوا يريدون، لأن الطبع لا يستكره على ما لا يحب فى كثير من الأشياء.. وفى شئون الأدب والفن بنوع خاص، ولم يخطئ ابن دريد حين قال:


والشيخ إن قومته من ريفه لم يقم التثقيف منه ما انحنى


وهؤلاء الشعراء كانوا قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أن يرجعوا أدراجهم ولا أن يبتكروا لأنفسهم طبعاً جديداً. فكان تجديدهم تكلفاً، وكان إعراض لبيد عن الشعر نوعاً من اليأس، لأنه عرف أنه لايستطيع أن ينشئ فنا يجمع بين الملاءمة لحياته الجديدة التى أدركها شيخاً وبين الروعة التى أتيحت له فيما أنشأ من الشعر قبل أن يعتنق الإسلام.


وليس أدل على ذلك من أن شعراء آخرين أسلمت ألسنتهم واستجابت ظواهر أمرهم للنظام الجديد، وظلت طباعهم جاهلية كما كانت، فقالوا الشعر فى الفنون التى ألفوها قبل أن يسلموا، ولم يتعرض شعرهم لضعف أو تهافت أو خمود، وإنما احتفظ بقوته كاملة كدأبها حين كان أصحابها جاهلين.


فالحطيئة مثلاً لم يتغير فنه بعد إسلامه لأنه لم يحاول لفنه تغييراً، ولأن الإسلام لم يصل إلى أعماق نفسه، فظل مسلماً فى ظاهر أمره وفيما كان يبدو من بعض سيرته الاجتماعية، ولكنه ظل جاهلى القلب والذوق والضمير، ويقول الشعر هاجياً ومادحاً وواصفاً كما تعود أن يقوله فى العصر الجاهلى. وأمثال الحطيئة كثيرون، نستطيع أن نقرأ شعرهم فيما حفظ لنا من شعر القدماء، فلا نرى فيه انحرافاً عن ألسنة الجاهلية ولا تأثراً عميقاً بالثورة الإسلامية الخطيرة التى قلبت حياة العرب رأساً على عقب، وغيرت أمورهم كلها تغييراً لم يكن يخطر لهم ببال.


ومن أجل هذا صنع بعض الذين أرخوا الشعر العربى القديم صنيعاً أقل ما يوصف به أنه ملائم للدقة والصدق وصواب الحكم أشد الملاءمة وأقواها. فلم يطلقوا وصف الشعراء الإسلاميين إلا على فريق بعينه يأتلف من أولئك الذين لم يدركوا الإسلام شباباً ولا شيوخاً، وإنما ولدوا فى الإسلام ولم يعرفوا العصر الجاهلى إلا كما يعرف التاريخ. فالشعراء الفحول كالأخطل والفرزدق وجرير إسلاميون لأنهم ولدوا بعد أن أسلمت الجزيرة العربية، وبعد أن فاض الإسلام منها على ما حولها من الأقطار، وعمر بن أبى ربيعة شاعر إسلامى لأنه ولد - فيما يقول الرواة - فى اليوم الذى مات فيه عمر بن الخطاب- رحمه الله- وقل مثل ذلك بالقياس إلى عامة الشعراء الذين ولدوا أيام الخلفاء وشبوا وأدركتهم الشيخوخة أيام بنى أمية. هؤلاء شعراء إسلاميون لم تدركهم الجاهلية ولم يدركوها، وإنما رويت لهم أحداثها كما ستروى أحداث العصر الذى نعيش فيه للذين أخذوا يولدون منذ شبت الثورة. فهم قد نشئوا نشأة إسلامية، رأوا آباءهم يخضعون للنظام الجديد، يؤدون الواجبات الدينية والواجبات السياسية الجديدة، ويقرءون القرآن ويروون الحديث، ويتحدثون عن النبى وأصحابه وخلفائه، ويختلفون إلى المساجد مصبحين وممسين وبين الصباح والمساء.


وهؤلاء المؤرخون عندما عرضوا للشعراء الذين أدركوا الإسلام أو أدركهم الإسلام وهم شباب أو شيوخ لم يسموهم شعراء إسلاميين، إنما عدهم بعضهم فى صراحة شعراء جاهليين؛ لأنهم تأثروا بالحياة الجاهلية التى أنضجت قرائحهم وكونت أذواقهم فلم يستطيعوا لطبائعهم تغييراً.


