عودة إلى طرح قضايا الاستبداد، بمرارة أشد .. المسرح المصري لم يهنأ كثيرا بالثورة

21/01/2015 - 1:10:48

عرض مسافر ليل لصلاح عبد الصبور عرض مسافر ليل لصلاح عبد الصبور

كتب - محمود الحلواني - كاتب مصري

لن يبذل المتابع لعروض المسرح المصرى، التى تقدم على خشبات المسارح حاليا، ومنذ عامين تقريبا، الكثير من الجهد ليتأكد أن شيئا لم يتغير، وأن المسرح عاد ليطرح القضايا نفسها، التى كانت تشغله قبل ثورة 25 يناير، والتى كانت تدور فى مجملها بين قوسى التمثيل لبنى وعلاقات استبدادية وقهرية، سياسية واجتماعية، تشكل السلطة المهيمنة من ناحية، وبين معاناة المقهورين وسعيهم لطلب العدل والحرية من ناحية أخرى، الأمر الذى يؤكد أن المسرح، لم يهنأ كثيرا بالثورة، وأنه سرعان ما بدأ يفقد نشوته التى غمرته أثناءها، وبعدها مباشرة، كما باخ تفاؤله سريعا ولم يعد يثق بأنها حققت أيا من أهدافها، وربما لن تحققه على المدى القريب على أقل تقدير.


فى البداية، وفى أعقاب ثورة 25 يناير مباشرة، كان الحماس هو سيد الموقف، لم تكن المآلات قد اتضحت بعد، فانتفخ المسرح بحالة من التفاؤل، التى دفعته لإنتاج وممارسة ما كان يتصور أنها حقوق أساسية له، وللناس، أنتج البيت الفنى للمسرح، وقتها، عددا من العروض المتفائلة، الارتجالية والشبابية غالبا، مثل "هنكتب دستور جديد" إخراج مازن الغرباوى، ليضع الشباب فيها تصوراتهم لما ينبغى أن يكون عليه الدستور الجديد بعد الثورة، محققين خلاله كل ما كان يراودهم من أحلام عن عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، وعيش وحرية إلخ، كما قدم عروضا أخرى انشغلت بإعادة إنتاج وتصوير بطولات المصريين خلال أيام الثورة، حتى إجبار حسني مبارك على التخلى عن منصبه، اتسمت تلك العروض بالطابع الغنائي من ناحية، والتوثيقى لأحداث الثورة من ناحية أخرى، منها "تذكرة للتحرير" إخراج سامح بسيونى و"حكاية ميدان" إخراج عمرو قابيل.


كما حملت مسرحيات تلك الفترة عناوين متفائلة مثل «قوم يا مصرى» للمخرج عصام الشويخ، و"ورد الجناين" إخراج هانى عبد المعتمد، ذلك التفاؤل الذى دفع المخرج إسلام إمام لأن يلتقط (صورة للشعب الفرحان) مستعيدا غناء صلاح جاهين لثورة يوليو وشعبها الفرحان تحت الراية المنصورة.


كما نزلت ادارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة بعدد من العروض المسرحية إلى ميدان التحرير، علاوة على تقديمها لمهرجان جديد حمل اسم (مسرح الثورة) خلال الفترة من 23 إلى 27 أكتوبر 2011 على المسرح العائم (فاطمة رشدى)، فضلا عن الكثير من العروض التى قدمتها الفرق المستقلة والحرة، وقد اتسمت العروض التى قدمت خلال تلك الشهور بنبرة سخرية، عالية وغير مسبوقة من النظام السابق، يدفعها الإحساس بالزهو والانتصار، والحماس الذى خلقته الثورة.


غير أن تلك المصالحة التى عقدها المسرح مع المستقبل، لم تطل كثيرا، وسرعان ما فقد حماسه، مع ما يشاهده من خسائر على الأرض، وتراجع لكل الأهداف التى حلم ونادى بها، كما لم يبتلع كم الخرافات والأساطير التى روج لها الإعلام، فى الآونة الأخيرة، ودفع بها كثيرا من الناس لأن ينطلقوا مهللين وراقصين وراء كل طبلة تدق، وما أكثرها، عن أهداف تتحقق أو مستقبل يشرق، كان المسرح يستمع إلى هذه الطبول الجوفاء من أذن، ويخرجها من الأذن الأخرى، ولسان حاله يقول، غير آبه بما يحيطه من دعاية: خُلقت لأعترض!


أتيح لى متابعة أغلب- إن لم يكن كل- المهرجانات المسرحية التى أقيمت فى مصر، منذ يناير 2011 إلى الآن، من مهرجانات فرق الثقافة الجماهيرية، إلى المهرجان القومى للمسرح المصرى، إلى مهرجانات المسرح الجامعى، ومهرجان نوادى المسرح، ومؤخرا مهرجان "مسرح بلا إنتاج" الدولي في دورته الأولى (23 ـ 30 ديسمبر 2014) بمدينة الإسكندرية، وكانت الملاحظة الأبرز التى يمكن استخلاصها هى ما قدمته فى بداية هذا المقال؛ من عود على بدء، واستعادة للأسئلة والقضايا السابقة على الثورة، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال، استعادة المخرج جمال ياقوت نص الإسبانى باييرو باييخو (القصة المزدوجة للدكتور بالمى) التى تعالج قضية ممارسة التعذيب على المعتقلين السياسيين، وعرض "قهوة بلدى" للمخرج أحمد عادل، الذي أعاد طرح علاقة قمع ممثلى النظام لأحلام الناس وشكاواهم، مصورا الطابع البوليسي واندساس المخبرين بين الناس، على المقهى، مستعينا أيضا بالأغاني الثورية ذاتها للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم.


