البحث العلمي .. فريضة غائبة انتبه لها الدكتور مشرفة

21/01/2015 - 1:09:42

د . مصطفى مشرفة د . مصطفى مشرفة

كتب - د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

تابع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، في جمع من المسؤولين والعلماء، عملية هبوط إنسان إلى (مسبار) Robot على سطح مذنب يبعد عن الأرض بحوالي 500 مليون كيلومتر، وذلك من داخل مركز العلوم بباريس مساء الأربعاء 12/11/2014، وحين طالع المصريون ما تضمنته صحف الأيام التالية من تفاصيل هبوط المسبار الذي حمل اسم "فيلة"، وهي الجزيرة الشهيرة الواقعة في النيل بالقرب من السد العالي، والتي ذاع اسمها بسبب وجود معبد للربة إيزيس، دغدغ مشاعرهم ما ذكرته صحيفة "الأهرام" يوم السبت 15/11/2014، من أن أربعة علماء مصريين كانوا ضمن فريق العلماء المشرف على العملية، وسوف يدهش القارئ حين يعلم أن أول ما تذكرته من أسماء، حال قراءتي لأسماء العلماء المصريين الأربعة المشاركين في مهمة هبوط المسبار على المذنب، هو اسم العالم المصري الفذ: الدكتور علي مصطفي مشرفة (1898 ـ 1950).


"الموسوعة الثقافية" التي حررها الدكتور حسين سعيد تعرف المذنب Comet بأنه "أجرام سحابية الشكل، تدور حول الشمس، لها رأس سديميّ المنظر، به نواة أو أكثر، وقد يمتد منه ذيل يربو أحياناً علو 100 مليون ميل، ويتكون من صخور أو حبيبات رملية، تتخللها مواد غازية، كان المعتقد أنها تأتي من خارج المجموعة الشمسية، ولكن الرأي الحديث يتبعها للمجموعة الشمسية". ما أثبت في "الموسوعة الثقافية" من معلومات عن المذنبات، جاء عن طريق المشاهدة والرصد، لأن الأرض تعرضت خلال عمرها لوابل من المذنبات، ومن أمثلة ذلك المذنب هالي الذي زار الأرض عامي 1910 و1986.


تقول الأبحاث إن المذنب يتكون غالباً من جليد الماء وقليل من غازيّ الميثان والأمونيا المتجمدين، وتدور المذنبات حول الشمس في مدارات إهليلجية Elliptical ، والإهليلج شجر ينبت في الهند والصين، والإهليلجيّ هو المشبه لثمر الإهليلج، وهيئته أقرب إلى القطع الناقص ellipse ، بينما تدور الكواكب حول الشمس في مدارات غير تامة الإهليلجية وتبدو أقرب إلى الدوائر، لأنه لو كانت مدارات الكواكب تامة الإهليلجية، لتقاطعت تلك المدارات مع بعضها البعض، وتصادمت عند لحظة معينة، غير أن كارثة التصادم بين الكواكب قد انتفت تماماً مع المدارات الحالية للكواكب حول الشمس والأقرب إلى الشكل الدائري! (كارل ساجان: الكون)، ويعمل اقتراب المذنبات من الشمس جراء شكل مدارها على تبخر مكونها من الماء المتجمد، مما يتسبب في خلق الذيول الطويلة التي تميزت بها المذنبات، ويعمل تبخر محتوى المذنبات من الجليد على تحويلها إلى كويكب مكون من الصخور والمادة العضوية (كارل ساجان: كوكب الأرض... نقطة زرقاء باهتة)، فإذا ما تصادم جزء من مذنب بسطح كوكب خلال دورانه حول الشمس، فإن انفجاراً شبيهاً بالانفجار النووي سوف يحدث في محيط موقع التصادم، إن تكرار التصادم بين المذنبات والكواكب قد ملأ مدارات المذنبات بالقطع الصغيرة التي تعرف باسم النيازك (ألكسندر فون همبولدت: الكون)، وما أن تخترق النيازك غلاف الأرض الجوي، حتى ترتفع درجة حرارتها بفعل الاحتكاك مع هذا الغلاف، فتتوهج وتحترق مطلقة وميضاً كوميض الألعاب النارية.