وبعض هؤلاء القدماء كره أن يسميهم جاهليين، لأنهم أسلموا وكثير منهم كان عميق الإسلام حسن البلاء فى ذات الله، فسموهم مخضرمين: أى مختلطين، عاشوا بعض أعمارهم جاهليين وبعضها الآخر مسلمين.


ومعنى هذا كله أن القدماء من مؤرخى الأدب العربى، فهموا حقيقة الصلة بين الثورة والأدب خيراً مما يفهمها كثير من كتابنا المعاصرين.


عرفوا أن الثورة مهما تكن خطيرة، ومهما تكن بالغة عميقة الأثر فى حياة الأفراد والجماعات، لا تغير الأدب فجأة، ولا تحول طبيعة الفن إلا تحويلاً يسيراً، أقرب إلى التكلف منه إلى الفطرة التى تستجيب لما حولها من حقائق الحياة فى غير جهر ولا عناء.


وهناك وجوه أخرى للصلة بين الأدب والثورة لا يحققها كتابنا المتعجلون. فالأدب يمهد للثورة وينشئها لأنه يثير نفوس الناس، يبغض إليهم بعض أطوار الحياة التى يحيونها، ويعرض عليهم مثلاً جديدة يحببها إليهم ويزينها فى قلوبهم، ويطبعها فى نفوس الناشئين والشباب الذين لم تتقدم بهم السن بعد.


وهو بهذا يفتح للثورة أبواب النفوس والضمائر، ويمهد لها الطريق فى حياة الأفراد والجماعات، يتاح له النجاح أحياناً ويدركه الإخفاق أحياناً أخرى. فإذا أتيح له النجاح لم تتغير طبيعته فجأة، وإنما ظل كعهده مضطرباً بين القديم الذى هدمه وبين الجديد الذى أنشأه، حتى إذا استقرت أمور الثورة وأصبحت طبيعة للأجيال الجديدة الناهضة كما يقال فى هذه الأيام، نشأ الأدب الذى يمكن أن يضاف إلى الثورة حقاً وصدقاً.


ويكفى أن تفكر فى حياة الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر، فسترى طائفة من الأدباء والفلاسفة والمفكرين أنكروا حياة العصر الذى كانوا يعيشون فيه، وحملوا الناس من حولهم على إنكارها، وطبعوا هذا الإنكار فى نفوس الناشئين والشباب الذين لم يتم نضجهم بعد، فأنشئوا جيلاً جديداً هو الذى ألهب نار الثورة، وملأ بها الدنيا، وشغل بها الناس، وغير بها حياة فرنسا وأوروبا وأجزاء أخرى كثيرة من العالم.


ولكن هؤلاء الأدباء والفلاسفة والمفكرين لم يدركوا الثورة التى أنشئوها، وإنما أطفأ الموت جذوة نفوسهم قبل أن يشعلوا هم جذوة الثورة، فماتوا قبل الثورة بوقت قصير أو طويل.


والذين ثاروا بالفعل وملئوا الدنيا هولا وإصلاحا فى وقت واحد. لم ينشئوا أدباً ذا خطر. شغلوا بالعمل عن الفن، وشغلوا بصنع التاريخ عن كتابته، وابتكروا للأدباء الذين جاءوا بعدهم موضوعات أنشئوا فيها أدباً حياً رائعاً، أتيح البقاء لكثير منه، وذهب بعضه مع ما يذهب من آثار الناس.


وابحث إن شئت عن الأديب الفرنسى الذى عاصر الثورة وأنشأ فى أثنائها أدباً جديراً بالبقاء، فلن تجد هذا الأدب مهما تطل فى البحث والتنقيب، بل تستطيع أن تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخطب والأحاديث، التى ألهبت نفوس المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد فى هذه الخطب ما يلائم ذوقك الفنى، بل لن تجد فيها ما يرضى عقلك المستأنى وحكمك الذى يريد أن يتدبر قبل أن يصدر، لأنها كانت خطباً وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التى أغرت بها ودفعت إليها. فلما تغيرت تلك الظروف وانقضت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخطب والأحاديث تاريخاً من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أن يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكتاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور فى وطنهم، وبعد أن تأثرت حياة بلادهم بالثورة وأصبحت الحرية لهم طبعا والرقى لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولا، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء.. (وسترى أن أدب الثورة إنما يأتى بعد الثورة لا أثناءها).