وربما كانت عروض (مهرجان نوادي المسرح) التي قدمت في سبتمبر 2014 على مسرحي "فاطمة رشدى" و"قاعة الغد" هي الأكثر دلالة، على استدعاء المسرح لقضايا ما قبل الثورة ؛ حيث غلبت عليها تيمات العجز عن الفعل والتحريض عليه من ناحية، واليأس من التغيير من ناحية أخرى، ولسان حال بعضها يردد وراء أمل دنقل قوله: وخلف كل قيصر يموت قيصر جديد، وخلف كل ثائر يموت أحزان بلا جدوى ودمعة سدى. من هذه العروض (دماء على ستار الكعبة) لقصر ثقافة المنيا، الذي استعاد مخرجه أحمد عبد الوارث نص (فاروق جويدة) ليكشف من خلاله عن أولئك الذين ينخرطون فى فعل الثورة، حتى يتم التخلص من الطاغية، ثم سرعان ما ينقلبون هم أنفسهم إلى طواغيت وهوما فعله "أمين المصري" الذي سرعان ما قفز على كرسي "الحجاج"، بعد أن تم التخلص منه بواسطة الحالمين بالحرية والعدل، وراح يردد خطابه نفسه، المداهن للشعب أولا، ثم المستبد باسم الدين وباسم العدل والكرامة ثانيا، وقد راح يفرض أجندته التي تفارق تماما مطالب البسطاء وأحلامهم، حاملا خنجره، وموغلا في الدم من جديد.


الأمر نفسه يتكرر في عرض (موعد معها) لفرقة نادي مسرح دمياط، تأليف محمد يوسف وإخراج السيد يوسف أبوشاهين؛ حيث تسعى الأميرة ومعها الشعب للثورة ضد أبيها مغتصب العرش، وتسترد عرشها بالفعل بعد مقتل الأب، غير أن قائد الثورة يقوم ـ عن طريق الحيلة ـ بالاستحواذ على العرش مجددا ويمارس سياسة العنف وتكميم الأفواه وسياسة الشعب بنشر الجهل والخرافة، مستعينا بوزير الملك السابق. ولعل الأمر نفسه ما حاول عرض "ليلة القتلة" لفرقة مسرح قصر التذوق بسيدي جابر، التحذير منه ولفت الأنظار إليه، وهو العرض الفائز بجائزة أفضل عرض في مهرجان نوادي المسرح، حيث استدعى مخرجه إسلام وسوف نص الكوبى "خوسيه تريانا" ليقول إن الاستبداد قد يكون أحد دوافع بعض الثوار للتخلص من النظام المستبد القديم؛ حيث سعى الابن لتحريض أختيه على قتل الأبوين، للتخلص من سلطتهما، بداعي إعاقتهما للحرية الشخصية لأبنائهما، ومن خلال الدراما يتكشف الوجه الاستبدادي لهذا الابن أيضا.


أما عرض (الجزيرة) لفرقة نادي مسرح بورسعيد للمخرج حسام سامي، فهو معالجة لنص الجنوب إفريقي (أثول فوجارد) الذي تدور أحداثه فى سجن تعلو فيه صرخات المصلوبين وأنين الضحايا تحت قهر الجلادين وصلبانهم المنصوبة والجاهزة لاستقبال الأحلام المشروعة، والتهمة دائما جاهزة: الخروج على القانون. ويظل نداء العدل والحرية معلقا على الصلبان يشكل الصورة المسرحية لمجمل العرض، واللافت أن النص نفسه لفوجارد، يتكرر تقديمه فى المهرجان بمعالجة أخرى حملت اسم (السجين 112) لفرقة نادي مسرح بيت ثقافة رشدي بالإسكندرية، من إخراج غانم المصري، الأمر الذي يشير بقوة إلى أن شباب المسرح لم يغادر بعد إحساسه بالاختناق وفقدان الحرية، والأمل في غد أفضل.


ومن العروض التي تدعم ذلك أيضا عرض (مسافر ليل) لصلاح عبد الصبور، الذي قدمته فرقة نادى مسرح بنها، للمخرج ياسر إسماعيل، ويتناول مأساة الراكب الأعزل، والذي تتناوب عليه سترات وأوجه القهر المدوخة، وتمارس عليه استبدادها، فيما يشبه العبث الذي لا نهاية له. ثم يأتى عرض "عيون بهية" ليعيد علينا قصة اغتصاب الباشا للأرض، وعجز ياسين عن الثأر منه، ومقتله، ورغبة الباشا فى بهية، التي تساق إلى القصر عنوة. ويستدعى عرض (برديات الشمس) لنادي مسرح بني مزار تأليف وأشعار إسلام فرغلى وإخراج غريب مصطفى، الفلاح الفصيح ليعيد بث شكاواه ومظالمه إلى الحاكم الذي يعطيه ظهره، حتى لا يجد الفلاح في النهاية أمامه غير الثورة عليه، ومعه كل المظلومين من الشعب.


هكذا فى مهرجان واحد، مهرجان نوادي المسرح، تجتمع أغلبية عروضه على أن شيئا لم يتغير بعد الثورة، الأمر الذى دفعها لإعادة طرح القضايا والأسئلة نفسها، ربما بمرارة أشد.