تحفل كتب التاريخ والفلك بأخبار المذنبات، ومن ذلك كتاب أسقف ماجدبورج: أندرياس سيليشيوس الذي صدر عام 1576 وجاء فيه: "المذنب هو الدخان الثخين للخطايا البشرية المتصاعدة كل يوم وكل ساعة، وكل لحظة، والمليء بالروائح النتنة" (كارل ساجان: الكون)، وفي ذلك التعريف الخرافي مسحة من حقيقة، تتمثل في أن ما ينبعث من المذنبات من روائح كريهة، إنما ترجع إلى ما تحويه من مركبات عضوية، والتي كان الفلكي وليام هوجنز أول من اكتشفها عام 1868، ليتوصل فيما بعد إلى وجود اليانوجين (CN) في أذناب المذنبات، حيث يتكون اليانوجين من ذرة كربون ) وذرة أزوت (N)) واليانوجين من المركبات السامة، إذ يستخدم في تصنيع السيانيدات! (كارل ساجان: المرجع السابق).


وقد أثار محتوى المذنبات من المركبات العضوية دوما مزيداً من الأسئلة حول نشأة الكواكب بصفة عامة ومجموعتنا الشمسية بصفة خاصة، مما صرف جانباً معتبراً من جهود استكشاف الفضاء لمحاولة فحص تلك المذنبات الجوالة، وهو الهدف الرئيسي لرحلة المركبة الفضائية روزيتا (أو رشيد) إلى المذنب "67 بي / تشوريموف ـ جيراسيمينكو"، والذي سُمي بهذا الاسم نسبة إلى العالمين الروسيين اللذين اكتشفاه عام 1969، ويبلغ عرض المذنب حوالي أربعة كيلومترات وطوله قرابة عشرة كيلومترات، وقدر وزنه بما يعادل عشرة مليارات من الأطنان من الغبار والجليد، وكشف الرصد أن المذنب يتم دورة كاملة حول الشمس خلال ستة أعوام ونصف العام، وأظهر الرصد أيضا أن شكل المذنب أقرب إلى شكل البطة، وأنه تنبعث منه رائحة كريهة تشبه رائحة البيض الفاسد وروث الخيل (الأهرام: 15/ 11/ 2014).


انطلقت المركبة الفضائية روزيتا - حاملة المسبار فيلة - إلى المذنب في مارس 2004، فبلغته في أغسطس 2014، طاردت المركبة المذنب، لتتوج المركبة مهمتها بالنجاح في وضع المسبار داخل قطعة من المذنب تبلغ مساحتها كيلومتراً مربعا واحداً، وليبدأ المسبار بالحفر لأخذ عينات من التربة، وقياس درجة الحرارة وشدة المجال المغناطيسيّ، لمعرفة إمكانية نشأة الحياة في وجود ما يحويه المذنب من عناصر أولية.


سلطت وسائل الإعلام الضوء على المصريين الأربعة المشاركين في مهمة المركبة روزيتا وهم: د. عصام معروف، د. عصام حجيّ، د. رامي المعري ود. أحمد الشافعي، وجميعهم من الباحثين في كبريات الجامعات والمراكز البحثية بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، فمما لا شك فيه أن وجود هؤلاء الأربعة بين الفريق العلمي الذي أشرف على رحلة المركبة روزيتا إلى المذنب وإسقاط المسبار فيلة عليه، حدث تاريخي واعتراف بالقيمة العلمية لأبحاثهم التي زكت أسماءهم للمشاركة في هذا الحدث العلمي المهم، ولكن القول إن مشاركة الأربعة في هذه المهمة سوف تعود بالنفع على البحث العلمي بمصر، فإن الآراء تنقسم هنا بين مؤيد ومعارض، ومن أمثلة الآراء المؤيدة لهذا القول ما جاء في تغطية صحيفة "الأهرام" لعملية هبوط المسبار (السبت 15/11/2014): "هذه المهمة التي شارك بها علماء مصريون، تحمل رسالة مهمة بأننا نمتلك كفاءات قادرة على تحقيق إنجازات كبرى"، وتضمنت التغطية الرأي المعارض أيضاً، حيث جاء بها الآتي: "وبالاتصال بالدكتور عصام حجّي للحديث عن المهمة (رشيد)، أوضح أنهم حاليا غير مصرح لهم بالحديث لوسائل الإعلام"، فمن المعروف أن كثيراً من باحثينا ـ ولا أقوال علماءنا ـ المهاجرين إلى الغرب، لا يصرح بنشر رسائلهم العلمية، ولا حتى استلال مقالات علمية من تلك الرسائل، فكيف يعتقد البعض منا الإفادة من خبرات هؤلاء الباحثين المرتبط أكثرهم بمشاريع بحثية حساسة وقد تكون سرية؟، وأنّى لدولة كمصر تتناوشها مخاطر الإرهاب والمؤامرات خلق بيئة بحثية حقيقية من مخرجات نظام تعليمي تجسدت فيه كل المساوئ؟