وما أشك فى أن هذا النحو من تصوير الصلة بين الأدب والثورة هو الذى يلائم حقائق الأشياء، ويفسر ما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون وتفاعل كما يقول المعاصرون (فالأدب يثور قبل أن تثور السياسة). وثورة الأدب هى التى تمهد الطريق لثورة السياسة؛ لأنها تهيئ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم. تبغض إليهم نظاماً قائما، وتحبب إليهم نظماً تحقق لهم آمالا تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم. وليست الثورة السياسية آخر الأمر إلا استجابة لثورة العقول والقلوب والنفوس التى يحدثها الأدب، وتحدثها مع الأدب مؤثرات أخرى، يتصل بعضها بالحياة المادية للناس، ويتصل بعضها بالحياة المعنوية، ويأتى بعضها من الصلة بين الأمة وبين أمم أخرى تحيا حياة خيراً من حياتها، وأدنى إلى العدل والحرية وإنصاف المظلومين من الظالمين والمساواة بين المستأثرين الذين يجدون كل شىء والمحرومين الذين لا يجدون شيئاً.


ولست أعرف ثورة سياسية بالمعنى الجديد أو القديم للفظ الثورة، إلا وقد سبقتها ثورة أدبية عقلية، كانت هى التى أوعزت الناس بها ودفعتهم إليها وأخرجتهم عن أطوارهم، فلم يستطيعوا صبراً على ما يكرهون ولا إبطاء عما يريدون.


هناك إذن ثورتان، أولاهما ثورة العقل التى يصورها الأدب، والثانية ثورة السياسة التى تعتمد على القوة فتغير نظاماً ويقيم مكانه نظاماً آخر. وهناك أدبان: أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتى بعد الثورة فيصورها أولاً ويصور آثارها فى حياة الناس، ويحبب إليهم هذه الآثار، ويدفعهم إلى الأمام فى الرقى والإصلاح والتجديد.


الأدب أثناء الثورة - حين تضطرب نفوس الناس بالأمل والطموح، ونفوس فريق منهم بالخوف والمحافظة - متواضع مقتصد يمشى على استحياء، إن أمكن وصف الأدب بالمشى وبالحياء أيضا؛ لأن الناس مشغولون عنه بأحداث الثورة مما يقع وماينتظر وبما تدفع إليه هذه الأحداث. ولأن الأدب - ولا سيما فى هذا العصر الحديث - إنما يستمد حوله وطوله وقوته وروعته من الحرية الكاملة التى معقب عليها، وهذه الحرية موقوفة كطبع الأشياء أثناء الثورة، سواء أراد الناس فى ذلك أم لم يريدوه. والأدب يجاهد فى سبيل الحرية ويحتمل فى هذا الجهاد ألوان المكروه على اختلافها، قبل أن تصنع الثورة السياسية أمراً واقعاً.


وهو بجهاده وبتحمله الخطوب يدفع إلى الثورة دفعاً، لأنه يقاوم الاستبداد والعسف ويدعو الناس إلى مقاومتهما. وهو فى أثناء الثورة لا يستطيع أن يقاوم الثورة لأنه مقاوم نفسه إن قاومها، فالثورة ابنته وثمرته، وهى لا توقف الحرية إلا لتطلقها بعد حين يقصر أو يطول.


فالأدب الذى ينشأ أثناء الثورة إما أن يجرى على طبيعته الأولى فيكون اتصالا للأدب القديم، وإما أن يحاول مجاراة الثورة السياسية فيكون دعوة لها وإغراء بها، وهو فى هذه الحال أدب ضعيف فاتر؛ لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثراً، يراها الناس ويحسون آثارها فى نفوسهم وفيما حولهم من الحياة والأحياء.


هذا هو الذى يعلل ما أصاب شعر حسان من الضعف. كانت الثورة الإسلامية أقوى من شعر الشعراء، وكان كل ما قيل فيها بالقياس إليها أثناء قيامها فاتر. وهو يعلل فى الوقت نفسه انصراف بعض الشعراء عن الشعر، لأنهم لم يروا لأنفسهم فيه أرباً. وهو يعلل كذلك اتصال الشعر الجاهلى بأساليبه القديمة عند شعراء الأعراب الذين قال الله عز وجل فيهم {قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم}.