عبقري من دمياط


ولد علي مصطفي مشرفة في 11/7/1898 بدمياط، كان والده من سراة دمياط ومن أتباع مدرسة الإمامين جمال الدين الأفغاني


ومحمد عبده، فشب الفتى عليّ مشرفة محباً للعلم ومتفهماً للدين على نهج قويم يرفض البدع والتطرف، وأظهر طوال مراحل تعليمه - وبالرغم من وفاة والده المبكرة - تفوقا ظاهراً، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1910 ومحققا المركز الأول على عموم القطر المصري! وإثر تخرجه في مدرسة المعلمين العليا عام 1917، اختير في 31/8/1917 لبعثة إلى إنجلترا على نفقة وزارة المعارف العمومية، فانتظم بين عامىّ 1917 و1920 بكلية نوتنجهام، حتى حصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات، والتحق بعد ذلك - وبناء على توصية أساتذته الإنجليز - بكلية الملك في جامعة لندن للحصول على درجة دكتور في الفلسفة Ph. D، وحصل عليها في أقصر مدة تسمح بها قوانين الجامعة، وذلك في فبراير 1923، وانتخب علي مشرفة خلال دراسته لدرجة الدكتوراه عضواً في الجمعية الفلكية، ونشر كذلك مجموعة أبحاث في أشهر المجلات العلمية الإنجليزية، وبعد عودته إلى مصر وتعينيه مدرساً بمدرسة المعلمين العليا، توجه في صيف عام 1923 إلى إنجلترا على نفقته الخاصة للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم D. Sc من جامعة لندن، وحصل عليها في مارس 1924، ليكون بذلك أول مصري يحصل على هذه الشهادة العلمية الرفيعة القدر: دكتور علي مصطفى مشرفة)، وعندما عاد إلى مصر، تدرج في الوظائف الجامعية، حتى عين عميداً لكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم وكيلاً للجامعة.


تعد مسيرة الدكتور مشرفة العلمية والوظيفية نقيضاً لمسيرة الباحثين الأربعة المشاركين في مهمة المركبة روزيتا، ولمسيرة كل الطيور المصرية المهاجرة إلى جنات الغرب.. بدءاً من د. أحمد زويل حتى أصغر باحث، فبالرغم مما لقيه في وطنه من عنت المسؤولين ومؤامرات الفاشلين، فإن ما قدمه من أبحاث وجهود في الجامعة وخارجها، أسهم في رفع مكانة مصر العلمية ونشر الوعي بقيمة العلم بين أبناء وطنه ممن حرموا نعمة التعليم والثقافة، إذ يكفي القول هنا إن أبحاث الدكتور مشرفة عالجت مجالات عدة منها نظرية الكم والذرة والإشعاع والميكانيكا والديناميكا، حتى أربى عددها على خمسة وعشرين بحثاً، نشر معظمها في كبريات المجلات العلمية، ومنها مجلة "الطبيعة" Nature الشهيرة ومجلة "أعمال الجمعية الملكية" Roy.Soc.Proc. ، مما دفع جامعة أمريكية شهيرة هي جامعة برينستون إلى دعوته ليلقى فيها ? كأستاذ زائر ? محاضرات عن الذرة، يوم أن كان البرت آينشتاين بين النخبة من أساتذة هذه الجامعة. إن مآثر الدكتور على مشرفه - رحمه الله - أكثر من أن تحصى، ويكفيه رأيه الكاشف والعبقري لأزمة البحث العلمي في مصر وغيرها من الدول، والذي يتلخص في الآتي: "يجب أن نوجد بجانب البحث العلمي البحت، بحثاً من نوع آخر يسمى البحث العلمي الصناعي أو التطبيقي، وكل مصنع من المصانع يجب أن يوجد به قسم خاص لبحث مشكلاته الصناعية التي يزاولها، وبه معامل وعلماء متخصصون يتفرغون لحل المسائل التي تنشأ عن هذه الصناعة" (المرجع السابق).


رحم الله الدكتور علي مصطفى مشرفة وجزاه عن جهوده في خدمة وطنه خير الجزاء، ولمثل هذا فليعمل العلماء.