واقرأ إن شئت فيما يتصل بالأدب الفرنسى أثناء الثورة ما كتبه شاتو بريان إلمامه بباريس حين كانت النفوس مضطربة ثائرة، فستراه يصف أندية الأدباء فى تلك الأوقات بالضعف والفتور وقلة الغناء.


ليس هناك معنى إذن لمطالبة الأدباء المعاصرين بإنشاء أدب الثورة، لأن أدب الثورة الحق لم يأت وقته بعد، وسيأتى وقته حين يخرج الشباب الذين تطبع الثورة نفوسهم بطابعها، والذين يتعلمون الآن فى المدارس وفى الجامعات إن شئت. أى أن هذا الأدب لن تظهر بواكيره إلا بعد أعوام نرجو ألا تكون مسرفة فى الطول. ولست أشك فى أن أدب الثورة هذا الذى أتحدث عنه سيكون مغايراً مغايرة شديدة لأدبنا الذى ننتجه ونعيش عليه الآن. فيستخلص الجيل الناشئ من تعقيدات مختلفة قاومناها نحن ما وجدنا السبيل إلى مقاومتها، ولكننا لم نستطع أن نعفى أنفسنا من آثارها وأعقابها. لن يحتاج الجيل الناشئ إلى ما احتجنا إليه دائما من مداورة السلطان والاحتياط من شره والاستخفاء بكثير من آرائنا، نكتمهاأحياناً فى نفوسنا فنشقى بكتمانها، ونعرب عنها أحياناً فى كثير من الألغاز واصطناع للمجاز والافتنان فى التنكر والتستر والاستخفاء. لن يحتاج الجيل الناشئ إلى شىء من هذا لأنه لن يجد أمامه النظام الملكى المستأثر بالأمر من دون الشعب. وسيخلص الجيل الناشئ من تعقيد آخر قاومناه ما استطعنا أن نقاومه، ولكنه كان يؤثر فى حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيراً بعيد المدى. وهو تعقيد الاحتلال الأجنبى الذى كان يتغلغل فى أعماق حياتنا المادية والسياسية، ويتدخل فى كثير من مرافقنا، ويؤثر بذلك فى مصالح الأفراد والجماعات، ويحالف النظام الملكى حيناً فيثقل علينا الهول، ويخالفه حيناً آخر فيأخذنا الشر من جميع أقطارنا، ونضطر إلى كثير من المصانعة والموادعة. ونلاين حيناً ونخاشن حيناً آخر، ونشقى بتفرق الأهواء واختلاف الميول والنزعات من حولنا، ونجد العناء كل العناء فى التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق إلى التفكير والتعبير.


لن يشقى الجيل الناشئ بهذا الاحتلال لأنه سيحيا فى وطن لا يتسلط الأجنبى عليه من قريب أو بعيد. سينشأ حراً فى وطن حر بأوسع معانى هذه الكلمة وأعمقها، وسيخلص من عقدة الاستعمار هذه التى شقيت بها الأجيال من قبله دهراً طويلا.


وسيخلص الجيل الناشئ من عقدة أخرى غير هاتين العقدتين، وهى عقدة النظام الاقتصادى البغيض الذى شقيت به الأجيال من قبله، والتى قمت الشعب إلى الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغنى عنهم ولا عن غيرهم شيئا، والفقراء المعدمين الذين يشقون بغير حساب لأنهم لا يجدون ما يقيم الأود أو يرضى حاجة الإنسان الذى يستطيع أن يكون إنساناً.


وكلمات المرض والفقر والجهل والأعداء الثلاثة التى كانت الحكومات تتشدق بها فيما مضى، كلمات يسيرة حين تنطق بها الألسنة، ولكنها عسيرة معقدة حين نحاول أن نحقق معانيها فى نفوسنا، فهى تصور أشقى ما يمكن أن يفرض على الناس من ضروب الحياة، وهى تمتحن نفوسهم بألوان لا تحصى من التعقيد الذى يميت القلوب ويفل الحد ويلغى النشاط ويبغض العيش إلى الناس. هذا الذى لا يجد ما ينفق وله قلب ذكى وعقل راجح وقدرة على العمل الخصب والنشاط المنتج، ولكنه لا يستطيع أن يعمل ولا أن ينشط لأنه لا يجد إلى العمل ولا إلى النشاط سبيلا. وكيف السبيل إلى العمل والنشاط إذا لم تجد من الطعام والشراب ما يمسك عليك الحياة.


وهذا الجاهل الذى لا يفرق بين الخير والشر، ولا يميز بين ما ينفعه وما يضره، وله فضل من قوة وحظ من أيد ولكنه لايعرف كيف يوجه قوته ولا فيما ينفق جهده، فهو يتخبط بين الشر اليسير والإثم المفسد لحياته ولحياة من حوله من الناس. وامض ما شئت فى تصوير ما يثير المرض والفقر والجهل فى حياة الناس من شر وما ينشأ فى نفوسهم من عقد، وما يبث أمامهم من عقاب، وتصور جيلاً يتاح له فى يوم من الأيام ما لم يتح للأجيال الماضية من صحة الأجسام وذكاء القلوب ونفاذ البصائر وسعة المعرفة، وانظر ما عسى أن يكون من الفرق بين هذا الجيل السعيد وبين الأجيال التى سبقته من الأشقياء، ثم وازن بين ما يمكن أن ينتجه هذا الجيل السعيد من ألوان النشاط فى حياته المادية والعقلية والفنية وبين ما أنتجته أجيال الشقاء من قبل، فسترى الفرق عظيماً خطيراً بين إنتاج الموفورين، وإنتاج المحرومين، وبين إنتاج السعداء، وإنتاج الأشقياء.


وإذا بلغت هذه الغاية من الموازنة فقد عرفت أن أدب الثورة الذى يستحق هذه الإضافة ليس هو الأدب الذى أنتجناه أو الذى ننتجه الآن، وإنما هو الأدب الذى سينتجه أبناؤنا وأحفادنا حين يتاح للثورة أن تبلغ غايتها وتحقق أغراضها، وتضع عن المصريين إصر حياتهم تلك التى ضاقت بهم وضاقوا بها، وتتيح لهم حياة أخرى لايجدون فيها قهراً ولاعسفا، ولا يخضعون فيها لبأس أو ظلم، ولايشقون فيها بفقر أو جهل أو مرض، وثق بأنى لا أخدع نفسى عن حقائق الأشياء ولا أخدعك عن هذه الحقائق، فلست أنا من السذاجة بحيث أظن أن الثورة ستتيح للأجيال المقبلة سعادة دائمة ونعيماً مقيماً، فالسعادة الدائمة الكاملة لم تتح للناس ولن تتاح لهم فى هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم مدخر للصالحين من الناس فى حياتهم الثانية، وليس معجلاً لهم فى حياتهم هذه الأولى.


ولكن الشىء الذى أثق به كل الثقة، وأؤمن به أعمق الإيمان، هو أن الثورة ستتيح حين تبلغ غاياتها للأجيال المقبلة من قوة النفوس وصلاح الحياة ما يمكنها من طلب السعادة والنعيم قادرة على طلبهما، ومن مقاومة البؤس والشقاء قادرة على مقاومتهما.


وليس هذا بالشىء القليل، وما أعظم الفرق بين أدب يقبل عليه أصحابه وهم آمنون مطمئنون لا يسعى إليهم الخوف ولا يدبر لهم الكيد، وأدب ينتجه قوم يختلسون الفراغ له اختلاساً ويسترقون العناية به استراقاً، ويجدون من حولهم ما هو خليق أن يبغض إليهم الأدب ويصرفهم عنه صرفاً، يشقون فى أنفسهم ويشقون بشقاء من حولهم من الناس، ولا تتاح لهم حتى الوسائل اليسيرة للإعراب فى صراحة وأمن عما يجدون من شقائهم وشقاء الناس.


فانتظر إذن أدب الثورة بمعناه الصحيح من الجيل الناشئ يوم يتاح له الإنتاج، واقرأ أدبنا هذا الثائر إن شئت، وأعرض عنه إن أحببت، فإنا لا نملك أن نعطيك إلا ما فى أيدينا، وفى أيدينا أدب ثائر لا أدب ثورة، وما أعظم الفرق بين الأدبين.


(الجمهورية، 23 أكتوبر 1954).